Posted by Engineer on September 04, 2012

 

كتب : قاسم مسعد عليوة   -  مَنْ كان يروم معايشة الفِطرة التى فطر اللهُ الناسَ عليها كما هى، دونما نقصان أو زيادة أو تبديل، فليتجه إلى القابوطى. 

كان هذا يقينى وأنا بعد طفل غرير، وصبى يتوق إلى المعرفة، وشابٌ يطمح إلى القبض على وهج الحقيقة. هو يقين نما بداخلى واستمر ينمو طوال خمسينيات وستينيات القرن العشرين، ليذبل مع دخول السبعينيات ويتهشم كلية فيما بعدها. 

ناس القابوطى بسطاء، طيبون، وكرماء إلى أبعد حد تتيحه أوضاعهم الاقتصادية. من دون سائر البشر مكرهم هو الأقل ضرراً، وشرهم هو الأيسر معالجة. أصولهم ممتدة إلى قرى ومدن ومراكز محافظة الدقهلية المطلة على بحيرة المنزلة، تدل على هذا أسماء العائلات التى تجذرت بالقابوطى: فـَرْح، الشحنة، أصلان، الريس، جربوع، والخضرى.. وغيرها 

ككل التسميات الشعبية القديمة اختلفت تفسيرات اسم القابوطى الذى أصبح عنواناً على القرية؛ فمن قائل بأنه كان يخص شخصا ناضل وجود الفرنسيين والأجانب حال قدومهم إلى المنطقة للهيمنة عليها وعلى مصر بحجة شق قناة السويس، ومن قائل بأن التسمية تحريف لشخص طيب اسمه الشيخ الخربوطى، ومن زعم أن التسمية أصلها انجليزى وأنها مشتقة من "كاب بووت" لأنها كانت مكاناً أو ميناءً لتجميع القوارب فصارث قابوط ثم قابوطى. على أية حال فى القرية مقام صغير المساحة فقير الجمال يعتقد الأهالى أنه يضم رفات مؤسس قريتهم ومانحها اسمها. 

هناك من يقول إن وجود القابوطى أسبق من وجود بورسعيد، لكن وقوعها بين الضفة الشمالية لقناة الرسوة (الصناعية) التى تصل بين بحيرة المنزلة وقناة السويس، والصفة الغربية للقنال الداخلى (الصناعى) الواصل إلى قلب بورسعيد، والضفة الشرقية للسان الملاحى (الصناعى) المشقوق شقا فى بحيرة المنزلة ليصل بورسعيد بقرى ومدن الدقهلية ودمياط، أمر يستدعى التشكك من صحة هذا القول.. الأفضل من رأيى القول بأن القابوطى تجمع سكانى شعبى عشوائى قديم أساسه الاقتصادى صيد الأسماك.

