San is thrilled to land Carradine at No. #11 Express also looks Adrian Peterson Womens Jersey of stepping forward after making a strong bid from near the rear last time out. Gragg knows Authentic Shaun Alexander Jersey play Saturday only helped Authentic Dalvin Cook Jersey cause. He's Authentic Xavier Su'a-Filo Jersey a good coach. He is fairly consistently between 25 Bryan Little Youth Jersey 30 home runs every with 90+ runs and RBI. Freshman Wassink and split time for the rest of the snaps.

Crowder's role could prove helpful with DeSean ailing, but the tougher Authentic Bob Gibson Jersey and his low average depth of target appears limiting.

Authentic Jason Demers Jersey managed to haul the LOLNats top two RHP prospects and a 1st round pick for a #2 hitter that gets 30% of his value from his defense. The moment doesn't turn out to be too big for him the way the New stage doesn't seem too big. That's why Konerko is one of only two players League Baseball to hold the official title of captain on their team, the other being the venerable Yankees shortstop Derek Danny Amendola Womens Jersey Feaster also said it was a difficult decision to make, but it became a necessity when he realized he could not sign Iginla, unrestricted free agent at the end of the , to extension. He added another dimension to a Falcons offense that lacked a big-play threat outside of No. I didn't work out with Kobe, said. Dan Bailey Jersey has Kavon Frazier Jersey presence about himself. He gave me that look, 'Raun said, like he was about to blow it on . Yeah, God and Christ among NFL people makes the media uncomfortable and reporters and news organizations run away from the topic. In Jack Youngblood Jersey case, we may fix spelling and punctuation.

-- but he got hurt much -- and Dontrelle Willis. The foundation of 's game is his mind. ...ritte , Hanbury, Harrod J., Harrod M., Harvey, Haxton, Hayes, Hayton, , Hill, Hipsley, Hirst, Hogg, Holmes , Hookham, Höveler ... It was going to be built downtown near where the new arena be, but it failed to pass a plebiscite. The birthday cut-off date be opening night for the 2016 , which means those eligible would Authentic Davon House Jersey been selected at the 2015 or 2016 NHL Draft. Henderson is at 31 percent from deep for his career, although he bumped that number up to 35 percent last year with some Troy Tulowitzki Jersey work the corners: Henderson isn't a traditional floor spacer, but the good news is that he does everything his power to mitigate that not so insignificant weakness.

Born to a family of eight children a middle-class section of Kinshasa, Zaire , Mutombo attended the Jesuit-run Institut Boboto to receive his high school diploma, and joined Wesley Johnson Womens Jersey older brother Ilo on the Zairean national team 1986. Not a wife, Terrelle Pryor Jersey a mother of his Danny DeKeyser Jersey not a common law partner, probably not even a Ronnie Lott Womens Jersey

إضافة تعليق | تاريخ بورسعيد

Error message

  • Warning: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at /home/content/45/6727245/html/index.php:4) in drupal_send_headers() (line 1221 of /home/content/45/6727245/html/includes/bootstrap.inc).
  • Warning: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at /home/content/45/6727245/html/index.php:4) in drupal_send_headers() (line 1221 of /home/content/45/6727245/html/includes/bootstrap.inc).
  • Warning: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at /home/content/45/6727245/html/index.php:4) in drupal_send_headers() (line 1221 of /home/content/45/6727245/html/includes/bootstrap.inc).
  • Warning: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at /home/content/45/6727245/html/index.php:4) in drupal_send_headers() (line 1221 of /home/content/45/6727245/html/includes/bootstrap.inc).
  • Warning: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at /home/content/45/6727245/html/index.php:4) in drupal_send_headers() (line 1221 of /home/content/45/6727245/html/includes/bootstrap.inc).
  • Warning: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at /home/content/45/6727245/html/index.php:4) in drupal_send_headers() (line 1221 of /home/content/45/6727245/html/includes/bootstrap.inc).
Posted by Engineer on October 06, 2013

كتب قاسم مسعد عليوة:

 

بورتريه (1) ـ 2012م.

 

     الوجه على شى من الامتلاء حليقاللحية والشارب، على نعومة البشرة الحليقة، فإن جذور الشعر اللابدة تحتهما تنبئ عن غزارة وكثافة تعلنان عن عزم لا ينتهى لمعاودة الظهور. الشفتان منطبقتان، مبتسمتان بتمهل، يؤطرهما قوسان يجمعانهما وفتحتى أنف أقنى.

