Posted by رومانسية on December 21, 2009

بسم الله الرحمن الرحيم

حادث دنشواي بعد مرور 100 عام هل تتذكرونه ؟؟!!

فى الثالث عشر من يونيو عام 2006 الماضي يكون قد مر على حادثة دنشواي .. - هكذا سميت فى التاريخ - .. قرن كامل من الزمان.

ولما كان ما جرى فى دنشواى ليس مجرد عدوان من قبل قوات إنجليزية محتلة على فلاحين عزل من السلاح .. ولا كونهم - أى الجنود - قد ذهبوا إلى القرية لممارسة هواية صيد الحمام .. وهم فى الطريق من القاهرة إلى الإسكندرية .
ولكنها الحادثة التى هزت المجتمع المصرى والعربى والإسلامي .. بل والعالمي .. وكانت مقدمة لثلاث حوادث سياسية كبرى أسهمت فى رسم خريطة وطنية لمصر ..!!

المصدر للمادة جريدة العربي .. وتم تنسيق الموضوع والإضافة بواسطتي

Read More

من دنشواى ومن رحم الحادثة خرجت إلى النور فكرة إنشاء الجامعة الأهلية المصرية .. التى أصبحت جامعة القاهرة فيما بعد ..
ومنها نبتت فكرة إبعاد اللورد كرومر عن مصر .. وهو المندوب السامى البريطانى الذى كان يتصرف باعتباره باقيا إلى الأبد ..
وكانت دنشواى هى الشرارة الأولى التى تحولت إلى لهيب فى ثورة 1919 .. التى قامت بعد الحادثة بحوالى ثلاثة عشر عاماً ..
إن المأساة التى جرت فى دنشواي .. هزت هيبة الأسد البريطاني .. الذى اضطر لمحاكمة المتهمين خارج القوانين .. وفرض عليهم عقوبات كانت بريطانيا قد ادعت إلغاءها .. ونفذت على مشهد من الجميع .. وكأن هناك رسالة مطلوب إيصالها إلى كل الناس .. إنها العقوبة التى تنفذ على طريقة اضرب المربوط يخاف السايب.

دنشواى هى الحادثة التى استهل بها القرن العشرون وجوده .. وما من وجه من وجوه الوطنية المصرية إلا ولعب دوراً فى هذه الحادثة.
مصطفى كامل الذى كان فى أوروبا وقت وقوع الحادثة .. حولها إلى قضية رأى عام فى فرنسا وإنجلترا ..
قاسم أمين وسعد زغلول كانا فى سلك النيابة فى ذلك الوقت .. ولكنهما عبرا عن موقفيهما من الحادث .. كما أن نار الحادث كشفت مواقف الكثيرين ..
فتحى زغلول شقيق سعد زغلول كان من رجال القضاء .. والهلباوي .. الذى لقبه المصريون بجلاد دنشواى .. لعب دور ممثل الادعاء فى القضية .. حكومة مصر وسلطان مصر .. وشعب مصر .. لعبوا أدوارهم فى هذه القضية الخطيرة .. التى كان يمكن أن تمضى وتسكن كتب التاريخ .. لولا أن روح المصريين كانت مستعدة للوثوب ومناخ مصر كان مهيأ ..
والوطن العربى كله .. كان يعيش ظروف احتلال مثل مصر .. ولهذا كان الدعم وكانت المساندة العربية لمصر فى أعلى صورها ..
كانت هناك مواقف غير طبيعية فى القضية مثل موقف فتحى زغلول .. علاوة على موقف الهلباوي ..
كانت هناك جريدة المقطم .. جريدة الاحتلال التى هاجمت الفلاحين بشدة .. وهددت المصريين بنتائج بالغة الخطورة .. وقبل أن تبدأ المحاكمة .. نشرت المقطم خبر تجهيز المشانق وإعدادها فى مخازن البوليس فى بولاق .. وحاولت تفريغ القضية من بعدها السياسي .. ووصفت الفلاحين بالرعاع .. وبعد صدور حكم القضاء تؤيده المقطم .. !! وما أن يبدأ مصطفى كامل دوره فى القضية حتى تهاجمه المقطم !! وتتهمه بفقدان الصواب .. وتلصق به كل التهم الممكنة.

