Posted by Engineer on December 07, 2013

كتب محمد بيوض : أدى زيادة هجرة الأجانب إلى مصر في هذه الفترة - فترة حفر وإفتتاح قناة السويس -  إلى أن أصبحت لهم جاليات كبيرة العدد تختلف قلتها أو كثرتها وفقا لبعدها أو قربها من أوطانها وكذلك وفقا وصلاتها الثقافية والمالية والتجارية والسياسية بمصر .

وبذلك نشأ ما يسمى بالمصالح الأجنبية والتي أصبحت عنصرا قويا وهاما ومؤثرا في الإقتصاد المصري وفي الحياة الإجتماعية ، وألقى هذا على الدولة عبء حماية هذه المصالح .

وكان يمثل سكان بورسعيد مختلف الجنسيات حيث أن شركة قناة السويس كانت قد إستقدمت الكثير من الأوروبيين من الجنسيات الفرنسية واليونانية والإيطالية والنمساوية والمالطية والعثمانية وغيرهم ، وكذلك الكثير من الشوام . كما شجعت أيضا بعض المصريين على العمل أيضا بمشروع القناة .

وقد إستمر عمل معظم هؤلاء ببورسعيد بعد إنتهاء الحفر وإفتتاح القناة ، كما شجعت شركة قناة السويس على قدوم بعض التجار إلى بورسعيد لخدمة المشتغلين بها وبالمشروع . كما هاجر إليها العديد من الأجانب بحثا عن فرصة عمل وذلك نتيجة الأوضاع الإقتصادية والسياسية التي تمر بها بلادهم وأوطانهم . وعلى سبيل المثال فقد إتجه معظم اليونانيين إلى أعمال التجارة وعمل معظم الإيطاليين في الحرف المختلفة وكذلك شارك النمساويين في الأعمال الفنية الدقيقة بمشروع قناة السويس ، كما قام العديد من الأجانب من الجنسيات المختلفة بإقامة العديد من المشروعات الإستثمارية ببورسعيد.

ومع هذا التوافد للكثير من الأجانب أدى ذلك لوجود العديد من الجاليات الأجنبية المختلفة وقد لعبوا جميعا دورا هاما في حياة المدينة الإجتماعية والإقتصادية ثم الثقافية .

وهكذا جمعت بورسعيد بين هذه الأخلاط من البلدان الأوروبية والشرقية والأسيوية ، كما جمعت بين لغات عديدة يتحدث بها سكانها إلى جانب المصريين . وكان لكل جنس من هذه الأجناس ، صفات وعادات وتقاليد مميزة عن باقي الأجناس الأخرى ، أي أن بورسعيد قد جمعت بين أخلاط شتى من العادات والتقاليد واللغات واللهجات والأشكال والأزياء والألوان .

 

 

أحوال الأجانب في بورسعيد :

ولكن مع وجود هذه الجاليات الكثيرة ظهرت الآثار الجانبية التي كانت تؤثر سلبا أحيانا وتعكر صفو هذا المجتمع الناشيء الجديد .

فقد كان للأجانب في مصر عموما وبورسعيد خصوصا إمتيازات في الغالب كانت تتعارض مع القوانين المصرية أو تتجاوزها ، فكانوا يرفضون مثلا المثول بديوان ضبطية بورسعيد لإجراء التحقيق الإبتدائي معهم فيما إرتكبوه من مخالفات أو ما وقع منهم من إعتداءات ولا يمتثلون لأوامر الحكومة المصرية على الدوام ومن أمثلة ذلك :

·         كان القانون المصري في ذلك الوقت يجبر الناس على حمل الفوانيس ليلا وهم يسيرون في الطرقات ، إلا أنهم كانوا يخالفون هذا القانون دوما ويرفضون حمل هذه الفوانيس ، وقد كان من ضمن المخالفين لهذا القانون أربعة من الإيطاليين ، وقد إعترض وكيل القنصل الإيطالي على سجنهم لإرتكابهم هذه المخالفة مطالبا بإلغاء هذا القانون أو إضاءة البلدة في الليل بصفة مستمرة ، مما يدل على أنهم قد عاشوا في حماية قناصلهم وتمتعوا بإمتيازات وصلت إلى حد المطالبة بإلغاء قوانين الدولة .