بكل خد خط متوسط الغور حفره إزميل الزمن برفق وتؤدة؛ أما العينان فمن تحت الحاجبين الكثيفين الأشيبين واسعتان، إن تمليتهما أشعراك بأنهما قادرتان على سبر غور الفولاذ. فوقهما الجبهة العريضة منبسطة إلا من تموجين، وانحسار شعر الرأس عن أعلاها أعطاها انفساحا متصلا بالصلعة الهابطة إلى الخلف وقد أحاط بها هلال من الشعر الرمادى كثيف البياض عند الفودين وفى مواضع اتصاله بالرقية.. الرقبة التى يحاول شعر الصدر الأشيب الكثيف الوصول إليها.

 

     إنه وجه البطل يسرى عمارة الذى شرخ من السنين خمساً وستين سنة.

 

بورتريه (2) ـ 1973م.

 

     على العكس من سابقه الوجه نحيل، بحكم العسكرية أو بدون هذا الحكم، هو أيضاً حليق اللحية والشارب. البشرةناعمة، غضة، تشيع فيها النضارة، وجذور الشعر اللابدة تحتها أقل غزارة وكثافة وتبدو أكثر طاعة لرغبة صاحب الوجه. الشفتان على نفس انطباقهما وابتسامتهما، والقوسان هماهما يجمعانهما وفتحتى الأنف الأقنى، ولم يكن إزميل الزمن قد عمَّق بعد الخطيناللذين يتوسطان الخدين، فقط رسم علاميتهما حتى لا ينسى مكانيهما فى قابل السنين.العينان تحت ذات الحاجبين الكثيفين الأسودين متسعتان، وتملكان ذات القدرة على سبر الفولاذ، لكن ألقاً رومانتيكياً يتماوج فوقيهما ويفيض؛ ومن فوقهما الجبهة ذات التموجين، لكنها أكثر ملوسة وأقل انسراحاً، غزاها شعر الرأس الغزير الهابطة ذؤابته نحو حاجبه الأيمن، ولولا الصرامة العسكرية لهبطت إليه وداعبته. من فرط غزارة الشعر فإن مجرى المفرق الذى خط مجراه إلى اليسار من مؤخرة الرأس حتى الجبهة لا يكاد يبين، وما من شعرة بيضاء تعلن عن نفسها، لا فى شعر الرأس ولا الحاجبين أو دغل الصدرالمتماس مع الرقبة الملساء غير بارزة العروق.

 

 

     إنه وجه البطل يسرى عمارة وقت أن شرخ من السنين ستاً وعشرين سنة.

 

خبر مفرح:

 

    على الرغم من مرور سنين كثيرة على حرب أكتوبر 1973م، فإن البدرى فرغلى، النائب المحلى المعارض، ثم نائب مجلس الشعب عن بورسعيد لثلاث دورات متصلة ورابعة منفصلة، ما كان ليسألنى مباشرة عن تذكرى لعساف ياجورى، فقد ذكرت له اسمه منذ حوالى الشهر، ونحن نعد العدة لاحتفال أكتوبرى، لكنه بادرنى بقوله:

 

     ـ عندى لك خبر مفرح.

     ـ خير إن شاء الله.

     ـ آسر عساف ياجورى خرج منالجيش واشتغل هنا فى بورسعيد.

     ـ والله؟

     ـ والله.. اشتغل فى شركة القناةلتداول الحاويات والبضائع.

     ـ طيب.. ندعوه للمشاركة فىندوة أو مؤتمر جماهيرى.

     ـ طبعاً.. طبعاً.. أمر كهذا لايفوتنا.

 

     (كان هذا فى نوفمبر من العام1993م.)

 

صداقة توطدت:

 

     منذ التقينا لقاءنا الأول،ونحن نلتقى معا فى العديد من الندوات والمؤتمرات والبرامج التليفزيونية، نواجه معاالجمهور العام والجمهور الخاص. يحكى تجربته وأحكى تجربتى، إلى جواره أفضل الصمتوالاستماع إليه، وأحبذ إدارة الندوة التى يكون هو متحدثها الوحيد؛ وطبيعى أن تتوطدبيننا صداقة أساسها ليس فقط الاحترام المتبادل، وإنما أيضاً، حب هذا الوطنوتوقيره، والرغبة فى إزاحة غشاوات عدم الانتماء التى غشت عقول كثيرين من الشباب فىزمن الفساد والاستبداد.

