Posted by Engineer on November 03, 2012

 

قصة قصيرة من إبداع الأديب البورسعيدي قاسم مسعد عليوة : كلمتان إثنتان فقط.. إنْ تحركتْ بهما شفتان.. أي شفتين.. انقلب الحي كله رأساً على عقب. لايهم إنْ نطق بهما السيد سبرتو،  أو عم زرمبة، أو الكابتن سعد نويصر نفسه. ولا يهم إنْ زيدتْ عليهما كلمة أو جملة أو حتى جملتين. المهم أن يردد هواء الحي هاتين الكلمتين، فليس مطلوبا سواهما.

إذا ما انطلقتا انقذف لهما الرجال والغلمان، وتدافعوا من أبواب الدكاكين والمخانات ومخارج البيوت والمساجد. منهم من ينشغل لثوان يدفس قميصه في بنطلونه، ومنهم من يكبس البَلَمَهْ فوق رأسه، ومنهم من لا يبال، لكنهم غالباً، بل دائماً، ما يتنادون ويزعقون بهما من أسفل التراسينات وعلى رؤوس الحارات:

   

     "مركب بساجيري".

     "مركب بساجيري ياوله".

     "مركب بساجيرى يابوص".

 

    إنْ هي إلا لحظات.. فقط لحظات.. ويَخُبُّون بأحمالهم مهرولين صوب الميناء. يتصادمون وتدوس أقدامهم على الهواء بدلاً من بدَّالات الدراحات فيسقطون وتسقط فوقهم أو أسفل منهم الصواني وسلال الخوص وتماثيل العاج والكراسي الجملي. يتشاتمون ويصرخون، لكنهم دائماً يمضون مسرعين فنغرق،  أنا وحنفي وعزيز ابن أبله تريزا، في الضحك على مناظرهم، ولا نخرج من ماكامننا إلا بعد خروجهم من الحي إلى شارع محمد على الفاصل بين حينا وحي الإفرنج.

 

     ولأن الميناء تقع شرقي المدينة فمثلهم مثل عمال الكنال وصيادى النابورطال، عليهم أنْ  يعبروا حي الإفرنج بأكمله. ومثلهم لم يكن مسموحاً لهم بالعبور إلا من شارع الإشكاربية..  يقفون أمام البوابة لدقيقة يبرزون فيها أوراقهم. من لا يملك أوراقاً يمد ذراعه ليلطع العسكري الإنجليزي الختم على ظهر كفه. وكنا من باب التسلبة نتبعهم. نتسلل من بين الأجساد والأشياء لنصبح في قلب الشارع.

 

     عند سور الميناء نقف. نرقبهم وهم يُخرجون التصاريح والبازابورتات ويحاولون المرور بأجسامهم وأشيائهم من الأبواب المزدحمة بحرس السواحل والمخبرين. يبهرنا البمبوطية وهم يسارعون إلى فلايكهم يقكونها ويدفعونها بالمجاديف بعيداً عن القزق.  يبهرنا أكثر السيد سبرتو. يقفز بنفسه وبكرتونته،  التي تتلاطم فيها زجاجات الخمر المغشوش،  إلى أي فلوكة. بالذوق أو بالعافية على صاحب الفلوكة أنْ يرضخ لوجوده معه. والسيد سبرتو ليس بمبوطياً ولا يملك رخصة أو تصريحاً، لكن من يقدر على منعه؟

 


     على الرصيف يفرد بائعو الأنتيكات حمولاتهم. بالنهار يصنعون مظلات من المشمع الفقير، بالليل يوقدون الكلوبات. وفي مواجهة الكل ترسو مركب البساجيري شامخة، نظيفة، متلألئة، ومئات الرؤوس تطل علينا من سطحها ونطل عليها. وإذ ينصرف عمال الرباط بلنشاتهم بعد الانتهاء من شدها إلى الشمندورات المحيطة، يُفتح باب المركب ويظهر السلم فيصعد عليه رجال البوليس والبحرية والحَجْر الصحي بثيايهم الزاهية، وفيما يجتهد العمال في ربط البراطيم بعضها بالبعض ويصلونها بسلم المركب، يكون السيد سبرتو هو أول الواصلين،  فالفلوكة التي يركبها السيد سبرتو دائماً هي أول  الفلايك.  يقفز بكرتونته ويصعد السلم هرولةً، ولما كان العساكر يعترضون مروره، والضابط يشير بكفيه بإشارات منع حازمة، فإنه يصرخ "يا واد ياجلجل.. يا واد  يا جلجل.. إنده الكابتن نويصر.. قول له الظابط مش عايزني أطلع الوابور". وبنفس الصوت الجهوري يسترحم الضابط "خصيمك النبي، سيبنى أطلع"، ويكون البمبوطية قد لحقوا به فيصعد من له تصريح ويظل الآخرون في فلايكهم لتبدأ ألسنتهم في الرطانة بالست لغات ، وتتدلى من السطح العالي الحبال لتصعد بأشياء وتهبط بأشياء.

