Posted by رومانسية on December 20, 2009

بدء الحرب
اقتحام قناة السويس وسقوط خط بارليف.
تحقيق الجيوش الميدانية لمهامها.

كانت القوات المسلحة، بكافة أفرعها وتشكيلاتها العملياتية، تنفذ الخطوات الأخيرة في إعداد مسرح العمليات، وإعداد القوات كذلك، للحرب. إلا أنها لم تكن تعلم متى؟ فقرار بدء الحرب، هو قرار سياسي، يبنى على أساس الدراسات العسكرية لأنسب التوقيتات، ويختار منها ما يلائم الأوضاع السياسية، خاصة على الصعيد الدولي، وما يتوافق مع الحلفاء الذي سيشاركون في الحرب، بصفة أساسية.







في شهر مايو 1973، أجرت القوات المصرية تحركات مكثفة، لإجراء "مناورة الربيع الإستراتيجية". وظنت إسرائيل، أن في الأمر خدعة، لذلك أمرت القيادة السياسية بإجراء تعبئة جزئية للقوات الاحتياطية، خشية أن تكون تحركات القوات المصرية استعداداً لبدء هجوم بقوة كبيرة الحجم. وخسرت إسرائيل، أكثر من 20 مليون دولار، تكلفة إجراءات التعبئة الجزئية، دون أن يقع الهجوم المنتظر، وأعلنت القوات المصرية انتهاء "مناورة الربيع الإستراتيجية" في وقت لاحق.



في شهر سبتمبر 1973، كان من المخطط، إجراء مشروعات تدريبية مكثفة للوحدات والتشكيلات المصرية، بالقرب من جبهة القتال، لاختبار مدى الجاهزية للقوات، حيث كانت تلك المشروعات مشابهه لخطط العمليات الحقيقية، كما في الخطة "العملية بدر"، ودون أن يعلم بذلك سوى القيادات العليا.

وكانت المشروعات التدريبية تتدرج من مستوى اللواء، لتصل إلى مشروع للقيادات الإستراتيجية اعتباراً من أول أكتوبر (القيادة العامة للقوات المسلحة وقيادات القوات البحرية والجوية والدفاع الجوي، والأجهزة والإدارات التابعة للقيادة العامة)، والقيادات العملياتية (الجيوش الميدانية والمناطق العسكرية) وقيادة التشكيلات المقاتلة (الفرق والألوية). على أن يجري بعض التحركات للوحدات المقاتلة في إطار اختبار أعمال التنسيق بين القوات، ودقة جداول التحركات، وفاعلية السيطرة على القوات عند إجراءها الانتقال من قطاع لآخر.



بنهاية شهر سبتمبر 1973، بدأت سلسلة من الاجتماعات، على أعلى مستوى، للقيادات السياسية والعسكرية. وكانت أولى تلك الاجتماعات في 30 سبتمبر 1973، للوزارات الرئيسية، بدعوة مفاجئة من الرئيس السادات، بغرض استعراض الموقف سياسياً وعسكرياً.

 

 وقد تولى الفريق أول أحمد إسماعيل علي، في ذلك الاجتماع شرح الموقف العسكري، مؤكداً على عدة نقاط رئيسية:

1- تنسيق العمليات الهجومية مع سورية، لتحقيق ضغط على إسرائيل لإرغامها على قبول حلول سلمية.
2- الإمداد بالأسلحة من الاتحاد السوفيتي يتم بحساب، لذلك فإن الإمكانيات لا تسمح بتحرير سيناء بالكامل، ولهذا فإن الحرب ستدار في حدود القدرات المتاحة.
3- لن تتكرر حرب الإستنزاف، وإنما ستوجه ضربة قوية بالقوات المصرية والسورية، مع العمل على إطالة زمن الحرب، ويتوقع أن تتكبد القوات المهاجمة خسائر كبيرة، إلا أنه من المتوقع كذلك، أن تقع خسائر أكبر بالقوات الإسرائيلية.
4- الوقت ليس في مصلحة مصر وسورية، معنوياً ومادياً، لذلك يجب ألا يتأخر توقيت التدخل العسكري ضد إسرائيل.
5- يحتمل، في حالة استشعار إسرائيل استعداد القوات المصرية والسورية للهجوم، أن تأخذ المبادأة، وتبادر بالحرب، لذلك فإن تحقيق المفاجأة يعتبر عاملاً حيوياً لنجاح العمليات من قبل مصر وسورية.
6- قد تفتقر القوات المصرية والسورية، إلى التفوق الجوي، وكذلك لإمكانات الاستطلاع الإستراتيجي والعمليات (للحصول على معلومات دقيقة، ومبكرة)، لكن إسرائيل لن تكسب الحرب.