 

بطاقة بيانات:

 

     من خلال لقاءاتنا المشتركة،ومما استمعت إليه منه، أو قرأته عنه، أعددت بطاقة بيانات مختصرة عن نشأته:

 

الاسـم كاملاً: يسرى أحمد عبد الله عمارة.

مكان الميلاد: مصر القديمة.

تاريخ الميلاد: 12 يوليو 1947م.

الـــنـــشــأة: كفر السادات مركز تلا منوفية.

 

حوار خاص:

 

يســـرى عمارة: الشباب فقد الانتماء من كثرة ما كابد.

قـاسم عـلـيـوة: مما يدمينى أننى شـاهـدت شـباباً حـمـلوا حـقـائـبـهم واتـجـهــوا للعـمل

                        بإسرائيل.

يســـرى عمارة: ما يُرتكب بحق هذا الشباب جريمة كبرى لا تُغتفر.

قـاسم عـلـيـوة: نعم جريمة كبرى لا يشعر بهولها إلا من عايش أيام الحرب والنضال.

يســـرى عمارة: من المهم أن نـُعـيـد إلى هـؤلاء الـشـبـاب ثقتـهم بأنـفـسـهـم، والافـتخار

                        بانتمائهم لوطنهم.

 

فلاش باك:

 

(1)

 

     بقلب خافق يجتاز فتى يافع لم يتجاوز التاسعة عشر من عمره إلا قليلاً بوابة الكلية الجوية ببلبيس. من خلفه وإلى يمينهويساره فتيان يماثلونه فى العمر يجتازون مثلما اجتاز نفس البوابة. عددهم فى حدود 145 فتى أفرزهم الكشف الطبى الدقيق، وسلسلة الاختبارات المتتالية، ليكونوا هم قوام الدفعة المستجدة رقم 21  جوية. الأمل يقوده ويقودهم إلى داخل الكلية. كان هذا فى يوم من أيام نوفمبر 1966م.

 

(2)

 

     الشمس تغمر ساحة التدريب داخل الكلية الجويةبنورها القوى، وترقب طابوراً من طوابير تدريب الطلبة. العرق يبلل أفرولاتهم وقداصطفوا بتصلب وانتباه أمام المعلم:

 

الـــــمـــــعــــــلــــم: الطالب يسرى عمارة.

يــســـــرى عــمــارة: أفندم..

الـــــمـــــعــــــلــــم: أسمعنى شعار الكلية.            

يــســـــرى عــمــارة: إيمان.. تضحية.. مجد.

الـــــمـــــعــــــلــــم: بصوت أعلى.

يــســـــرى عــمــارة: إيمان.. تضحية.. مجد.

الـــــمـــــعــــــلــــم: أعلى.

يــســـــرى عــمــارة: إيمان.. تضحية.. مجد.

الـــــمـــــعــــــلــــم: الكل يردد الشعار معه.

يســــرى وكل الطلبة: إيمان.. تضحية.. مجد.

 

(3)

 

     وجهالطالب يسرى عمارة كسيف أسيان. الحزن والأسى تنطق به ملامحه التى اكتست بكل ألوانالدنيا، أما العينان فمتسعتان على آخرهما وقد انعكست على بؤبؤيهما مشاهد اللهبالمصاعد من مطار الكلية، ودوى الانفجارات يصم أذنية، غير مصدق أن الطائرات التىكانت رابضة أمام عينيه قد صارت حطاماً فى حين أفلتت طائرات العدو بفعلتها المباغتة،وفرت إلى البعيد.

 

     مشهد حزين لن ينساه ما عاش.ومن يمكنه أن ينسى يونيه 1967م. وهزيمتها العسكرية المُرَّة؟

 

(4)

 

     أثناء إجراء الكشف الطبىالدورى على طلبة الكلية الجوية، قال طبيب العيون للطالب يسرى عمارة بعدما فحصعينيه:

 

     ـ اسمع يا بنى.. أعصاب عينك اليسرى بها ارتخاء، ومن المحتمل أن تصاب بحول فى سن الأربعين.