 

     وسط هذا الضجيج كنا ترى السيد سبرتو، إنْ نجح الضابط في إنزاله، يقف وسط الفلوكة التي فرض نفسه عليها ملوحاً بالزجاجات المبرشمة يدوياً ويجلجل بصوته العريش "جوني ووكر.. دراي جن". يؤذينا منظره ، في الوقت الذي نفرح فيه لمرأى  صاحبينا عوض مسعود والسيد البابلي وهما يربطان بمهارة بضائعهما بالحبال ثم يهزونها فيرفعها أبواهما  من فوق.  مع هذا الفرح نعجب لفرهود والمحمدي كيف أمكنهما فرد الكليم الأسيوطي بين قاربيهما دون أن تطاله مياه القناة.

 


 

     لم نكن نعدم من يلوح لنا من فوق سطح المركب  فنصيح بكلمات من فرط تكرارها تعودناها.

     "هي.. هالو".

     "وِلْ كَمْ".

     "بونجور".

     "كاليميرا".

     "أريقاديتشي".

     "أوه..  إنديان".

 

     قد نرتطم أثناء هذرنا، والهذر دائم  في هذه المواقف، بأكتاف الحمالين الذين ينتظرون بشاراتهم النحاسية هبوط البساجرية، وقد تلسعنا ذيول الجياد التي يمشطها عربجية الحناطير فلا نتكلم معهم أو نضايقهم، فأغلبهم يعيش معنا في حينا الفقير، أو في حي المناخ الأكثر فقراً. حتى عم زرمبة، الذي طالما تتريقنا عليه وطاردناه بالعبارة المشهورة "كرباج ورا.. متعاص ....."، كنا نتركه في مثل هذه الأوقات لأنها أوقات الاسترزاق.  أما الصيارفة، الذين يجلسون أمام بنوكهم الصغيرة ذوات الواجهات الزجاجية المرصوص بدواخلها أوراق البنكنوت من كل صنف ولون،  فقد كان غيظنا منهم كبيراً، لأنهم يكسبون الكثير ويشتموننا وأهلنا ،  ويجعلون بيننا وبين البنوك المحشوة بالفلوس حَرَمَاً لا نتجاوزه أبداً.  لكن كراهيتنا لهم لاتعكر أمزجتنا، ولا حتى مرأى عساكر الإنجليز ببنادقهم وبيريهاتهم ووجوههم المدهونة بالورنيش، فما دامت المراكب تروح وتجيء فللفرح مكان واسع.

 


 

     كل شئ جميل عرفته حارتنا يأتي من معاملاتنا مع هذه المراكب. هو إذن يأتي من البحر. فإنْ شريتَ شاياَ في مقهى المعلم جابر ودخل دماغكَ وسألته عن مصدره أجاب "من البحر". وإنْ تحسست َبوية أدخلتْ رونقاً على كراكيب عبده  فليفل بادرك َقبل أن تسأله  "من البحر". وإنْ رأيت َالكابتن سعد نويصر يتبختر بالبنطلون الدنجريه والكاسكتة الإجريجي فمن غير سؤال تعرف أنها من البحر. وخراطيش السجائر البَحَّاري والبرانيط الروماني والبلاطي الإنجليزي وقزايز الريحة الفرنساوي كلها من البحر. والساعة في رسغ الست عديلة، روسكوف صحيح، لكن يكفي أنها جاءتْ من البحر. حتى حبال الغسيل في بيت أم عبده، والتِبِتَة قُدَّام باب الشيخ رمضان، وجركن الميه في محل فاروق الجزماتي.. كلها جاءتْ من البحر.  لذا كنا أنا وحنفي وعزيز ابن الأبله تريزا نتحسر على ضياع متعة الإندفاس وسط هذا الهرج الذي حرمنا منها ، فأهالينا.. وآه  من أهالينا.. خططوا لأن نكون أفنديات لنا هيبتنا،  وإلا فلماذا أدخلونا المدارس وصرفوا علينا دم قلوبهم وألبسونا النظيف الغالي من الهدوم؟

 


 

     عندما يصبح الزحام على أشده نترك السور الحديدي إلى السور الحجري للممشى المؤدي إلى تمثال دي ليسبس الواقف بخيلاء عند مدخل القناة كأنها تكية أهله .  نجلس على الحجر وقد يتصادف أن تكون معنا بعض الملاليم فنشتري قراطيس الترمس . نقزقزه ونلقي التمثال بالقشر، ونعود إلى المدن العائمة فَنُحَدِّقُ فيما يدور فوق أسطحها ومن حولها .لا نملك غير التحديق، ولا يني حنفي يحكي عن هذه المرالكب العجب العجاب، فأبوه يقول إن بكل مركب بيوتاً وبنوكاً ودكاكين وخمارات. وبها أيضاً ملاعب وحمَّامات سباحة وسينما، "سينما بحق وحقيق  ياعزيز.. فيها شباك يقطعون منه التذاكر بالشئ الفلاتي"،  فنندهش ونضرب كفاً بكف.. "سينما؟..  سينما يعني سينما؟"..  فيحلف "أي والله.. لأ.. وإيه.. النسوان فيها عرايا ملط ". "ملط؟!".. "آه.. وأي شئ تتمناه..  أشَّر بس يجيلك على طول".