ذات جمعة صيفية لا أنساها ما حييت، على الرغم من أنها تعود إلى مرحلة مبكرة جداً من مراحل عمرى، إذ كنت بالكاد قد تخطيت أعوامى السبعة الأولى. فى صباح هذه الجمعة ـ أقول هذه وليس تلك، فأحداثها متغلغلة فى كيانى حتى هذه اللحظة ـ سرت بحذاء الضفة الغربية للقنال الداخلى مشدوها بمشاهد صناعة سفن الصيد الخشبية وحركة صناعها وأهازيجهم، وما إن خلفتها ورائى حتى بوغت بروعة الهدوء الذى ران على المساحة العميقة التى أمامى. الصمت كان قد حط على كل شىء، وماء القناه انداح على الرمل بلا حواجز أو حواف، والشمس اتخذت من الغمام خماراً فتفضض نورها وصبغ كل المرئيات بلون الفضة. إذ ذاك انبثقت من الماء سميكة التمعت بالألق الفضى ورقصت فى الفضاء الساكن ثم هبط إلى الماء. بعد مسافة عاودت الانبثاق والالتماع والرقص والهبوط. كررت ذات الأمر أربع أو خمس مرات. تتبعتها فإذا بى عند عند ملتقى القنال الداخلى وقناة الرسوة بيوت القابوطى الخشبية القصيرة على مدد الشوف، وفى ماء القنال يقف صياد مسن على الرمل خلفه مشنة، وفى يده شبكة بيضاء جميلة مطوية بعناية حافتها السفلية مرصعة بكريات من رصاص. وقفت أرقب الرجل فإذا به يتحرك خطوتين ويدفع بالشبكة فى الهواء فتنفتح دائرة مكتملة المحيط وتهبط إلى الماء لتغوص فيه، حتى المخروط المربوط إلى الحبل الذى يمسكه بيده غاص تماماً. وقفت مراقباً متتبعاً حتى سحبها فإذا بها عدد قليل من السميكات. خمنت أن السميكة التى شدهتنى من بينهن، لكنهن كلهن كن متشابهات. ساعدته فى تخليص الشبكة منهن ووضع ما استخلصته فى المشنة، وظللت معه أتابع رميه وسحبه لشبكته، وألملم القليل الذى يخرج فيها، وأضعه فى المشنة. كلمنى عن الصبر والرزق والرضا بالقليل وعن بيته المسقوف بجذوع النخل وابنه الذى ركب البوابير التى تعوم فى بحار بعيدة تمخر فيها الحيتان. بعد انتصاف النهار أخرج من مشنته منديلاً محلاوياً فتحه فإذا برغيفى خبز مبلولين بالماء وشبار مشوى. أكلت معه، وللآن لم يزايلنى استمتاعى بما أكلت. قال لى القابوطى بلد المساكين، وخمسة يمتصون دم الغلابة، ولأنه شاخ وما عاد عفياً، وحتى لا يُرمى رمية الكلب الجربان، لجأ إلى الصيد بالطرحة، وربنا هوالرزاق. عند الغروب انصرف إلى قريته وانصرفت إلى بيتى لأنال العلقة التى هى علقة، وليضربنى أبى لأول وآخر مرة فى حياته وحياتى ضرباً عنيفاً مبرحاً.

أكثر بيوت قرية القابوطى مبنى بالخشب والغاب والجص، وقليلها مبنى بالطوب والآجر. بيوت ريفية الطابع، بسيطة، بالكاد تفى بالغرض. أغلبها من طابق واحد، منها ما هو من طابقين: أرضى وأول. نادراً ما كنا نشاهد مسكناً مكوناً من ثلاث طوابق. بامتداد ضفاف الماء كانت المظلات التى تفرغ تحتها الأسماك أو تجرى أعمال الصيانة للقوارب الصغيرة. قوارب من نوع الـ "لوكس" والـ"سنبك". القوراب ذوات الأشرعة يلف ركابها أشرعتها إلى الصوارى قبل رسوها، وحين ترسو تمد سقالاتها إلى البر. بعضها يركن حين رسوه لصق القوراب التى سبقت فى رسوها، وينتقل صيادو المراكب القادمة للتو بأسماكهم بالقفز إلى هذه المراكب ليهبطوا بما اصطادوا ن فوق سقالاتها إلى البر. دوائر بيع الأسماك كانت تقام فى أماكن متفرقة، لكن أغلبها بحذاء ضفاف الماء؛ وفى أى مكان كانت تجرى عمليات رتق الشباك وترقيعها. بالطبع كان هناك من يخدمون هذا المجتمع من نجارين وحدادين وباعة مستلزمات الصيد من شباك وفلين ورصاص ومسلات.. الخ، وكان هناك بقالون وباعة علف وجزارون وفقهاء وغيرهم ممن يستلزم وجودهم أى مجتمع سكنى، لكنهم كانوا قلة قليلة بالقياس إلى أعداد الصيادين.

المساحة التى كانت تشغلها القرية 280 ألف متر. أقول التى كانت، فالعمران الذى فشى أمسك بالقرية ـ التى كانت ـ من قفاها وألحقها بالمدينة، وشاركت البهائم البشر فى سكناها. فزحمت مناطق منها بأكوام من مخلفاتها: سبلة وسباخ، تـُنشر لتجف فى الشمس قبل نقلها إلى المزارع. شىء مريع وغير حضارى، بسببه صارت للهواء روائح كريهة، وطنت فى الأجواء أسراب الذباب والحشرات، وكثرت فى الأرض أسراب القوارض.