 

     صدمة الفتى كانت كبيرة. بعينين مغرورقتين بالدموع  قال للطبيب:

 

     ـ يا دكتور.. أرجوك.. اتركنىأكمل. من سيطير بعد الأربعين يا دكتور؟

 

    أبدل الطبيب المقيد بالتعليمات واللوائح صوته المهنى بصوت شفيق وبنبرة أبوية قال:

 

    ـ لن أضيع مستقبلك.. سأحيلك إلى الكلية الحربية.

 

    وبكى يسرى عمارة كما لم يبك من قبل.

 

بطولة مبكرة:

 

     أعيد تشكيل الجيش المصرى بُعيدالنكسة مباشرة، وبعد صمود استمر حتى أغسطس 1968م، كانت أبرزها معارك: رأس العش (الأولمن يوليو 1967م.)، معارك القوات الجويةالمصرية فوق سيناء ( يوما 14 و 15 يوليو1967م.)، معارك المدفعية المصرية المتمركزة فى قطاع شرق الإسماعيلية (20 سبتمبر 1967م.)، وإغراق المدمرة البحرية الإسرائيلية إيلات أمام ساحل بورسعيد (21 أكتوبر 1967م.)؛ وحسبالمشير محمد عبد الغنى الجمسى بدأ الجيش مرحلة الدفاع النشط فاشتبك بالنيران معالعدو لتقييد حركة قواته فى الخطوط الأمامية وكبده قدراً من الخسائر فى أفرادهومعداته واستغرقت تلك المرحلة المدة من سبتمبر 1968م. حتى فبراير 1969م. لتنشب فىمارس من العام ذاته، وبالتحديد فى الثامن من مارس، أى دون فاصل زمنى يذكر، حربالاستنزاف التى استهدفت أمرين: أولهما تكبيد العدو أكبر خسائر ممكنة فى الأرواحوالمعدات, وثانيهما تطعيم القوات المصرية عملياً ومعنوياً استعداداً للمعركةالشاملة.

 

     فى يوليو من هذا العام، أى فىعنفوان حرب الاستنزاف، تخرج الملازم ثان يسرى عمارة فى الكلية الحربية ضمن الدفعة رقم 55. حاملاً نجمته الوحيدة اتجه من فوره إلى الكتيبة 361 مشاة باللواء 117الفرقة الثانية المتمركزة فى منطقة سرابيوم وعين غصين جنوبى الإسماعيلية.. وبعزيمةالشاب ذى الاثنين وعشرين ربيعاً المؤمن بحتمية استرداد كرامة جيشه ووطنه، شارك فى التشكيل الانتحارى الذى أهدى الشعب المصرى ليس فقط أول أسير إسرائيلى بعد هزيمة1967م. وإنما أيضاً أول ضابط إسرائيلى يتم أسره، النقيب (دان افيدان شمعون)، فقد اقتنصه هذا التشكيل بقيادة النقيب أحمد إبراهيم فى كمين نهارى نصبه يوم 29 ديسمبر1969م. بمنطقة سرابيوم، ودمر فيه عربة جيب وقتل جنديين إسرائيليين فضلاً عن اغتنام هذا الأسير الثمين.

 

 

     فى الضفة الغربية استقبل يسرى عمارة النقيب الأسير. كان عطشاً فسقاه، وكان جريحاً والدماء تنزف من إحدى ساقيه، فهبط به إلى ملجأ تحت الأرض. حاول الجنود المصريون الفتك به فمنعهم عنه واستدعى طبيباً لتضميد جراحه ووقف نزيفه؛ وإذ يقوم الطبيب بدوره الإنسانى سأل الأسيرُ فتانا بلغة عربية مفهومة:

 

     ـ ما اسمك؟

 

     رد عليه:

 

     ـ جمال عبد الناصر.

 

     أشار ناحية الطبيب وسأل:

 

     ـ وما اسمه؟

 

     أجابه يسرى:

 

     ـ جمال عبد الناصر:

 

     بلهجة متعجبة سأل:

 

     ـ نفس اسمك؟.. جمال عبد الناصر؟

 

     فحسم يسرى الموقف بوضوح:

 

     ـ كلنا جمال عبد الناصر.

