Posted by Engineer on September 01, 2012

 

كتب قاسم مسعد عليوة : لم يكن ميناء بالمعنى المفهوم، أى ميناء مستقلا بذاته، لكنه كان جزءاً من ميناء بورسعيد، داخل فيه وغير منفصل عنه، وكان يقع عند مدخل القناة مجاورا للجزء الشمالى من رصيف دى ليسبس "حجر سبس".

فى هذه المنطقة كانت ترسو مراكب الصيد ذوات الصوارى والمواتير، تلك التى تعرف بمراكب النابورطال (نسبة إلى ميناء نابولى  ). 



ما أكثر ما جلسنا فوق هذا الحجر نتابع طقوس الصيادين عند إقلاعهم أو رسوهم، ونراقب أساليبهم فى شد وتنفيض وجمع ورتق الشباك ونشرها إلى صوارى المراكب وفيما بينها لتجفيفها  

كنا نشده لمرأى هؤلاء "الشقيانين" الذين يصعدون ويهبطون فى مهارة ودربة السلالم المصنوعة من الحبال المربوطة إليها ألواح خشبية صغيرة تستخدم كدرجات للصعود والهبوط. مع تأرجح هذه السلالم الدائم كان الصيادون كالقرود يصعدونها ويهبطون، وكانت شاهقة الارتفاع وموصلة إلى قمم الصوارى حيث ترفرف بعض الأعلام، وحيث مكان النظر واستطلاع الأفق والتعرف إلى حال البحر وتحولاته البعيدة

أطواق نجاة مستديرة كنت أراها معلقة إلى الصوارى. أطواق مستديرة بيضاء تتخللها خطوط حمراء، لكنها كانت جد قليلة. ربما كانت كثيرة لكن شباك الصيد بلونها البنى الغامق وفلينها ورصاصها حالت بينى وبين رؤية أغلبها، أو لأن الصيادين كما كنت أعتقد ويعتقد غيرى سباحون مهرة.

على الرغم من أجواء الاضطراب التى كانت تحدثها حركة مراكبهم فى الميناء عند مرور السفن والبواخر ذوات المداخن العابرة للقناة، أو تلك التى تهم بالرسو فى الميناء، فإن ذاكرتى خالية من أية حوادث تصادم كبيرة الشأن أو فاجعة الأثر، وقعت بين مراكب الصيادين وهذه المدن العائمة.

ولا أنسى أبداً أن مراكب الصيد هذه كانت دائمة الترجرج بفعل الدوامات التى كانت تحدثها "رفاصات" هذه البواخر المواخر، وموتورات اللنشات الطائرة فوق سطح مياه القناة، ومع هذا فكل شى كان يتم بانضباط وانتظام وإتقان، على الرغم من الأخطار التى كانت تحدق بهم، وما أكثرها.

من موقعى فوق "حجر سبس" كنت أشاهد قوالب الثلج وهم يصعدون بها إلى أجواف المراكب. كل مركب بها ماكينة لجرش الثلج، وما أكثر أكوام الملح التى كانت تنقل إليها قبل إقلاعها، فى مواسم السردين بالتحديد، فهى تمضى وراء أسرابه لمسافات وأيام، ولو ترك السردين بدون ملح لفسد قبل أوبتها.

مواسم السردين فى بورسعيد كانت تعادل مواسم جنى القطن فى الريف المصرى. شىء مذهل وممتع، وخير لايدانيه خير. كان هذا المكان بؤرة تمركز هذا الخير، وإلى جواره كان شاطى بورسعيد الممتد لنحو ثلاثة كيلومترات حيث يتم صيده بأسلوب آخر يعرف بالـ"جرفة"، أرجو أن نتاوله فى موضع آخر.

مظاهر التعاون والتنظيم كانت تبدو فى أفضل صورها عند إنزال "جنابيات" السمك من المراكب إلى الرصيف عبر السقالات الخشبية، ومن الرصيف إلى العربات التى كانت تجرها وقتذاك الخيول والحمير؛ وكذلك عند إعادة هذه الـ"جنابيات" فارغة إلى المراكب. عند الإعادة قليلا ما كان يصعد بها حاملوها السقالات الخشبية، وإنما كان يقذف بها واقفون فوق الرصيف إلى حيث يتلقفها واقفون بأسطح المراكب. قذف وتلقف موقعان دقيقان.. يضبطان إيقاع الأجساد وحركاتها، ولا أذكر أننى شاهدت مرة "جنابية" سقطت من قاذف أو لاقف.

استمتاعى بسماع أغانيهم أثناء ممارساتهم لأعمالهم لم يكن يدانيه استمتاع، فكم كانوا مرحين وفنانين

لمن يريد أن يشاهد مقطعاً حياًً، وإن كان مبتسراً للغاية، لشكل الحياة فى هذا المكان قديماً يمكنه أن يعود إلى فيلم "شاطئ الأسرار" الذى قامت ببطولته الفنانة ماجدة، ففى هذا الفيلم مشهد يغنى فيه الفنان بديع الصوت محمد قنديل أغنيته الشهيرة"يا حلو صبح، يا حلو طل.. يا حلو صبح، نهارنا فل"؛ فقد التقط هذا المشهد فى ميناء الصيد القديم موضوع حديثنا.

هذا المشهد تلاشى تماماً بفعل التغيرات الجذرية التى طرأت عليه، ففى عهد جمال عبد الناصر، فى العام 1957م. خصص لهم ميناء مستقلا بهم. ميناء أكثر مأمونية، فى منطقة مجاورة لهذا الميناء القديم ، ميناء يضم أربعة أحواض، يستوعب نحو 200 مركب آلى، ومزود بمنارتين ومحطة وقود، ومصنع للثلج ويتيح التزود بكل مستلزمات الصيد ومستلزمات الصيادين من طعام وشراب.

لكن فى عهود الفساد أهمل الميناء كثيراً، ونتيجة لعلو أبراج الأثرياء السكنية فى المنطقة المطلة على هذا الميناء، ولأنهم يأنفون من رؤية مشاهد الرسو والإقلاع ورؤية الصيادين البؤساء ضغطوا وخططوا للاستيلاء على هذه الأحواض الأربعة وتحويلها لمارينا لليخوت بزعم السياحة و...و...، ومع حملاتنا المضادة وسؤالنا الدائم لماذا لا تنشئون هذه المارينا إنشاء؟.. ولماذا تستولون على أماكن البسطاء؟.. لماذا تريحون أنفسكم وترهقون هؤلاء المنتجين، الذين لولاهم ما أترفتم وما اغتنيتم؟.. لولا هذا لقضى على ميناء الصيد الحالى بأحواضه الأربعة من زمن.. ومازال الخطر قائماً.

بقى أن أقول أن المكان الذى كانت ترسو فيه وتقلع منه مراكب الصيد فى مينائها القديم تغيرت ملامحه تماماًً، وصبت فيه الخرسانة وحيل بين الجالسين فوق "حجر سبس" ورؤية الماء من أسفلهم وتتبع أسراب السمك وهو تسبح تحت الماء.

كان زمن أظنه لن يعود.

الصورة بريشة الفنان.. ابن بورسعيد.. مصطفى العزبى.

 

 

 

 

قاسم مسعد عليوة

                                                                                    سبتمبر 2012م.