Posted by Engineer on November 17, 2012

 

كتب السيد الخميسي :

عجيبة ذاكرة الأطفال ، أتذكر حادثتين كأنهما حدثتا بالأمس فقط ، "الأولى" : عندما حاولت أن أمسك القرن الكبير , قبل أن ينفلت إلى المنطقة التي لا أطوله بعدها ، زلقت قدمي بكومة القش الذي وقفت عليه ، كاد الماء الهادر أن يأخذني في دواماته الغاضبة ، وأنا متشبث بالطين ، أنزلق قطعة فقطعة ، أنفلت إصبعا فإصبعا , لولا أن ساقت الأقدار عمي ..

أنا مدين بحياتي لهذا العم الجميل ، الفارع الطول ، بجسمه الهرقلي ، وعينيه الواسعتين ، وحاجبيه المرفوعين إلى أعلى في اندهاش واعتزاز وثقة ، وأنفه الصغير الحاد ، كرأس حربة من الذهب ، وحيائه واحمرار وجهه إذا أطالت الفتيات النظر إليه ، كل فتيات القرية يطلن النظر إليه ، كل شباب القرية يتحرشون به ، ومنهم من يعلم حياءه ومروءته .

" الثانية " : لا أتذكر ما الذي أصابني بالجنون فتسلقت مواسير المدرسة , حتى اقتربت من سطوحها ، وضعت يدي في عش للدبابير في أعلاها ، تلسعني الدبابير وأنا اهبط مسرعا ، لو تركت يدي لسقطت ميتا لا محالة ، عند منتصف المسافة تقريبا أسقط ، بقيت فترة طويلة على الأرض لا أقدر على الحركة حتى أتى من رآني ، ظن الجميع أنني هالك .

أفيق من الحمى أجد الحارس العجوز على رأسي ، نزع أطراف الدبابير العالقة بجسمي ، غطى الجروح بالطين وانتظر ،

قال : هذا هو العلاج الوحيد

يتعجب لكثرة الإبر العالقة بلحمي ، الوحيد الذي عرف السبب هوعمي ، أخبرته عندما جاء ولم يخبرأحدا .

إلى المنصورة أذهب مع أبي وحدي , في الأيام التي يختفي فيها عمي ثم يعود مغبرا وهزيلا .

- أين كنت ؟

- في بورسعيد

- كيف دخلت .. وكيف خرجت ؟

- ربنا سلم

قالت أمي لأبي : امنعه يا رجل .. سيموت

قال أبي : دعيه في حاله .. سيموت إن بقي هنا

كانا يعرفان أنه يرافق الفدائيين ، في دخولهم وخروجهم من المدينة .

في الأيام القليلة التي يقضيها عمي في "أجا" ، أستيقظ معه في الفجر ، نجري سويا بمحاذاة الطريق عدة كيلو مترات ..

يقول : الجري في الصباح قوة للروح والجسم وإطالة للنفس

أعود وفي قلبي وعقلي أحاديث عمي .. أعود دائما وفي جيبي , حبات خضراء طازجة مما تنتج الأرض ، ألتقطها من الطريق ، يبدو أنها تسقط من أحمال الفلاحين عند النقل .. هذه " بشاير" أنت مرزوق يا بني وطريقك أخضر , يقول حارس المدرسة العجوز وأنا أدفع إليه ببعض ما أجد .. يتأمله في سعادة قبل أن يمسحه في ثوبه ويضعه في فمه قليل الأسنان .

قلت : أريد أن أركب حمارا

في اليوم التالي أتى بحمار ، وضعني فوقه وتركني .. بعد أن انفلت الزمام وانطلق الحمار ، يفتح العجوز فمه قليل الأسنان ويضحك , حتى ابتل شاربه بالدموع , وأنا أصرخ والحمار يقفز في الأرض الزراعية , عابرا هذه الجذوع فوق مجاري المياه , وجائسا في الأرض المخططة , حتى وصل إلى بيت أهله .

وأنا عائد مع عمي والعجوز , رأيت " الساقية " في دورانها البطيء ، أسمع صوت احتكاك الخشب العجوز الثقيل الذي يشبه الأنين ، أتأمل الحيوان الصابر وهو يدور ويدور و يدور .

- لماذا تحجبون عينيه ؟ .. حرام عليكم

يقول العجوز : الأرض غالية يا بني .. ربنا يرجعكم لأرضكم بالسلامة

عجبا أليست مصر كلها أرضنا ؟

لماذا إذن نشتاق لتلك الأرض المالحة المشققة كل هذا الشوق ؟

 

*** 

 

السيد الخميسي

نوفمبر 2012