Posted by Engineer on September 25, 2012

 

كتب السيد الخميسي : يطأ القواقع البيضاء على الشاطئ الرملي ، يرتاح لصوت انفقاعها تحت حذائه الجلدي الخشن ، يتتبع آثار الكابوريا البرية , في خطوطها العنكبوتية المتقاطعة المنتهية دائما إلى فوهة حفرة رملية ناتئة ، شبيهة بفوهة بركان صغير ، نفس الخطوط التي تغزلها أمه على طرف الستائر قبل أن تعلقها فوق شبابيك البيت ، لم يستطع أن يفهم ما تفعله هذه الإبرة الحديدية الكبيرة المعقوفة عند الرأس كمخلب صغير ،

كذلك لم يستطع أن يفهم لماذا يريد هؤلاء الناس قتلنا ؟

ينظر إلى الماء المنسحب تحت قدميه , بعد انكسار الموجة المخاتلة ، يشعر بدوار من يركب "الساقية القلابة" وهي تنحدرلأسفل , هل الماء هو الذي يتحرك أم هي الأرض التي تميد ؟

يطلق بصره إلى خط تلامس الماء مع السماء ، هذا الفراغ المخيف الذي يفصل بيننا وبينهم ، مالهم وما لنا سكان هذه الضفة الأخرى ؟

ليت هذا البحر لا ينتهي إلى أرض ، ليته ماء بلا حدود ، الخواجة "جورجي" أتى من وراء هذا البحر ، ومن ورائه أيضا هذه الخفافيش السوداء التي في السماء .

طائرات صغيرة جدا على ارتفاع شاهق ، يتتبع ذيل الطائرة الدخاني الأبيض الممتد مثل أفعى طويلة ، ينقطع أحيانا ثم يعاود الاتصال ، يبدأ من نقطة صغيرة لا تكاد تبين ، رفيعا وحادا ومستقيما في المقدمة , ثم يأخذ في التعرج والانتشار .

يقول عمي : هذه مرحلة الاستطلاع والتصوير .. بعد ذلك يأتي القصف

لا أستطيع أن أستوعب ما يجري ، كلام غير مرتب وغامض ومخيف

- "الإنجليز" يريدون احتلالنا مرة أخرى

- "فرنسا" تريد استرداد القناة

- هل القناة في "باريس" وسرقها منهم "عبد الناصر" ؟

- "اليهود" وراء كل مصيبة

قال خالي : المركب على أول الرصيف في "المردة" القديمة ، لابد

أن نبعد الأولاد عن الخطر ، جهزوا حالكم ، سأنقلكم إلى "النسايمة"

قالت أمي : "النسايمة" ليست بعيدة ورب هنا رب هناك

قال عمي : لن أسافر

قال أبي : نطمئن على الأولاد ثم نعود .. "النسايمة" مفتوحة على بر مصر و"بورسعيد" جزيرة محاصرة

قبضة أبيه القوية تعتصر معصمه الصغير ، خرجنا من شاطئ البحر إلى شارع "الأمين" ، وصلنا "المردة" القديمة ، الناس فوق بعضها ، المراكب ممتلئة عن آخرها ، الطائرات تقصف البحيرة ، بعض المراكب و"اللنشات" الصغيرة تنقلب بمن فيها ، إنه يوم الحشر ، الجثث تغطي الماء ، معظم الضحايا من النساء والأطفال ، فقد رجل أسرته كلها في الماء , يحتضن رضيعا ميتا ، جلس صامتا ينظر للماء في ذهول .

يصيح الخال غاضبا : أخرتنا يا ولد أين كنت ؟

قال أبي : وجدته على شاطئ البحر

المركب مزدحمة ، الماء قريب جدا من سطحها العلوي ، وجوه كثيرة من العائلة ، وأيضا ناس كثيرون لا أعرفهم ، رغم امتلاء القلوع ، تتحرك ببطء شديد .

أمام الطابية الغربية عند نقطة التقاء الشاطئ الجنوبي وصدر البحيرة الفسيح , يقفز العم إلى الماء سابحا في اتجاه المدينة ، وراءه يقفز الأب .

إنها "الجنية" التي سحبتني إلى الماء , الذي بدا في تلك اللحظة داكنا وعميقا .

من المركب يصيح الخال : اطمئن يا "محمد" الأولاد في عيني

 

الأرض بعيدة هذه المرة , لم يسبق له أن سبح مسافة بهذا الطول

- اقترب مني يابني .. استرح قليلا .. ضع يدك فوق كتفي

- اطمئن يا أبي هذا الشاطئ بيتي وهذا الماء مائي

رغم غبشة المساء , يقفز على الشاطئ الملحي برشاقة الطائر البحري , يقود الأب والعم , إلى المواضع الملحية الآمنة .

 

 

 

*** 

 

السيد الخميسي

سبتمبر 2012