 

     ما استدق على أفهامنا هو تلك الثقوب التي تندفع منها المياه قوية هادرة لِتُدَوِّم مياه القناة قبل أن تذوب فيها. في البداية تأففنا "الأغراب بينجسوا ميتنا بصنتهم". إلا أن هذا التأفف لم يكن ليمنعنا من المراهنة على الكيفية التي يتبولون بها عبر هذه الثقوب. عزيز كان يقول بأنهم يجمعونهم عشرات عشرات ويضعون أعضاءهم في الثقوب ويأخذون في التبول ،  فنصرخ أنا وحنفي "عشرات؟!". "قل مئات". "الآف ياغشيم". ويفتح الله علىّ  ويكشف لي السر فأنبرى "الجرادل.. يعملوها في الجرادل و بعدين يدلقوها من الأخرام"،  فيضحك حنفي  "ها ها.. جرادل؟"، ويرعد "اسمعوا يا ناس.. اسمعوا يا خلق.. الحمار بيقول جرادل".  اكتم صوته "قول إنت يا نبيه"، فيقول "الخراطيم.. بيحشروا في قضيب كل واحد خرطوم" ، فينفجر عزيز ويجلجل بضحكة كثيرة التقطع "هئ.. هئ.. هئ..  و النسوان يا غبي؟". "والنسوان كمان". "مش ممكن". "و إيه المانع؟". "يتعوروا". "ها ها ها" ويواجهني "سمعت الفلحوس؟.. فضحنا بجهله"، ثم يأخذ سمت الخبير "نسوان الخواجات حاجة تانية خالص". ولا ينتهي الأمر بيننا – حتى بعد أن عرفنا أنها مياه تبريد الماكينات – بغير تبادل الكلمات و الشلاليت والتراشق بحبات الترمس وقوالح الذرة والفول السوداني.

 

     صاحب النصيب الأوفر من مقذوفاتنا هو حنفي، ففي كل مرة نكتشف فيها فشره كان يعتلي حجر السور ويفتح أزرار بنطلونة ويخرج عضوه جهاراً نهاراً ويلوح به لراكبي المراكب "حاغرقكم يا أنجاس.. حاغرقكم يا ولاد ستين كلب".  من فورنا نصرخ و نغمض أعيننا ونقذفه بما نطوله، وأحياناً ما نسقطه من فوق الحجر إلى الممر، ولأنه الأقوى فالغلبة لا تكون إلا له.  وبسببها نجري ويجري وراءنا بسرواله المفتوح واندفاقة الماء التي تتقدمه.

 

      حنفي لم يكن من مدرستنا، ولا يسكن في حارتنا، إلا أن صداقة قوية ربطتْ بيننا وبينه. أحببناه لسُمْرَة وجهه والتماعة أسنانه، وجرأته التي لا يستعصي معها شئ. وازداد حبنا له بعدما جرى وراء ولد صايع، من عزبة النحًَّاس، سرق شنطة عزيز وطار. لكنه لحق به وبضربة شنكل أسقطه وخرشمه حتى بظ منه الدم، إلا أن سحره الذي يفوق كل هذا، هو حكاياته التي لا تنتهي عن البنات والنسوان وخفاياهن.

 

     يوم نبت له شعر العانة جاءنا مُفاخراً فأمسكنا به "هاننتفهولك". "نحرقه.. الأحسن نحرقه،  فيضحك.. يضحك من قلبه" الغيرة أعمتكم يا أولاد الأبالسة "وما أسرع ما يتغلب علينا فنتخلص منه ونجري.

 

     لعلنا لم نحب من شوارع حي الإفرنج سوى شارع السلطان حسين الموازي للميناء .. على الأقل لم يكن الصاغ رضوان وعساكر الإنجليز يطاردوننا فيه كثيراً، ففيه الأبواب التي يدخل ويخرج منها البمبوطية والعطشجية والاشكاربية وكل من له علاقة بشغل الميناء والبحر. عند طرفه الجنوبي مرسى معدية بورفؤاد وفلايك البمبوطية، وفي طرفه الشمالي تمثال الجنود الاستراليين والنيوزلنديين و السلالم الصاعدة إلى حجر دي ليسبس. وعبر السور نرى المراكب العابرة والراسية، وفيه كازينو بالاس والفنار و الفتارين المكتظة بالانتيكات.