 

 

 

بدأت الأحداث يوم الاثنين 11 يونيو 1906 عندما تحركت القوات البريطانية من القاهرة إلى الإسكندرية عبر الطريق الزراعي. ثم وصلت إلى المنوفية يوم الأربعاء 13 يونيو 1906 وقت مرت على قرى منوف ودنشواى وكمشيش وهى من قرى مركز بوليس الشهداء.

إن هذا اليوم يبدأ وأهالى دنشواى فى حالة خوف من تكرار تجربة الإنجليز فى صيد الحمام فى قريتهم. وكان عم رضوان قد ذهب إلى مصر المحروسة من أجل الشكوى إلى باشا الإنجليز لمنع العساكر من قتل الحمام وتخريب الأبراج. لقد كان صيد الحمام ممنوعاً بحكم القانون ولكن التهور والخيلاء والغرور جعل البريطانيين يتجاوزون كل شئ.

أما الذين وصلوا إلى دنشواى من الإنجليز فقد كانوا من فرقة الدراجوان. كانت مجموعة من جنود الإنجليز بقياده الميجور ( كوفين ) يتجولون بالقرب من القرية المنكوبة وكان الميجور مغرما بصيد الحمام فأقنع الميجور كوفين رجاله وهم كابتن بول ، ملازمين بورثر _ سميث ، طبيب بيطرى ملازم بوستك بان يتراهنوا لاصطياد الحمام من على أشجار دنشواى

وكان كوفين ، بول ، بوستك يطلقون الأعيره لاصطياد الحمام بجوار الاشجار على جانبى الطريق الزراعى ولكن تشاء الأقدار أن يتوغل بورثر ، سميث داخل القريه لوجود أبراج الحمام ويصوب ( بورثر ) بندقيته الى جرن الحمام الخاص بالشيخ ( محمد عبد النبى ) مؤذن القريه.. ولأن الوقت كان وقت الحصاد وكانت أبراج الحمام فى الجرن الذى يوجد فيه القمح. فإن شرارة إحدى الرصاصات أشعلت الحريق فى المحصول. اعترض فلاح. وصاح الفلاحون. كانت فى أيدى القوات الإنجليزية البنادق ومع الفلاحين الطوب والحصي.

مبروكة الشهيدة الأولي

 

 

كانت فى الجرن وقت الضرب مبروكة .. أول شهيدة .. زوجة محمد عبد النبى مؤذن الجامع .. أصابتها رصاصة .. فهاجم زوجها الإنجليزى .. فضربه الإنجليزى بكعب بندقيته .. ربما ليتأكد من متانة صنعها .. صرخ الفلاح مستغيثا .ً. وحضر الفلاحون على الصراخ .. وأصيب الضابط ستوك وجرى بفزع .. واكتشف الفلاحون انه بدون ملابس داخلية ..

وتنتقل الشائعات بسرعه غير عاديه بين اهل القريه .. ان الضباط الانجليز قد قتلوا زوجه الشيخ .. واحرقوا الجرن .. فيتدافعوا للفتك بهم حيث فيما يبدوا أن مؤذن القرية نادى بالجهاد ضد الكفار .. ومن ناحيه الإنجليز حاول (كوفين ) ان يظهر العدل لأهل القرية .. فقام بورثر بالقبض على الجندى صاحب العيار الطائش .. وجرده من سلاحه ويتخلى عن بعض مقتنياته حتى يتم التحقيق معه .. ولكن اهل القريه الغاضبين صمموا على الفتك بهم فاسرع ( بول و بوستك ) بالهرب لاحضار النجده من المعسكر.

وفى الطريق سقط بول مغشيا عليه من اثر العطش واشعه الشمس الحارقه .. وواصل بوستك العدو لـثمانيه كيلوا مترات الى ان وصل معسكر الجيش الإنجليزى فى كمشيش ..