 


كان تقدير الرئيس محمد أنور السادات، للموقف، كما شرحه للمجلس في هذا الاجتماع كالآتي:

1- حتمية المعركة، والانتقال من الدفاع إلى الهجوم، طالما استمرت إسرائيل في ممارسة سياستها على أساس أنها قوة لا تقهر، وتفرض شروطها.
2- استمرار الوضع الحالي (سبتمبر 1973) هو الموت المحقق، فقد دخلت الدولة (المصرية) منطقة الخطر، إذ يقدر الأمريكيون سقوط مصر خلال عامين. وبدون معركة سوف "تنكفئ مصر على نفسها".
3- تمر مصر بأصعب فترة. لإقرار أخطر من القرار الذي سيتخذ، ويجب كسر التحدي.
4- لن يقطع خيط الحوار مع الولايات المتحدة، ولكن سيتواصل بينما يكون قد كسر وقف إطلاق النار.


في أول أكتوبر 1973، بدأ تنفيذ المشروع الإستراتيجي "تحرير ـ 41"، وتحت ستاره، تمت إجراءات التعبئة، ورفعت درجة جاهزية القوات للحالة القصوى، وتواجد القادة مع هيئات قيادتهم ومعاونيهم في مراكز القيادة والسيطرة على القوات، ووضعت خرائط المشروع، وبدأ القادة في اتخاذ قرارات للمشروع، بينما استمرت القوات الأمامية في عملها اليومي المعتاد، دون تغيير، وفي المساء، كان الرئيس السادات يجتمع بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة، بحضور وزير الحربية، وكبار القادة، ليستمع إلى تقاريرهم عن استعدادهم للحرب، ويحدثهم عن المسؤولية الملقاه على عاتقهم، وضرورة الالتزام بما هو مخطط للحرب، وثقته فيهم وفي قواتهم.

وقد أصدر الرئيس السادات في هذا اليوم (أول أكتوبر 1973م ـ 5 رمضان 1393هـ) توجيه إستراتيجي، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية، إلى القائد العام للقوات المسلحة (وزير الحربية)، محدداً تقدير الموقف سياسياً، والهدف الإستراتيجي للقوات المسلحة، وإستراتيجية إسرائيل ومصر في هذه المرحلة، وأهمية التوقيت الحالي.



حتى 4 أكتوبر 1973، كانت تقديرات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، أن الحشود على الجبهتين المصرية والسورية، عادية، في إطار المناورات العسكرية المعتادة بالنسبة للمصريين، ولا دليل على إعتزام سورية شن حرب. وفي نفس الوقت كانت المدمرات والغواصات المصرية قد اقتربت من مناطق عملها في الخطة "بدر" لقفل مضيق باب المندب، وأُخطر قادة الجيوش الميدانية بتوقيت بدء العمليات، وجداول التوقيتات الرئيسية لكافة المستويات، وكذلك توجيه من القائد العام للقوات المسلحة لبذل الجهد في سبيل النصر، ووزعت الأعلام المصرية التي سيستلمها قادة الموجه الأولى للعبور، لرفعها على الضفة الشرقية للقناة.



أصدر القائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية، الرئيس أنور السادات، توجيهاً إستراتيجياً جديداً، في 5 أكتوبر 1973م ـ 9 رمضان 1393هـ، إلى القائد العام الفريق أحمد إسماعيل علي، يحدد فيه قراره بتكليف القوات المسلحة بتنفيذ مهام إستراتيجية، بالعمليات الحربية، بالتعاون مع القوات السورية أو منفرده، وينص هذا التوجيه على كسر وقف إطلاق النار اعتباراً من يوم 6 أكتوبر (اليوم التالي)، والعمل على تحرير الأرض على مراحل متتالية حسب تطور الموقف وقدرات القوات المسلحة، ولم يكن ذلك محدداً بوضوح قاطع. في التوجيه السابق (أول أكتوبر 1973).