·         كان الكثير من الأجانب يسهرون بالمقاهي والخمارات ويقومون بلعب القمار ، وقد حاولت محافظة بورسعيد التصدي لهم ، وقد تحول بعضهم إلى اللعب في المحلات الخاصة أو غلق المقاهي والمحلات عليهم ، ولما كان ذلك ممنوعا أيضا فقد بذلت المحافظة أقصى جهدها لمكافحة هذه الظاهرة . ولكن القناصل الأجانب كانوا على إستعداد دائم للدفاع عن رعاياهم حتى أن وكيل قنصل اليونان وجه لوما للمحافظ لأنه ليس للقواصة (عساكر الشرطة) الحق في دخول هذه المحلات ، وطالب أيضا بإستعادة أوراق اللعب والأموال المضبوطة !. ولم تجد محاولات المحافظ المتكررة للحصول على مساعدة وكلاء القناصل له في إيقاف هذه الظاهرة أي تعاون يذكر ، ولذلك طالب نظارة (وزارة) الخارجية بالتدخل لدى القناصل العموميين وبخاصة اليونان وإيطاليا وإنجلترا.

القناصل الأجنبية في بورسعيد

ولما كان عدد الأجانب في بورسعيد كثير وكان هناك ضرورة لتسوية المسائل البحرية والتجارية والمسائل الخاصة بهؤلاء الأجانب الأثر الأكبر في إهتمام الدول ذات المصالح بوجود وكلاء قناصل لها في بورسعيد . وكانت إجراءات التعيين بهذه الوظائف تتم وفق عدة خطوات :-

1-     تبدأ بتعيين قنصل عام الدولة لوكيل القنصل في بورسعيد بعد موافقة حكومته .

 2-          يكون هذا التعيين بصفة مؤقته (تحت الإختبار) حتى يتم التحري عنه جيدا .

3-     يصدر الفرمان العالي الخاص بهذا التعيين .

 4-          يتم تسجيله بمحكمة بورسعيد بعد دفع الرسوم المقررة لذلك .

5-     يرسل الفرمان إلى محافظة بورسعيد لحفظه بها .

6-     كانت تتم نفس الإجراءات السابقة في حال ترقية وكيل القنصل إلى درجة القنصل .

·         وكيل القنصل الفرنسي

 ويبدو أن أول من عين بوظيفة وكيل قنصل في بورسعيد كان مسيو لاروش ، أحد كبار المهندسين الفرنسيين في شركة قناة السويس ورئيس قسم بورسعيد.

مما يعد دلالة قوية على أن شركة القناة لم يقتصر دورها على مجرد تنفيذ مشروع القناة ، بل كان لها دور سياسي أيضا ، واستمر يشغل هذه الوظيفة حتى العاشر من مايو عام 1867 أي قبل إفتتاح القناة بعامين وحل محله فرنسي آخر بمقتضى الفرمان السلطاني. واعتبارا من فبراير عام 1870 صار وكيل قنصلية بورسعيد بدرجة قنصل. وفي عام 1881 عين قنصل فرنسا في القاهرة قنصلا في بورسعيد. كانت القنصلية الفرنسية –حسب الخريطة المرفقة - تقع على ناصية شارعي أوجيني والبازار في فيللا أوجيني وهذه الفيللا موجودة حتى الآن .

·         وكيل القنصل اليوناني

من أقدم وكلاء القناصل في بورسعيد وكيل قنصل اليونان إذ كان لكثرة الأروام في بورسعيد – الذين كان معظمهم من الأشرار – الدافع الأكبر وراء ضرورة تعيينه ، ففي فبراير من عام 1865 تجمع كبار الخطيرين من الأروام واليونانيين مع وكيل قنصل اليونان في دمياط وطالبوه بتعيين أحدهم وكيلا لقنصلية اليونان ببورسعيد وتعيين بعضهم قواصة (عساكر). وكانت البداية بتعيين كاتب في هذه الوظيفة بصفة مؤقته وكان وكيل قنصل دمياط يأتي إلى بورسعيد لإنهاء المسائل المتعلقة برعايا دولته . وبعد تعيين وكيل قنصل لليونان ببورسعيد في مارس عام 1865 فإنه يلاحظ أنه لم يستمر بمنصبه طويلا حيث عهد بالقنصلية إلى الكاتب مرة ثانية ، ولم يقم الأروام وزنا لهذا الكاتب وبالتالي فلم يكن بإستطاعته السيطرة على الخارجين منهم أو جل المشاكل التي يثيرونها مع غيرهم ، ولذلك فقد طالبت إدارة بورسعيد بتعيين قنصل أو وكيل قنصل لليونان بدلا من إحالة أمورهم إلى وكيل قنصل دمياط ، وقد تم تعيين طبيب مستشفى شركة القناة ببورسعيد الإنجليزي الجنسية ، بهذه الوظيفة بصفة مؤقتة وقد ترتب على ذلك عجز الإدارة المصرية ببورسعيد عن تأديب الخارجين على القانون من الأروام أو المجرمين منهم أو الذين يقومون بالإعتداء على الأهالي وبالفعل فقد عين وكيل قنصل لليونان ببورسعيد في أغسطس عام 1866 . وفي عام 1868 عين أحد اليونانيين في هذه برغم ما ثبت عليه من عدم إستقامة !. ومن المفارقات أنه بعد إلغاء قنصلية اليونان في دمياط في 1878 فإن أعمالها قد أحيلت على قنصلية اليونان ببورسعيد ولكن ذلك لم يستمر طويلا.