اقترب من بول فلاح إسمه سيد أحمد سعيد .. وأدرك حالته فيبدأ فى تلاوة الشهادتين .. ولكن بول يطلب منه الماء .. وعندما لا يفهم الكلام يلجأ معه إلى لغة الإشارة ..

وأحضر له الفلاح الماء من الترعة .. وفكر الإنجليزى فى قذارة الماء .. ويتساءل أليس عندهم فلتر؟

ويموت بعد شرب الماء.

ويقوم جنود المعسكر لنجده المحتجزين فى القريه .. ولكنهم فى الطريق يجدون زميلهم ميت .. ويتصورون أن الفلاح قتله .. فطاردوه الى ان سقط .. فإنهالوا عليه بالسمكى ..( السكين الموجود بمقدمه البندقيه ) وقتلوه وهشموا رأسه .

ويندفع الجنود الإنجليز باتجاه القريه ويتم مهاجمه البيوت والاجران والحقول و........ فقبضوا على ستون فردا نجح ثمانيه فى الهرب من رجال وشباب القريه وإحتجزوهم داخل الجامع تمهيدا لمحاكمتهم ..

صورة حقيقية وليست رسم نادرة جدا للمتهمين أثناء المحاكمة


 

ما إن وصلت أخبار الحادث إلى ولاة الأمور فى منوف والقاهرة والإسكندرية وعرفوا أن ضابطاً قد قتل. فى الحقيقة مات متأثراً بضربة شمس. وأن هناك ضباطا قد جرحوا حتى قامت الدنيا وقرروا الانتقام قبل البدء فى إجراء التحقيق. جرى التحقيق سريعاً فى الحادثة لأن ضابطاً مات من أثر ضربة شمس بعد هروبة من دنشواي.

وأصر اللورد كرومر الغاضب جدا مما حدث لضباطه وإهانتهم وموت أحدهم والقبض على بقيتهم من أهالى القرية وصمم على الإنتقام من أهل القرية وإلا سوف تمون العواقب وخيمة على مصر وفى يوم 20 يونيو 1906 أى قبل انقضاء سبعة أيام على وقوع الحادثة شكل محكمة مكونة من :

بطرس غالى وكان وزير الحقانية بالنيابة : رئيس المحكمه

المستر هبتر المستشار القضائى

المستر بوند وكيل محكمة الاستئناف الأهلية

القائمقام لارلو القائم بأعمال المحاماة والقضاء فى جيش الاحتلال

احمد فتحى زغلول رئيس محكمة مصر الابتدائية : عضو المحكمه وكاتب حيثيات الحكم والمفاجئة أنه أخو الزعيم سعد زغلول !!!

ابراهيم الهلباوى : المحامى الذى عين من قبل المحكمه للدفاع عن المتهمين ..!!

ومن المؤسف أن ابراهيم الهلباوى المحامى الذى من المفروض أن يدافع عن المتهمين كان يقوم بشرح ابعاد ما قام بها الاهالى ضد الساده الافاضل ضباط الجيش الانجليزى
وفى يوم 18 يونيو 1906 نصبت المشانق فى مدينة دنشواى قبل صدور أية أحكام ضد الأهالي.

وفى يوم الأحد 24 يونيو انعقدت المحكمة فى شبين الكوم وعين عثمان مرتضى رئيس أقلام وزارة الحقانية سكرتيراً للمحكمة. والهلباوى مدعياً عاماً. كان عدد المتهمين 52 قدموا مقبوضاً عليهم. وكان منهم سبعة من الغائبين.