 

     فالتقم الأسير لسانه وسكت.

 

المعمعة الكبرى:

 

    فى الساعة الرابعة عصر يوم السبت الثالث من أكتوبر 1973م. انطلقت الموجة الثانية لتعبر قناة السويس. اللواء 117م.ش.م.ك الذى يضم النقيب يسرى عمارة بدأ عبوره من منطقة الفردان (11 كيلو شمال مدينة الإسماعيلية). المشاة يعبرون وسط الهول فوق كبارى "مشاية" عرض الكوبرى منها 120سنتيمتراً والطول 200متراً، مصنوعة من قماش تتخلله قطع من الأخشاب. نهاياتتلك الكبارى مثبتة إلى الضفتين، لكنها دائمة التأرجح فوق الماء. الواقف فوق أى كوبرى منها تغزوه الرهبة، فما بال الماشى فوقه والمهرول بعدته وعتادة. والقصف فى الأمام والخلف والجنبين يدوى ويخلخل الهواء والماء خلخلة.

 

     لكن لأن النقيب يسرى كانت معه مدافع B10      زنة82 كيلو، B11    زنة 305 كيلو فقد امتطى فى عبوره إلى الضفة الشرقية للقناة قارباً مطاطياً، وهذا خطر ثان عظيم.

 

قطع:

 

     قال لى يسرى عمارة:

 

     ـ جنودنا أبطال بمعنى الكلمة.. والله أبطال.

 

     ثم أردف:

 

     ـ جنود العدو مرفهون فى مواقعهم ومعهم أحدث الأسلحة، ونحن نحارب بأقل الإمكانات.. بل أقل القليل.

 

     وتوقف ريثما يلتقط أنفاسه:

 

     ـ لا يمكن لأحد أن يتخيل أن يحمل الجنود الأفراد مدافع زنة المدفع الواحد 305 كيلو ويعبرون بها الماء ويصعدون بها ساتراً ترابياً عالياً. لا يمكن لأحد أن يتخيل جنودًا أفراداً يركضون فوق كوبرى من قماش عرضه 120سم بكامل الشده ومعهم أدواتهم ومعداتهم والقصف فوقهم ومن حولهم.

 

     توقف مرة أخرى ليقاوم غصة لبدت فى حلقه:

 

     ـ استشهد جندى إشارة. سقط من فوق أحد هذه الكبارى وغرق فى مياه القناة هو والجهاز الذى يحمله فوق صدره.

 

     لمَّا تغلب على الغصة قال:

 

     ـ لكنه جندى واحد.. من يتصور ألا يسقط من فوق هذه الكبارى الخطيرة، وفى تلك الظروف الرهيبة، سوى جندى واحد؟

 

    وأعقب:

 

     ـ جنودنا أبطال والله.. والله جنودنا أبطال.   

 

يوم الملحمة:

 

     إنه اليوم الثالث من أيام تلك الحرب المجيدة.. يوم الاثنين الثامن من أكتوبر 1973م. اثنين الفخار لدى المصريين، واثنين الحزن لدى الإسرائيليين.. بالفعل هو يومهم الحزين. في ذلك اليوم وصلت قيادة الفرقة الثانية من المخابرات الحربية معلومات عن وجود قوة مدرعة صهيونية اكتمل تجمعها وجاهزة لهجوم مضاد على القوات المصرية لإجبارها على التراجع. على ضوء تلك المعلومات وبإشراف من العميد أركان حرب حسن أبو سعدة قائد الفرقة الثانية مشاةبالجيش الثانى الميدانى، اجتمع لمناقشة الموقف قادة الألوية الرابع مشاه، 120مشاة، و117 مشاه ميكانيكى، وهم العقداء محمود المصرى (اللواء الثانى)، صابر زهدى (اللواء الثانى)، وحمدى الحديدى (اللواء الثالث) وانتهوا إلى اتخاذ وضع الجيب النيرانى، إلى جانبه الأيمن يكمن اللواء الرابع مشاة، وإلى جانبه الأيسر اللواء 120 مشاة،وفى الوسط اللواء 117 م.ش.م.ك. لكونه لواء الفرقة المدرع.