 


     اعتدنا في أوقات العصاري المشي بجوار السور الحديدي. أيادينا مدسوسة في جيوبنا وظهورنا مُلقاه إلى الخلف وأنوفنا في العالي. من يرانا يظننا ملوكاً أو أبناء ملوك. بالطرابيش والمنشات يطارد باعة الأنتيكات  السائحين والبساجرية. اللطيف الظريف منهم نتركه يُلقِّط عيشه، أما السمج الذي الذي تنضح تصرفاته بالغلاسة فكنا نعاكسه، ونحذر البساجيرية منه "هيي فورينرز.. دونت باي إني ثنج فروم هم". "هي إذْ  آ  روبر".  "يس .. يس .. هي إذْ  آ  كليفتي".

 

     ما أن ننطق هذه العبارات القاتلة حتى يتكتل الباعة، اللطيف منهم والسمج، ويجرون خلفنا بصناديقهم التي تتقافز فيها أنتيكاتهم ونحن نضحك ونجري. نصعد حجر دي ليسبس وننط إلى أرض الطابية و منها نتسلل عبر السلك الشائك قبل أن يرانا العساكر.

 

     أحياناً كنا نلوذ بالشوارع الجانبية الممنوع علينا السير فيها لنعبرها إلى صلب البلد. و أحياناً نضطر إلى القفز من فوق أي سور يقابلنا. فعلناها مع سور الجنينة الملحقة بكازينو بالاس، ومع سور المحطة العسكرية، وسور الفنار. في المحطة العسكرية كدنا نموت في جلودنا لما رأينا سناكي العساكر في بطوننا.

 


 

     مرات كثيرة تزأبقنا من قاطعي التذاكر وهربنا إلى المعدية لتأخذنا إلى البر الثاني. و قليلة هى المَّرات التي اعترضتنا فيها دورية العساكر الإنجليز أو أورطة الصاغ رضوان، ربما لأن ملابسنا سبور ونظيفة، و ربما لأننا نجيد المراوغة.

 

     في فترات الهدوء يحكي لنا عزيز آخر ما وصلت إليه علاقته مع دميانه، فهى تأتي إلى بيت خالها اسطفانوس كل يومين لكى تشاور له ويشاورلها من الشبابيك المتواجهة. هو أيضاً يذهب إلى كنيسة الست العدرا ليراها قبل وبعد القداس. لمَّا التقتْ أكفهما وتمشيا على البحر رآهما مكرم فانتظر أباها حتى خرج من خمارة بنايوتي وحكى له ما شافه فثار وحبسها أسبوعين متتالين لم تر فيهما المدرسة أو الشارع. أكثر من هذا، هبد باب أبله تريزا وحذرها مما سيحدث لعزيز لو حاول أن يمشي مع دميانة مرة أخرى. اغتاظت أبله تريزا ومنعت عن عزيز  المصروف وهي تصرخ وتبكي لأن الرب ابتلاها بولد عِفِش وواطي لم يجد سوى دميانة بنت  باسيلي مرمطون بنايوتي اجريجي الكلب ليمشي معها ويتسنكح .

 

     قد نتجهم ونحن نسمع آخر أحداث حكاية عزيز ودميانة وقد نضحك أو نصرخ، لكننا أبداً لا ننفصل عما يدور حولنا. ومزاجنا هو معاكسة الصيارفة. لا نفعل  هذا إلا قرب المغربية، ثلاثتنا نواجههم. بعد أن تُحشى أدراجهم بالدولارات والفرنكات والجنيهات الاسترليني نواجههم  "حظكم". "طبعا أشفرتم جيوب البساجرية والسياح". "هنيالكم يا مفاجيع". ولأن أمزجتهم في تلك الأوقات تكون عال العال فإنهم لا يشتموننا ولا يستعدون علينا العساكر، وقد يُكَبِّر بعضهم في وجوهنا ويفرد أصابعه الخمسة أو يدعو الله ليخرق عيون الحُسَّاد. وأحياناً تنتاب بعضهم نوبة كرم فينقد كل منا مليماً أو صلدياً. و سواء نلنا شيئاً أم لم ننل فإننا لم نمل التريقة عليهم.

 

     ما أكثر ما تمنينا أنا وعزيز أن نمتلك جرأة حنفي.  إذا ما رأى سائحاً يضع ذراعه على كتف سائحة ، اقترب منهما مبتسماً بشوشاً وهمس "البلد اللي ما لكش حد فيها امشي وشلَّح فيها".  يظنان أنه يرحب بهما فيرطنان بامتنان "ثانك يو"، "ثانك يو فيري متش   فيضحك ونضحك معه. لكنه أحياناً يكون ضارياً معهم فيختطف كاميراتهم إذا ما شرعوا في تصوير باعة البطاطا أو الشحاذين. ينتزع الفيلم غير آبه باحتجاجاتهم وحركات أياديهم العشوائية.  ما أن ينتهي حتى ينظر إليهم ويبصق "ملعون أبوكم".