استمرت المحاكمة ثلاثة أيام 24، 25، 26 يونيو. وفى صباح الأربعاء 27 يونيو. صدر الحكم الذى تلاه سكرتير الجلسة وكان يقضى بإدانة 21 متهماً. انتهت المحاكمه بالاتى :

• اعدام اربعه هم‏..‏حسن علي محفوظ‏,‏ يوسف حسني سليم‏,‏ السيد عيسي سالم ومحمد درويش زهران‏..‏

• وبالأشغال الشاقة المؤبدة علي محمد عبد النبي وأحمد عبد العال محفوظ

• والأشغال الشاقة‏15‏ عاما علي أحمد السيسي

• والأشغال الشاقة‏7‏ سنوات علي‏6‏ آخرين

• والجلد‏50‏ جلدة بالقطة الإنجليزي ذات الأذرع الخمسة علي‏8‏ من أهل القرية‏.‏

 

 

. وأن يتم الإعدام والجلد بقرية دنشواي. وأن يقوم مدير مديرية المنوفية بتنفيذ الحكم فوراً.

 

 

تنفيذ الحكم البشع

صورة حقيقية نادرة جدا لتنفيذ حكم الإعدام


فى تمام الساعة الثانية بعد ظهر يوم الخميس 28 يونيو جرى تنفيذ الحكم بوحشية غريبة. فى نفس المكان الذى مات فيه الكابتن بول. كان يتم شنق واحد ثم ينفذ الجلد فى واحد وهكذا بالتناوب. والأهالى يشاهدون ما يجرى أمامهم. حتى انتهت المجزرة.

ويذكر المؤرخون عن العقاب الإلهى لأعضاء المحكمة واللورد كرومرهو :

اللورد كرومر : تم نقله من مصر في مايو عام‏1907‏ بعد ان ظل مده ربع قرن كحاكم عسكرى

بطرس غالى : تم اغتياله بيد ( ابراهيم الوردانى ) احد رجال الحزب الوطنى

احمد فتحى زغلول : توفى 1914 بعد ان لاقى الامرين من معامله الناس

ويوم أراد بعض الأفاقين تكريمه في فندق «شبرد« قال احمد شوقي  أبياته الشهيرة.....

اذا ما جمعتم امركم وهممتمو بتقديم شيء للوكيل ثمين
خذوا حبل مشنوق بغير جريرة وسروال مجلود وقيد سجين
ولا تعرضوا شعري عليه فحسبه من الشعر حكم قد خطه بيمين
ولاتقرأوه في «شبرد« بل اقرأوه على ملأ من دنشواي حزين

ابراهيم الهلباوى : توفى 1940 بعد ان ذاق الذل والهوان والتصق به لقب جلاد دنشواى حتى مماته.

 

الزعيم .. الصغير سنا .. الكبير مقاما مصطفى كامل


كان مصطفى كامل فى باريس وكانت مصر حزينة واجمة. وصف ذلك قاسم أمين فى مقال جميل له. ولكن ما فعله مصطفى كامل فى أوروبا حرك كل ساكن. كتب مقالاً فى جريدة الفيجارو الفرنسية تحت عنوان‏'‏إلي الأمة الإنجليزية والعالم المتمدن. وانتقلت الحملة إلى إنجلترا حيث كتب الكاتب الإنجليزى الشهير ستيد. يطالب بمنح مصر استقلالها. وفى مواجهة الحملة. اضطر السير إدوارد جراى وزير خارجية إنجلترا فى ذلك الوقت إلى التصريح يوم 5 يوليو 1906 فى البرلمان بأن التعصب الدينى الذى يسرى فى مصر كان السبب فيما وقع للجنود البريطانيين. يوم 14 يوليو وصل مصطفى كامل رغم مرضه الشديد ونصيحة الأطباء له بالراحة التامة إلى لندن وقابل رجال السياسة والصحافة. ونشرت له جريدة الديلى كرونكل حديثاً له. فى عددها الصادر يوم 20 يوليو 1906 شرح فيه وجهة النظر المصرية ورد على دعاوى التعصب الدينى وبرهن على تسامح المصريين الديني. وقد أحدثت حملة مصطفى كامل تحولا فى الرأى العام. وأقامت له يوم الثلاثاء 24 يوليو 1906 جمعية الوحدة الإسلامية الهندية حفلة لتكريمه بفندق كرينزيون. حضرها عدد كبير من عظماء الشرق والغرب. ثم أقيم احتفال ثان يوم الخميس 26 يوليو 1906 فى فندق كارلتون ولأن التعب نال منه اتجه من لندن إلى قيشى للاستشفاء ورحب به المصطافون. ولكنه ما إن رأى جريدة الديلى جرافيك الإنجليزية التى تزعم أن المصريين يريدون استبدال الحكم الإنجليزى بالحكم التركى حتى كتب مقالة كان عنوانها: مصر للمصريين. رد فيها على هذه المزاعم.