·         وكيل القنصل الإنجليزي

تم تعيين نفس الطبيب الإنجليزي والذي كان يعمل بمستشفى شركة القناة وعين من قبل وكيل قنصل اليونان وكيلا لقنصل إنجلترا في بورسعيد في مايو عام 1866 ، ويبدو أن هذه الوظيفة أصبحت بدرجة قنصل ، ففي عام 1882 كان شاغل هذه الوظيفة بدرجة قنصل . كانت القنصلية الإنجليزية –حسب الخريطة المرفقة – تقع في شارع فرانسوا جوزيف على القناة مباشرة بجانب القنصلية الأمريكية والتي يقع بناءها في نفس المكان حتى اليوم .

·         وكيل القنصل الألماني

تم تعيين أول مأمور لألمانيا الشمالية (بروسيا) في أغسطس عام 1866 ، وفي أول يناير 1868 تم إلغاء هذه القنصلية وعهد إلى مأمورها بشئون قنصلية النمسا الشمالية ببورسعيد ، ولكن بعد نجاح بسمارك في إبعاد النمسا عن الشئون الألمانية فقد أعيدت قنصلية ألمانيا في فبراير من العام التالي مع تغيير علم الدولة الألمانية التي عرفت بإسم الإتحاد الألماني الشمالي. وفي أوائل يوليو عام 1868 صار مأمور هذه القنصلية بدرجة وكيل قنصل طبقا للفرمان السلطاني .

وبعد الحرب الفرنسية البروسية صار ملك بروسيا إمبراطورا لألمانيا وصار وكيل قنصلية الإمبراطورية في بورسعيد مسئولا عن كافة الرعايا الألمان وقد رقي وكيل قنصل ألمانيا في عام 1877 إلى درجة قنصل .

·         وكيل القنصل السويدي

في أكتوبر عام 1866 تم تعيين أول وكيل قنصل لدولة السويد والنرويج ببورسعيد ، وفي مايو عام 1872 أحيل عمل هذه القنصلية إلى وكيل قنصل أمريكا ببورسعيد ، وفي يونيو من العام التالي عين أحد الفرنسيين وكيلا لقنصلية هذه الدولة ، وظل يشغل هذه الوظيفة حتى أكتوبر عام 1875 . ويبدو انه تم تعيين أحد السويديين بهذه الوظيفة في عام 1877 .

·         وكيل القنصل النمساوي

في أوائل سبتمبر عام 1866 عين مأمور قنصل للنمسا ببورسعيد. ويلاحظ أنه بالرغم من وجود عدد من النمساويين ببورسعيد ، فإنه لم يتم تعيين وكيل قنصل لهم حتى عام 1866 ولذلك طالبت محافظة بورسعيد بتعيين وكيل لهم لإنهاء المشاكل التي تحدث منهم . وفي نهاية أغسطس عام 1868 أصبحت هذه الوظيفة بدرجة وكيل قنصل. وبعد قيام إمبراطورية النمسا والمجر في عام 1867 فقد عرفت قنصلية النمسا بهذا الإسم في أبريل عام 1869 ورقي وكيل قنصلها في بورسعيد إلى درجة قنصل في أواخر مايو عام 1869 , وفي عام 1876 عين قنصل النمسا ببورسعيد قنصلا لها في القاهرة وكان هذا القنصل هو أقدم القناصل الموجودين ببورسعيد.

·         وكيل القنصل الإيطالي

في 16 سبتمبر من العام 1866 تم تعيين أول مأمور لقنصلية إيطاليا ببورسعيد ، وفي أغسطس من عام 1867 تم نقل مأمور قنصلية إيطاليا بدمياط إلى بورسعيد نظرا لخبرته التي تتطلب وجوده بها لمراعاة المصالح المختلفة للإيطاليين ثم لسبب أو لآخر أحيلت أعمال هذه القنصلية إلى وكيل قنصل إنجلترا إعتبارا من نوفمبر عام 1868 ، ولكن مالبث أن تم تعيين أحد الإيطاليين بهذه الوظيفة في نوفمبر من عام 1869 ثم تم ترقية هذه الدرجة الوظيفية من مأمور إلى وكيل قنصل إعتبارا من أكتوبر عام 1877 . كانت القنصلية الإيطالية –حسب الخريطة المرفقة – تقع في تقاطع شارعي ممفيس وحافظ إبراهيم أمام محلات جسطن .