 

     ذات مرة فوجئ بالصاغ رضوان يقف بشحمه ولحمه في مواجهته بالضبط فجمد. حاولنا الفرار فإذا بقبضات العساكر فوق أكتافنا. حرك الصاغ رضوان سبابته باتجاه حنفي أنْ تعال لا تهرب. السائحون خلفه والصاغ رضوان أمامه ونحن تحت قبضات العساكر . حاول أن يروغ من بين سائحتين إلا أن كف حضرة الصاغ طالته.  قبضتْ على ياقته و رفعته لأعلى فاحولَّتْ عيناه وتدلتْ شفتاه وظهرتْ أسنانه اللامعة.  اكتشف أن الفيلم لا يزال بيده فالقاه كما لو كان ثعباناً. عندها أوقفه الصاغ رضوان قبالته ومال إليه "برافو يا ولد" ثم صرفنا وأخذ يرطن مع السائحين باتجاه أوتومبيله.

 

     عجيب مسلك حنفي مع البساجرية والسياح فهو ينظر إليهم نظرته إلى التفاح الأحمر الذي لا يدخل حارتنا إلا من المراكب، ومع هذا يعاملهم بجلافة إذا ما حادوا بكاميراتهم  إلى  مظاهر بؤسنا.  في نفس الوقت أدخلنا معارك، لا أول لها ولا آخر ، مع أولاد البلد الذين يطاردون السائحين و البساجرية أو يحاصرونهم أمام المحلات أو عند نزولهم من الحناطير. "جِف مي وَنْ بيستِر". "َوْن سيجاريت بليز". ومثلما يظهر طرزان على شـاشة سـينما الـكوزمـو كان حنـفي يظهر لهم. وبالتبعية نحن إلى جنبه أو إلى ورائه. وكنا ننتصر دوماً لنلتفت إلى السائحين والبساجرية، وبطريقة  مسرحية نعتذر لهم "سُوري مدام". "سُوري مستر". "وِلْ كمْ.. وِلْ كمْ".

 

     كيف حدث هذا؟

 

     هى دقيقة.. بل ثانية.. لا.. هى رَمْشَة.. رَمْشَة فقط.. رَمَشْتُها للحظة باتجاه التُحف المرصوصة في فاترينة محلات الصياد. ليتني ما التفتُ ولا رمشتُ. ملعون أبو التحف والفاترينات. كأنهما كانا ينتظران الرمشة الملعونة.. حنفي الفاجومي وعزيز اللخمة.. علقَّا خلالها.. وخلالها فقط.. فتاتين سبحان من صَوَّر، وأنا واقف كالعبيط أمام فاترينة بها قرد من العاج يضحك علىّ. فم حنفي مفتوح إلى آخره، وعزيز يهرش خده. مغيظاً فرشتُ ابتسامة ترحاب واقتحمتُ عليهم وقفتهم "هالو". متباهياً قَدَّم لي حنفي الشقراء الواقفة معه "سنيورينا إيلينا.. إيطاليانا". استنجدتُ بذخيرتي من الإيطالية فلم أجد شيئاً ذا بال . "إيتاليانا.. أها". وتهته عزيز مُقـدماً فتاته  ماهـقة  البيـاض "سو.. سو.. سوزانا.. سينيورينا سوزانا". "بونا سيرا سيتيورينا سوزانا". "بونجورنو سينيور.. بونجورنو".

 

     مدارياً الاختلاجة التي اعترتني ضحكتُ وهتفتُ  "أها.." فيما لكزني حنفي بكوعه وصَرَّ على أسنانه  "فضحتنا"،  فهرستُ قدمه القريبة  "الحاجة الحلوة دي عايزين تاخدوها لوحدكم؟". فوجئنا بهما تتابعاننا فعاودنا تعليق الابتسامات العريضة. رفع حنفي صوته "عايزين يتفرجوا على حي العرب"، فأسعفني الله بكلمة "سـي". "وكمان يـمكن يشـتروا جـلاليب وصـنادل". "سـي.. سـي". "وعايزين يتعرفوا على الناس". "سي.. سي.. سي". نظر إلي عزيز كما لو كنتُ أفعلُ  شيئاً معجزاً فأشحتُ عنه وأشرتُ لهما برأسي ولويتُ لساني "ياللا".