من أشهر مناطقها السلاطية واللبانة. اللبانة هى المكان الذى يسكنه رعاة البقر والجاموس، والتسمية تدل على مهنتهم. من فرط أزمة الإسكان زاحم الآخرون اللبانة فى منطقتهم، وأقبل الفقراء على القابوطى كلها، والأسر المقيمة فيها بصفة أصيلة تناسلت جيلاً بعد جيل، فصار المكان أكبر تجمع سكنى عشوائى بمحافظة بورسعيد.

هناك مشروع لتطوير القابوطى اسمه المشروع الإسبانى. بدأ فى العام 1982م. فى عهد محافظ بورسعيد المرحوم السيد محمد سرحان. مشروع أقيم على غير أسس علمية يعتد بها، وكان يرمى إلى تمليك الأراضى لواضعى اليد، بمقتضاه منحت كعوب ورقية بها أماء وأرقام من شملهم المشروع، لأنه مشروع غير علمى أو عملى تعثر من وقت إقراره حتى الآن. تسع محافظون جاءوا ومضوا وسيمضون ولا أحد يمكنه حل مشكلة القابوطى التى تفاقمت.

التلوث هو آفة القابوطى ومرضها. المصانع حاصرتها من كل اتجاه لا سيما تلك التى تنتج الكيماويات، فلوثت هواءها وماءها. الصرف المباشر دون معالجة إلى البحيرة أضر بالتنوع الحيوى فيها، مخلقات العجول والأبقار أفسدت الجو والحياة، بالإضافة إلى افتقاد البنية الأساسية فى كثير من أرجائها وتدهور أحوال الموجود منها، وكذا نقص الوحدات الخدمية وضعف أداء الموجود منها.

المريع فى المسألة أن هناك من يستغل فقر ومعاناة أهل المنطقة وعجز الإدارة المحلية عن حل مشكلاتها لحصد المكاسب السياسية، فى ترجمة عملية للمقولة الشهيرة "مصائب قوم عند قوم فوائد".

كل هذا حدث ومازال يحدث للقابوطى التى لعب سكانها أدواراً بطولية لا تنسى فى دعم وحماية بورسعيد ومصر؛ وأذكر هنا بالخير ابن القابوطى، الجن الأسود كما لقبه الإنجليز، "سعيد الضو" وأمه "أم الضو" وأفراد أسرتهما الذين شاركوا فى إدخال السلاح وأبطال قوات الصاعقة ومتطوعى اليسار المصرى إلى بورسعيد فى قوارب صيد السمك عام 1956م. إنها ذات القابوطى التى صارت قلعة من قلاع العسكرية المصرية فى حروب 1967م، والاستنزاف، و1973م.

إلى القابوطى اصطحبنا أنا والشعراء الكبار "محمد عبد القادر"،"إبراهيم البانى"، و"مجيد سكرانة" الأديبة "سهام بيومى" فشغفتها حباً بمبانيها وناسها والفطرة التى كانوا عليها، وظلت كلما أتت إلى بورسعيد تعرج عليها إلى أخرجت روايتها (أيام القبوطى) رواية جمعت بين التاريخ والخيال وحازت عنها أكثر من جائزة. ابن بورسعيد القاص والمخرج السينمائى الكبير "سيد سعيد" كتب عنها أيضاً رواية تحمل اسم القرية (القابوطى) لكنها لم تنشر للآن.

كل هذا لم يشفع لدى أرباب الإهمال والإجرام، وبدلاً من مكافأة القابوطى بكف أيديهم عنها، نالت منهم جزاء سنمار، ومن فرط ما طرأ عليها من حيف، وأصابها من تشوه شنيع، لم تعد مكاناً للفطرة التى فطر الله الناس عليها، وما عدنا نتجه أو ننصح الآخرين بالاتجاه إليها.

رحم الله القابوطى التى كانت.

(الصورة للفنان البورسعيدى مصطفى العزبى)

قاسم مسعد عليوة

سبتمبر 2012