Posted by Engineer on September 24, 2012

 

كتب السيد الخميسي : في مكتبة المدرسة وضع الأستاذ أمامه كتابا ضخما وقال : اقرأ هؤلاء العباقرة الفرنسيون أتى بهم " نابليون " , مع مدافعه وباروده ، وصفوا المنطقة الساحلية الشمالية وصفا دقيقا , لم تفتهم فائتة ، وصفوا الحقول الطينية الممتدة السوداء ، التي شققتها الشمس ، وحقول الملح البيضاء والحمراء , وتلك البراري الطبيعية ونباتاتها نبتة نبتة ،

وصفوا الطيور المهاجرة من كل لون وصوب ، وصفوا كل شئ ، ومع ذلك بقي شيئ كبير فاتهم ، شيئ لا تدركه الأبصار ولا العقول ، شئ متصل بالقلوب والبصائر والأحوال , شئ كبير وجميل وغامض , شئ يشبه السر .. يشبه الروح ,

تلك الأرض الحبيبة الماكرة لاتبوح بأسرارها إلا لأبنائها .

يحب هذا الشاطئ الجنوبي ، هل هي الوحدة المطلقة مع الكون ..

فلا بشر سوى هذا الماء الرقراق وهذه القلوع التي تبدو على البعد وكأنها تلك المراكب الورقية التي يطلقها في الماء , ثم يتتبعها بعينيه إلى أن تغيب ؟ أم لأنه يشعر بدقات قلب هذا الوطن الممتد خلف هذا الشط لأكثر من ألف كيلو متر ، كما يقول أستاذ الجغرافيا , وإلى آلاف السنين , كما يقول أستاذ التاريخ ؟

صحيح ، إنه لم يذهب لأبعد من تلك القرى القريبة والجزر المتناثرة في البحيرة : "ابن سلام" , يزوره في "مولده" بعض من أهل المدينة وبعض من أهل القرى القريبة , رجالا ونساء , يمارسون حول "مقامه" طقس الانطلاق .

"المراحات" التي يراها خالية تماما ويقول خاله : إنها تأوي "المطاريد" والهاربين من الحكومة .. عالم مكتمل بغابه وناسه وجنه وعفاريته ، بدجاجه وخرافه وجواميسه .

 


" تنيس" المدينة الغارقة في الماء .. وفي الأساطير .

- تقول أمي إنك مجنون وستخبر أبي إن رأتني معك

- لماذا تأتي معي إذن ؟

- أريد أن أرى الشاطئ الجنوبي

- ضع قدمك فوق موضع أقدامي وكن على حذر

ينطلق الصديق صارخا , يجوس في الأماكن الملحية المشتعلة ، يجري وراء صديقه ، يحمله على كتفيه ، تنغرس القدمان في الجحيم ، لا يستطيع القفز برشاقة الطائر البحري ، تصعد ألسنة النار إلى رأسه ، يكتم صرخة هائلة ترتد إلى فضائه الداخلي .

يغرس قدميه بشدة وينسى كل شئ ، فقط يضع نظره في الشاطئ الجنوبي ، يقترب خطوة .. خطوتين .. أين هذا الألم الخرافي ؟ !

قدماه قطعتان من الخشب المدمى .

يجلس في الماء , ينظر إلى دمه النازف من قدميه اللتين , شرحتهما القواقع الطينية المملحة ، يخرج الدم قانيا , ثم يختلط بالماء الرائق فيصبح ورديا ، تتدرج خطوطه في الخفة حتى تتلاشى .

صوت خاله المراكبي : ماء البحيرة ترياق يشفي كل الجروح

قال صاحبه : إنها الأرض الملعونة , لن أمشي معك بعد اليوم , أخذته المفاجأة ورجّه الوصف , ثم اكتشف الحقيقة اللذيذة ..

هذه الأرض الحبيبة الماكرة تختار من تمنحه سرها ..

ملأه الإحساس بالفخر وبالمسئولية ..

قالت الأم : اذهب واغتسل قبل أن يراك أبوك . 

 

*** 

 

السيد الخميسي

سبتمبر 2012