 

     هموا بالتحرك إلا أن سوزانا استوقفتنا "مينيتو.. منيتو". لحظتها خرجتْ من محل الصياد، الذي كنتُ أقف أمامه، هيفاء شعرها أسود وعيناها زرقاوان. قدمتها سوزانا "مارتا.. سينيورينا مارتا". وصاحتْ مارتا  "إيجيبتي". من فوري صحتُ "سي سي سي". تبادلن كلمات لم نسمعها، بعدها صرخن لمَّا رأين عربة حنطور "لا كورتزا.. لاكورتزا" فوقعتْ قلوبنا إلى ركبنا وتبادلنا النظر. العربجي سيطلب بريزة بحالها، وإنْ لم يكن  الفلس هو نحن، فماذا عساه أنْ يكون.

 


     وثبن إليه وهتفن بنا أنْ نتحرك. ولم نتحرك لولا أنَّ عزيزاً رأى وجه عم زرمبة فوق الحنطور فصرخ "عم زرمبة" فانتعشنا وانقذفنا صاعدين. "إزيك ياعم زرمبة؟". إنتَ فين ياعم زرمبة؟". "والله زمان ياعم زرمبة"، ثم انجعصنا بينهن "على حي العرب ياأسطى".

 

     لم ينطق الأسطى زرمبة بغير عبارة وحيدة "ياولاد الإيه!!"، بعدها طرقع بسوطه فتحرك الحنطور.

 

     طاف بنا شوارع أوجينا والثلاثيني والتجاري والحميدي وكسرى. واشترين ثلاثة جلابيب ودستتي قُرَط وشبشبين. كن مبهورات بمناظر التراسينات وروائح العطـارة وطريقة بيع وشـراء السمك. أُعجبن أكثر بأبراج الحمام فوق أسطح البيوت، حتى أنَّ سوزانا أخرجتْ كاميرا وراحتْ تصور ماتراه . اقترب حنفي من الأسطى زرمبة "ودينا حـارة الكابتن نويصر الله يخليك". "ليه إنْ شاء الله؟". "أصله عامل دوري".

     

     زعق الكابتن نويصر بصفارته لمَّا رأى الجمال الإيطالي حال هبوطه من الحنطور، فتوقفتْ المباراة، وهمدتْ الطُزَّة فوق الأسفلت، واستدار الجميع ناحيتنا. أزاح الكابتن نويصر الكاسكيتة مبهوراً فبان أثر الجرح العميق الذى تخفيه. كل الحي يعرف أنها شظية أصابته يوم اقتحم مع اثنين من الأفنديات معسكر الجولف وقتلوا من قتلوا من الإنجليز. في نفس الوقتْ انفتحتْ لنا فُرجة في صفوف المتفرجين فعبرناها.  زعق عم زرمبة "الحساب"، فرد عليه حنفي "يوم الحساب"، وانغلقتْ الصفوف من خلفنا لتعود الأقدام للتلاعب بالطُزَّة، ويعود الكابتن سعد نويصر إلى تحكيم المباراة. هبطتْ إلينا الكراسي من وراء الصفوف فجلسنا، وفُتحتْ زجاجات الغازوزة فشربنا، وأصاب فريق حارة أبودنيا هدفاً فصفقنا، وخبطتْ قدم مرعي قصبة ساق كمال أغا فصرخنا، وطاشتْ شوطة عبد الرؤوف فزُمْنَا، ولم يحتسب كابتن نويصر فاولاً لصالح حارة أبو قورة فاحتججنا، لكن احتجاج فريق أبو قورة ومشجعيه كان أشد، فقد طارتْ كراسي وأُلقيتْ حجارة، وأمسك الكل في خناق الكل.

 

     وإذ نتسلل، كل واحد منا يسحب فتاته، اعترضنا السيد سبرتو بزجاجاته وابتساماته البلهاء "جوني ووكر.. دراي جن".

 

     تنهدنا لما أفلحنا في الإقلات منه.

 

     صاحت إلينا "لاكوستا.. لاكوستا.. لا ميري".  ما إنْ سمعها حنفي حتى جرها من يدها وجرى بها صوب شاطئ البحر ونحن خلفهما. بسهولة خلعن ما عليهن فإذا بهن يرتدين المايوهات.

 

    جرين أمامنا بلحومهن البيضاء في لون الحليب فلم نعرف ماذا نفعل. جميعنا بلا مايوهات. قال حنفي "وإيه لازمة المايوهات؟"، فخلعنا نحن أيضاً ما علينا. فقط أبقينا الكلاسين الدبلان،  ثم هجمنا على الماء. رششناه عليهن ورششنه علينا. أمسكنا بهن فتزفلطن. أمسكانهن وحملناهن فوق أكتافنا وخضنا بهن أول وثاني جزيرة وهن يصرخن ويقهقهن بالخواجاتي . لمَّا التف حولنا الأولا د وزاحمونا بعيونهم الجائعة خرجنا.  تحت دش المياه  الحلوة وقفنا لهن حراساً،  ثم تمشينا معهن حتى جفَّتْ أجسامنا واستعدنا ملابسنا.