 

 

     الخطة التى اعتمدها العميد حسن أبو سعدة كانت جديدة وخطيرة، فهذا الجيب النيرانى يعنى اجتذاب لواء العقيد نيتكا المدرعالمهاجم (اللواء 190مدرع) إلى أرض قتال داخل رأس كوبرى الفرقة الثانية مشاة، ويعنى كذلك، وهذا هو الخطير، السماح لمدرعات العدو باختراق الموقع الدفاعى الأمامى، ليس هذا فقط، لكن وفقاً للخطة فإنه ينبغى الصبر على المهاجمين حتى يتوغلوا لمسافة 3كيلومترات من قناة السويس. خطة لا يضعها ويتحمل مسئوليتها سوى قائد يثق فى ضباطه وجنوده ومعداتهم وذخائرهم.

 

     بالفعل كان الكمينً محكماً، ابتلعه الصهاينة فدخلوا، وسط صمت محكم من قوات اللواءات الثلاثة، دخلوا الجيب المحاطبالعيون المصرية المتربصة والصدور التى تكتم أنفاسها والعقول المستنيرة والقلوب الشجاعة النابضة بحب مصر، وما إن أصبح المهاجمون فى القبضة تماماً حتى انقلب الصمت إلى هدير صاخب ونيران كثيفة متواصلة صبت من ثلاث جهات جعلت ميدان المعركة قطعة من الحجيم المستعر، فقد فيها اللواء الإسرائيلى الأغلبية الغالبة من دباباته ومجنزراته.

 

     لمَّا صدرت التعليمات لقوات المشاة الميكانيكية بتطوير العمليات والتقدم بأقصى سرعة باتجاه الشرق، وتطهير أكبر مساحة من الأرض قبل حلول الظلام، اندفع النقيب يسرى عمارة بعربة جيب مزودة بمدفع مضاد للدبابات للتعامل مع المتبقى من دبابات العدو، غير أن العربة التى يستقله اأصيبت بقذيفة إصابة مباشرة عطلتها، فقفز يسرى عمارة إلى مدرعة توباز، وهى مدرعة برمائية، وبواسطة هذه المدرعة سحبا المدفع المضاد للدبابات وانطلق هو وزميله البطل فاروق فؤاد سليم (استشهد فى اليوم التالى) لتطهير الأرض من أية جيوب قد يتحصن بها أفراد العدو الفارين من مدرعاتهم؛ وإذ يقومان بعمليات التطهير يكتشف يسرى عمارة أن الدماء تنزف بغزارة من ذراعه اليسرى. ما إن أوقفا المدرعة التى يستقلانها لمعاينة الجرح وإيقاف النزيف، حتى انهمرت باتجاههما نيران منطلقة من إحدى الحفر، ورأى يسرى جندياً إسرائيلياً يصوب سلاحه تجاهه فقفز إليه، بعدما انتزع خزانة بندقيته الآلية، وضربه بها على أم رأسه فأسقطه. بطل آخر قيضه الله لحماية يسرى عمارة فى هذه اللحظة، هذا البطل هو الجندى محمد حسان (من الأقصرـ استشهد  بعد ستة أيام)، فقد وقف خلف بطلنا وقتل اثنين من الجنود الإسرائيليين كانا مختبئين فى حفرة وكادا يقتلان النقيب يسرى من مكان لميلحظة.

 

     بذا أصبح قتلى هذا الموقف من الإسرائليين ثلاثة.. بعدها أظهر الفزع أربعة إسرائيليين كانوا مختبئين فى حفرةأخرى رافعين أذرعهم إلى الأعلى صائحين بالعربية:

 

     ـ أسرى.. أسرى. 

 

      تقدم النقيب يسرى عمارة ومعه النقيب فاروق سليم والجندى محمد حسان نحو الحفرة وأخرجوا الأربعة  منها، وجردوهم من أسلحتهم، وهم لا يعلمون أن من بينهم من قاد مدرعات اللواء 190 العقيد عساف ياجورى.

 

     كانت ذراع يسرى عمارة قد تورمت بعدما تلوث الجرح بالرمل وأصابه إعياء شديد، ومع هذا استمر فى مهمته وأركب الأسرى الأربعة المدرعة البرمائية هو وفاروق سليم ومحمد حسان وظل معهما عمارة زهاء الساعتين قبل أن يتركهم لينال علاجه.. وفى المستشفى علم أن عساف ياجورى كان من بين أسراه ففرح فرحاً شديداً واحتفل به زملاؤه جرحى الميدان.

