Posted by Engineer on September 24, 2012

 

كتب السيد الخميسي : شئ ساحر هذا الخط المزبد بين الماء الضحل واليابسة ، يحيط بالمدينة ، كقلادة من الأصداف البيضاء الناصعة ، تتخللها بقع خضراء داكنة , "طحالب" بحرية تتحرك مع حركة المياة قدوما وإيابا . . خارج المدينة ، الأرض بيضاء مشوبة بالاحمرار ، بينها أخاديد من الطين الأسود المشقق من حرارة الشمس .

يقفز فوق جزر الملح الأبيض برشاقة الطائر البحري .. البقعة التي تميل إلى الاحمرار فخ مميت ، بركة ملحية لم يكتمل جفافها ، ملح يغلي ، قطعة من جهنم الحمراء .

يضع قدميه في ماء البحيرة ، إحساس بالنشوة والتعادل ، ينسرب الماء بين خلاياه وروحه ، تنفتح مسامه لهذا الخدر الكوني الآسر ، يخرج غابة الصيد من المخبأ السري ، ينتزع الديدان البحرية الملساء من كتلة الطين المبللة .

قال عمه : هذه الديدان تلحس الجلد ، تمحو بصمات الأصابع

- ما فائدة بصمات الأصابع .. السمك ألذ

يعرف نوع السمكة من رعشتها في الماء ، "القاروس" هذه السمكة الملكية تأكل بأطراف شفتيها , لا تشعر إلا وهي معلقة تتلوى بوقار وانسيابية ، "الدينيس" و"الشبار" و "الوقار" "واللوت" أسماك فتاكة تهجم على الطعم في افتراس ، محدثة جلبة وصخبا شديدا , عند خروجها من الماء .

لا أحب أن أخرج للصيد مع "كمونة" , لا يصطاد " بالغاب والسنار" يفضل "التجحير" يسير في الماء "الدراك" في خط مستقيم محدثا خلفه عاصفة من العكار ، الذي "يطفش" السمك من أمامي ، ثم يعود لتلك "الجحور" التي صنعتها أقدامه في الطين الحي ، يقبض السمك منها بكفيه المجردتين ، يضعه في الصفيحة المعلقة في رقبته بحبل رفيع , مرخي قليلا , حتى تظل طافية وقريبة من يده التي يصطاد بها .

يخرج "كمونة" من الماء وقد امتلأت "صفيحته" بالسمك ، ينظر إليّ في شماتة ويقول : " ودنك منين ياجحا " .

 

 

الصيد "بالغاب والسنار" متعة مكتملة , لايعرفها إلا أصحابها ، طقس معقد ومرتب , لايصبر عليه إلا أهله ، يبدأ بتجهيز الغابة في المنزل ليلا , قبل الخروج إلى الصيد في الفجر .

يختلف نوع الغابة وطولها , وكذلك طول الخيط وقطره ، وحجم "ثقل" الرصاص , وعوامة الفلين , بحسب مكان الصيد ونوع السمك غابة "الشبارالأخضر" قصيرة رفيعة ، سواء أكانت من الغاب البلدي أومن الغاب الرومي "اللبلاب" ، خيطها رفيع قصير و"ثقلها" خفيف , وقريب من "وِش السنار" , "الشبارالأبيض" الكبير غابته أطول وخيطه أكبر "قطرا" ، يوجد في الأماكن العميقة من البحيرة ، "الدنيس" فكه مسلح بأسنان قاطعة , أربط السنارة جيدا في"واير" رفيع من الصلب في نهاية خيط البلاستيك ..

 

قليل من يربطون السنارة بطريقة صحيحة , أعرف أكثر من طريقة لربطها , لا يعرفها إلا المحترفون .. يستسلم لهذا الخدر اللذيذ ، وتلك "البطاحيش" تنقر جلد قدميه بمناقيرها الرقيقة , تلتقط العوالق البحرية الدقيقة , العالقة بشعر قدميه ، يشعر أنه جزء من هذا العالم الرائع حقيقة لا مجازا , مع البحيرة يصبح جسده أكبر , وكذلك روحه .. مع الوقت اكتسب القدرة على رؤية مالايراه الناس بأبصارهم ، يشعر باقتراب السمكة من "الطعم" قبل اهتزاز قطعة "الفلين" ، لم يصدق في البداية , تطورت حواسه واكتملت قدرته على الرؤيا ، لم يعد في حاجة لقطعة "الفلين" .. يفرح لانصراف كمونة بصفيحته الصدئة ، يخلع ملابسه ، يضع فوقها الطاقية "الخوص" العريضة التي تشبه طواقي "المكسيكيين" .. يلقي بنفسه في هذا الحوض الخاص المقدس , الذي يمتد إلى آخر مرمى البصر , الجنة .. هي هذا الوطن الجميل .

*** 

 

السيد الخميسي

سبتمبر 2012