 


     حفاةً حملنا شنط الجلابيب والإيشاربات والشباشب وهرولنا إلى شارع كتشنر. نفضنا أرجلنا من الرمل وانتعلنا أحذيتنا ثم سرنا باتجاه الكنال لولا أن اسنوقفنا سرجنت إنجليزي مظهره لا يبشر بخير. هتف "استوب ". ثم تكلم بإنجليزية مهشمة "إنتِ بويز.. إيه جابكوا زس إسكوير؟"، وشخط  "فين تصريخ؟". أُسقط في أيدينا فنحن أبعد ما نكون عن شارع الإشكاربية. توجه للإيطاليات ورقق من لهجته "زيي  بيت يو؟"، فانبرين "نو.. نو.. سولداتو". كرر "زيي  ِبيِتْ يو؟". "نو .. نو.. نو..".

 

     مع هذا التفتَ إلينا مستعيداً صرامته "جِفْ مِي يور بيبرز". رد حنفي بوضوح "وِي هَافِنْتْ". "ذِنْ.. شو مِي يورز استامبس". قالها وقبض على  ذراعي. أزاح الكم وقلب كفي وذراعي ثم صاح "يو آر أندر أَرِّستْ". عندئذ هجمتْ عليه الفتيات الثلاث ورحن يضربنه ويصحن بالإيطالية صيحات غير مفهومة، ولمَّا خلعن أحذيتهن، ورفعنها فوق رأسه، همَّ بسحب طبنجته. عندئذ وثب عليه حنفي، وكبس عزيز البيريه فوق عينيه وأذنيه. ضربته أنا شنكلاً أسقطه فانقذف عليه حنفي وراح يكيل له الضرب، وعزيز يركله ويشتمه "فَنْك.. فَنْك". بعدها سحبناه، والإيطاليات من حولنا، إلى مدخل أقرب عمارة وكومناه تحت بير السلم ثم خرجنا إلى الشارع برعبنا ولهاثنا.

 

     لاندري كيف ظهر عم زرمبة بحنطوره. صرخ فينا "اركبوا.. اركبوا"، فركبنا.

 

     ساط حصانه وركض بنا من شارع كتشنر إلى شارع أُوجيني. اجتاز المستوصف والمدرسة الواصفية. عند التقاء شارعي محمد علي والمحروسة كادتْ تدهمنا الأُتومبيلات  فماد بنا الحنطور أمام مقهى البسفور وبيت عثمان غندر حتى ظننا أنه سينقلب بنا. البنات صرخن وارتمين فوقنا ثم ضحكن وسوين فساتينهن التي انشلحتْ.  إلى شارع دي ليسبس انحدرنا.  سبق بنا بغال الترامواى،  فوجئ بثلة من الإنجليز على مبعدة فانعطف إلى حارة اليهود. حمحم الحصان وصهل وهو يغير اتجاهه.  أمام مدرسة البون باستير رفع قائميه الأماميين وحَرَنَ، لكن صرخة من الأسطى زرمبة أعادته للركض فمرق بنا من أمام معبد موشيه هيل.  بدا أننا نتجه إلى جنينة الباشا ومبنى المحافظة،  لكنه صعد بنا يميناً باتجاه الكنال.

 


 

     فجأة كبس الكبوت فوقنا ورمى علينا ملاءة "إنجليز.. اتغطوا واستخبوا". تمددنا أنا وحنفي وعزيز على الكرسي وتكلفتنا بالملاءة. فوقنا جلستْ الإيطاليات. اطمأن فمشي الهوينى فترة من الدهر. بعدها توقف وسمعنا صوته "هاي جوني.. جود نايت أَوفيسر"، ففهمنا أنها دورية تفتيش أو كمين إتجليزي.  ازددنا انكماشاً تحت الأرداف الإيطالية.  سمعناه يقول "تورستْ.. تورستْ". أحسسنا بأنفاس الإنجليز وسمعتا أصوات الإيطاليات "بوناسيرا سولداتو". كدنا ننفجر من الحر والرعب عندما سمعنا بالعربية المكسَّرة عبارة "فين تصريخ؟". وسقط صمتٌ شديد الضجيج. يعدها أحسسنا بالحنطور ينحرف ثم  يتوقف  وسمعنا الأسطى زرمبة  يتكلم بالطريقة التي يتكلمون بها " فيه رخصة أربية .. فيه رخصة أُصان ". وصرخ صوت "كَمْ أُون " اهتز الحنطور بنا لهبوط عم زرمبة. لم نكن نستطيع أن نضع أيادينا على قلوبنا حتى لا تفـط منا وكانت غمغمات الإيـطالـيات تأتينا خافتة مترقبة "أوه سولداتو.. أأأوووه"  فتميتنا .