على الجانب الآخر، جمعت جولدا مائير، رئيسة الوزراء في إسرائيل مجلس الحرب، الذي يضم، معها، وزير الدفاع ورئيس الأركان، ومدير الاستخبارات العسكرية، والقيادات السياسية والعسكرية الضرورية، وسمعت منهم تقديرهم عن الموقف، والذي لم يخرج عن التقدير السابق، بل أكد الجنرال حاييم بارليف استحالة عبور القوات المصرية للقناة، أحد أكبر عائقين مائيين في العالم (مع قناة بنما)، وهي مجهزة جيداً لصد أي هجوم، وأعاد نفس التأكيد رئيس الأركان الجنرال إليازر في لقاء ثنائي مع رئيسة الوزراء ليلاً في منزلها، عندما أرادت زيادة التأكد.



صباح يوم 6 أكتوبر 1973م ـ 10 رمضان 1393هـ، كانت القوات المصرية والسورية في أقصى أوضاع الجاهزية للقتال، وتم إبلاغ القيادة العامة لكل دولة باستعداد القوات لبدء الحرب. وفي الوقت المناسب رفعت خرائط مناورة التدريب "تحرير ـ 41"، واستبدلت بخرائط الحرب "العملية بدر"، في مراكز القيادة للقيادة العامة والجيوش والمناطق العسكرية. واتخذ القائد الأعلى ووزير الحربية المصريان، أماكنهما في مركز قيادة القوات المصرية، استعداداً لإعطاء الكلمة الرمزية، للبدء في تحرير الأرض المحتلة.



تصادف في هذا اليوم 6 أكتوبر 1973، أن قام وزير الدفاع الإسرائيلي، بزيارة للجبهة المصرية، وتفقد بعض النقط الحصينة في خط بارليف، ومن منظار المراقبة في إحدى النقط رأى الجنود المصريون، مسترخيون على الضفة الغربية، مستسلمين لأشعة الشمس الدافئة، وبعضهم يسبحون في القناة، بالقرب من الشاطئ الغربي، واطمأن بنفسه على هدوء الموقف تماماً، لذلك عاد مسرعاً إلى تل أبيب، ليكمل الاحتفال بعيد الغفران "يوم كيبور" المقدس.



كان رئيس الأركان المصري، الفريق سعد الدين الشاذلي، قد زار الجبهة المصرية كذلك، من الجانب الغربي، واجتمع بقادة الجيوش، كل في مركز قيادته، في اليوم السابق، واستمع إلى آخر مطالبهم، وإزالة ما صعب عليهم، وهو قليل، واتفق معهم على صيحة البدء "الله أكبر"، ترددها مكبرات الصوت والجنود في لحظة عبور الطائرات المصرية، أول مظاهر بدء القتال، لخط الجبهة من فوق رؤوسهم.



كان من الواضح أن المفاجأة نجحت، فالساعات الباقية، لم تكن تسعف إسرائيل، لتجنب الحرب، أو للبدء في عمل وقائي (ضربة الإجهاض) فهي تحتاج لأكثر من 72 ساعة لذلك، كما أن الإسرائيليون قابعون في سكون تام، خارج المدن، دون اتصالات، ولن ينتهي عيد الغفران، إلا في صباح اليوم التالي، مما يفقد الإسرائيليون، مزيداً من الوقت الحرج.

في تمام الساعة الثانية وخمس دقائق ظهر يوم 6 أكتوبر 1973 ـ 1405 كما ينطقها العسكريون ـ انطلقت الطائرات لتوجه الضربة الأولى للدفاعات والأهداف الإسرائيلية استغرقت 20 دقيقة، في سيناء والجولان في نفس اللحظة، ثم وجهت المدفعية على الجبهتين، في أكبر حشد نيراني ممكن، ضربة ثانية، لمدة 53 دقيقة، لتمهد بالنيران، لبدء الهجوم، وليبدأ العبور، تحت ستر نيران المدفعية الغير مباشرة، والمباشرة، الموجهة لأهدافها في الجانب الآخر، شرق القناة.