 

أسئلة وأجوبة حول الخوف والشجاعة:

 

أسئلة منى: تعلم أننى عشت مثلك أجواء حرب أكتوبر لكن فى ثوبها المدنى داخل مدينة بورسعيد، كما عشت أغلب حروب مصر الحديثة من مواقع مختلفة، من خلال هذه المعايشة تولد عندى يقين بأن الفرق فى الحروب بين الخوف والشجاعة شعرة رهيفة، فهل خفت فى حربى الاستنزاف وأكتوبر 73؟.. وأى موقف خفت فيه أكثر؟.. ومتى قطعت الشعرة الفاصلة بين الخوف والشجاعة؟

 

أجوبة منه: الخوف إحساس إنسانى، وما من إنسان لا يخاف، ومن لا يعرف الخوف لا يعرف الشجاعة، لكن شعورى بأننى إنما أقف إلى جانب الحق جعلنى قوياُ، وحرب الاستنزاف طعمتنى ضد الخوف، لكننى ولا أخفى هذا خفت لحظة عبورى لقناة السويس، فالمشهد كان رهيباً جداً وعظيماً جداً، لكن ما إن لمست أرض الضفة الشرقية ووجدت نفسى فى قلب المشهد الذى كنت أحلم به حتى زايلنى خوفى تماماً.

 

سؤال خارج السياق ومع هذا متصل به:

 

     سألته: أحببت؟

 

     أجاب: أحببت وتزوجت من بورسعيد حفيدة الوطنى الكبير حامد الألفى، وهذا سر ترددى على بورسعيد منذ يوليو 1974م. وطلبى العمل فيها بعد تسريحى من القوات المسلحة فى الأول من يوليو 1993م.

 

مسألة كرامة:

 

  يعتز العميد يسرى عمارة بكرامته أيما اعتزاز، لذا هو لا يهمس ـ حتى ـ بالشكوى إزاء الضيم الذى ناله. إزاء مشاعر الود والحفاوة التى أحاطه بها الشعب المصرى ومنظماته الأهليه هو يشعر بامتنان بالغ، نفس الشعور يكنه للإعلام المصرى الذى كرمه وأحسن تقديمه للرأى العام؛ لكن الأمرعلى المستوى الرسمى يدفع بغصة إلى حلق البطل، تمنعه كرامته من التعبير عنها، لقدحصل يسرى عمارة على وسام النجمة العسكريةعرفاناً وتقديراً لبطولته فى الحرب ولبلائه الحسن فيها، وهذا الوسام لا راتب شهرى له، فى حين أن الحاصل على وسام الشرف ـ وهو الوسام الذى يعلوه مباشرة ـ كان ينال راتباً شهرياً فى عهد محمد أنور السادات مقداره عشرة جنيهات شهرياً، وهو راتب ضئيل جعل يسرى عمارة يقنع بوسامه المجانى؛ لكن حدث فى عهد محمد حسنى مبارك أن رفع راتبوسام الشرف من عشرة جنيهات إلى عشرين ألف جنيه مرة واحدة، وأبقى على مجانية وسام النجمة العسكرية، الأمر الذى أحدث تفاوتاً كبيراً أهدر بطولات عظيمة قدمها أبطال عظماء من شاكلة البطل يسرى عمارة، فمتى ينقضى هذا الظلم؟.. ومتى ينال هذا البطل وأمثاله حقوقهم كاملة غير منقوصة؟

 

ذات ندوة:

 

     قال الرجل مهلهل الثياب الجالس فى الصف الأخير بالندوة التى كنت حاضرها مع يسرى عمارة:

 

     ـ لا أسر عساف ياجورى ولا علو رتبته العسكرية مصدر افتحارى. أنا فخور بالروح المنتصرة، أقصد كنت فخوراً بالروح المنتصرة، فهل ستعود؟

 

     وبالعينين اللتين تسبران غور الفولاذ نظر العميد يسرى عمارة إلى الفراغ الذى يعلو رءوس الجالسين أمامه وقال كلمة واحدة:

 

     ـ ستعود.

 

 

 

قاسم مسعد عليوة

 

أكتوبر 2013م.