    

     مع رجة الحنطور القوية أيقنا أنه الهلاك، لكن صوت عم زرمبة جاءنا مبتهجاً   "خلاص"، فانتزعنا الملاءة ووثبنا إلى جوارهن، مُعَرَّقين مبهوري الأنفاس، ليعاود الركض بنا ناحية جنينة فريال وشارع فؤاد الأول ثم ينحرف باتجاه بار سيسل وكازينو إسبلندد، لينزلنا في المكان الذي التقطنا منه بالضبط.

 

     قال عزيز لسوزانا بالإنجليزية التي يعرف بعضها "آي لايك يو". وقلتُ لمارتا "تو بيللا دونا". أما حنفي فقد أخذ إيلينا في حضنه. من فورنا فعلنا مثلما فعل. وياللمفاجأة.. قبلننا. الأدهى أنه ما إنْ يترك الواحد منا فتاته حتى ترتمي في حضن الآخر وتقبله.

 

     لمَّا أزف وقت الفراق، وأزف بسرعة لم نرغبها، قلنا لهن "أريقاديتشي"، فقلن لنا "أريفاديتشي". وكنا نعلم أننا نضحك على بعض، وأننا لن نلتقي أبداً.

 

     عند عودتنا فوجئنا بثلةٍ من عساكر الإنجليز يتحلقوننا. خمسة أو ستة. فيهم السيرجنت المضروب. هجموا علينا بدباشك البنادق فانشغلنا بحماية رؤوسنا بأذرعنا. زنقونا في حائط سينما الأولدرادو وكادوا يسحلوننا لولا أنْ ظهر الصاغ رضوان، فنفخنا صدورنا وأصلحنا هندامنا، ومن خلف ظهر حضرة الصاغ تحفزنا لهم بشفاه متورمة ووجوه يشلب منها الدم.

 

     تبادلوا مع حضرة الصاغ كلمات لم نفهمها. تنخفض أصواتهم تارة وترتفع أخرى. لكنهم في كل مرة يشيرون باتجاه السيرجنت المضروب. فجأة أزاحوا الصاغ رضوان وهجموا علينا. حنفي كان الأسرع والأكثر يقظة. ضرب الأقرب إليه في محاشمه ثم صرخ بنا فجرينا. دَوَّتْ طلقات الرصاص فسقط حنفي. نهض وجرى مترنحاً لتصيبه أخرى ويسقط. رفعناه وجرينا به لتمس طلقةٌ أُذنَ عزيز وتُطَيِّرُ أخرى أحد أصابعي، لكننا كنا قد وصلنا إلى شارع محمد علي حيث كان الرصاص قد جمع أولاد الحي، هم وعساكر البوليس فتلقفوننا، ومن بين أذرعهم التي غطتها دماؤنا لمحنا السيد سبرتو  وهو يطيح بأول زجاجة خمر في أوجه العساكر الإنجليز، فيما كانت أعداد من البساجرية تجري هنا وهناك.

 

 

قاسم مسعد عليوة 

 

 

 ثبتٌ بغريب القول واللهجة : 

 

المخانات                     =   غُرَز تدخين الحشيش. 

الْبَلَمَهْ                         =    نوع من الطواقي .

مركب بساجيرى           =    باخرة ركاب . 

وَلَهْ                            =    ولد.

بوص                         =    ريس.

حي الإفرنج                 =    حي الأجانب .

صيادو النابورطال        =   صائدو الأسماك بمراكب الصيد الآلية ، وهي تحريف             

                                      لكلمة نابوليتان ،  نسبة إلى مدينة نابولي الإيطالية . 

الإشكاربية                 =    الفحامون . 

البازازبوتات               =    تصارح دخول الميناء .

القَزَقْ                       =    مكان رسو القوارب واللنشات داخل الميناء . 

الشمندورات                =    عوائم مثيتة إلى قاع القناة تربط إليها البواخر . 

البراطيم                      =    أجسـام معـدنـية عائـمة تُربـط إلـى  بعضـها البعـض

                                       لتصنع كوبرياً يمكن المشي عليه فوق الماء . 

البساجرية                   =    الركاب . 

الدنجريه                     =    التسمية الدارجة لبنطـلون الجينز بمدينة بورسـعيد .

الكاسكيتة                    =    وعن من القبعات الإفرنجية .

الإجريجي                    =    اليوناني .

روسكوف                    =    ماركة سـاعات روسـية الصنع ،  وكان يضـرب بها 

                                      المثل على الرداءة .

التِِبِتهْ                          =    ممسحة الأقدام التي توضع أمام الأبواب . 

الفلحوس                     =    الذكي المتفاصح . 

يتسنكح                       =    يتصعلك . 

أشفرتم                       =    نظفتم ، بمعنى سرقتم . 

الُصلدي                      =    عملة معدنية توقف تداولها قيمتها مليمان .

الطُزَّة                         =    كرة مطاطية صغيرة الحجم . 

تزفلطن                       =   انزلقن .