·         وكيل القنصل الأمريكي

في نوفمبر عام 1867 تم تعيين وكيل قنصل لأمريكا وقد إستمرت هذه القنصلية تعمل ببورسعيد حتى 13 سبتمبر عام 1876 حين أصدرت الحكومة أمرا بإلغائها ، ثم أعيدت مرة أخرى في أوائل مارس عام 1877 . كانت القنصلية الأمريكية –حسب الخريطة المرفقة – تقع في شارع فرانسوا جوزيف على القناة مباشرة والتي يقع بناءها في نفس المكان حتى اليوم أمام الممشى.

·         وكيل القنصل الروسي

في أوائل عام 1868 تم تعيين أول مأمور قنصل لدولة روسيا وكان فرنسيا الجنسية ! وفي يونيو من عام 1870 أصبحت هذه الوظيفة بدرجة وكيل قنصل . وقد أحيلت أعمال هذه القنصلية إلى وكيل قنصل ألمانيا وإستمر ذلك فيما يبدو حتى إنعقاد مؤتمر برلين على إثر الحرب الروسية التركية .

·         وكيل قنصل البرتغال

في أكتوبر عام 1869 تم تعيين أول مأمور لقنصلية البرتغال ببورسعيد وظلت هذه القنصلية مأمورية حتى عام 1873 تم ترقيتها فيه لتصبح قنصلية وأصبح المأمور وكيل قنصل .

·         وكيل القنصل الهولندي

في أوائل عام 1871 تم تعيين وكيل قنصل من أحد البلجيكيين وقد كان يعمل بالتجارة ببورسعيد ومن المحتمل أن هذه الوظيفة تم ترقيتها حتى صارت بدرجة قنصل إعتبارا من أكتوبر عام 1874 . ومن المعلوم أن هولندا في هذه الفترة كانت لها خطوط بحرية تربطها بالهند .

·         وكيل القنصل البلجيكي

في أواخر شهر أغسطس من عام 1872 تم تعيين أول وكيل قنصل لبلجيكا في بورسعيد . وبعد ثلاث سنوات وفي أغسطس عام 1875 صدر الأمر العالي بقطع العلاقة مع وكيل القنصل هذا وذلك على خلفية إعتراضه على عوايد الصحة في مذكرة تقدم بها وقد ورد بها ألفاظ غير لائقة وعندما طلب منه أن يعدلها رفض ، وعلى ذلك فقد صدرت التعليمات لمحافظ بورسعيد بعدم التعامل معه وتم الطلب من قنصل بلجيكا تعيين وكيل قنصل آخر بدلا منه ، إلا أنه قد أهمل هذا الطلب إذ إستمر هذا الوكيل في وظيفته !.

·         وكيل القنصل الإسباني

في أواخر أبريل من عام 1873 تم تعيين أول وكيل قنصل إسباني وكان من جنسية فرنسية في بورسعيد ، ثم تم تغييره بآخر جنسيته إنجليزية وفي مارس عام 1876 تم تعيين أول وكيل قنصل إسباني من الجنسية الإسبانية وحتى عام 1877 كانت هذه الوظيفة بدرجة مأمور حتى تم ترقيتها في هذا العام إلى وكيل قنصل وفي عام 1878 عندما سافر إلى أوروبا أناب عنه في أعماله وكيل قنصلية النمسا والمجر في بورسعيد .

·         وكيل القنصل الإيراني

في الفترة من عام 1879 إلى عام 1880 تم تعيين أول وكيل قنصل إيراني في بورسعيد ، وتم ترقيته إلى درجة قنصل في أكتوبر عام 1881 .

 

ومما سبق يتضح أنه كان في بورسعيد منذ بداية نشأتها في عام 1859 وحتى عام 1881 أربعة عشر قنصلية تمثل أربعة عشر دولة أسلفنا في ذكرهم بترتيب الإنشاء ، وكانت أولى هذه القنصليات هي القنصلية الفرنسية بحكم قيام شركة قناة السويس بتنفيذ مشروع حفر القناة وكان المسيو لاروش رئيس قسم بورسعيد بشركة قناة السويس هو أول من قام بهذه الوظيفة إلا أن التاريخ الدقيق لتوليه هذه الوظيفة غير معلوم ، أما أقدم القناصل المعينين ببورسعيد فكان وكيل القنصل اليوناني ، وكان آخر وكلاء القناصل في الأربعة عشر قنصلية هو وكيل قنصل إيران .

 

المصدر: كتاب بورسعيد تاريخها وتطورها للدكتور زين العابدين شمس الدين نجم

محمد بيوض

ديسمبر 2013