 

محمد فريد

 فكر محمد فريد فى جمع التبرعات من أجل إقامة وليمة كبرى لمصطفى كامل عند عودته إلى مصر وتقديم هدية له. وما أن علم مصطفى كامل بالمشروع حتى أرسل من باريس خطاباً بتاريخ 14 سبتمبر سنة 1906 إلى محمد فريد يعتذر فيه عن عدم قبول هذا التكريم. ويطلب أن تقوم اللجنة بدعوة الأمة إلى إنشاء جامعة أهلية. وأن تتحد الجهود من أجل هذا المشروع.
وقد قوبل خطاب مصطفى كامل بالترحيب وبدأت الدعوة.

وفى صباح الاثنين 15 أكتوبر سنة 1906 وصل مصطفى كامل إلى الإسكندرية ومنها إلى العاصمة وقد استقبلته وفود من المصريين وقد كان من نتائج حادثة دنشواى أن اشتد ساعد الحركة الوطنية المصرية وزاد اهتمام الصحافة العالمية بالمسألة المصرية. وبدأت سياسة الاحتلال الإنجليزى فى التغير.

ثم بدأ سعد زغلول وقاسم أمين وكانا مستشارين بمحكمة الاستئناف الدعوة فى أكتوبر 1906 أى بعد حادث دنشواى بأربعة أشهر لتأسيس الجامعة الأهلية.

ومن نتائج حادث دنشواى تعيين سعد زغلول وزيراً للحقانية فى 28 أكتوبر 1906

وفى العام التالى 1907 صدر القرار البريطانى بإعفاء اللورد كرومر من منصبه الذى طلب منه تقديم استقالته. وكان قد عين فى هذا المنصب عام 1883 أى أنه بقى فى منصبه أربعا وعشرين سنة.

ومن نتائج حادثة دنشواى تأسيس الحزب الوطنى فى عام 1907 وجعل شعاره الجلاء. والحزب كان موجوداً كأمر واقع من قبل.

ولكن كان من نتائج حادثة دنشواى أيضاً تأسيس جريدتين يوميتين إحداهما بالفرنسية وهي: لتيندار اجيبسيان والثانية بالإنجليزية وهي: ذى إجيبسيان ستاندرد وكان لدى الحزب قبل ذلك جريدة بالعربية هى جريدة اللواء اليومية.

قبل هذه الأحداث قال جمال الدين الأفغانى لو تحول الهنود إلى ضفادع لتمكنوا من جر الجزيرة البريطانية إلى أعماق البحار. وهى عبارة شديدة الأهمية. والمؤسف أن الذى أدرك مغزاها كان البريطانيون وليس الهنود. أما المصريون فقد استوعبوها ولكن بعد سنوات طويلة.

وكان من الشعراء الذين حولوا مأساة دنشواى لقصائد شعرية. حافظ إبراهيم وأحمد شوقى وكل الشعراء المصريين والعرب الذين عاصروا هذه الواقعة.

‏في أكتوبر‏1906‏ كتب الشيخ علي يوسف رئيس تحرير جريدة المؤيد سلسلة مقالات يهاجم فيها اللورد كرومر عند عودته إلي مصر تحت عنوان‏'‏ في قصر الدوبارة بعد يوم الأربعاء‏'‏ والأربعاء هو يوم مأساة دنشواي‏!

‏*‏وقال شاعر النيل حافظ إبراهيم‏:‏ قتيل الشمس أورثنا حياة‏..‏ وأيقظ هاجع القوم الرقود‏..‏فليت كرومر قد بات فينا‏..‏يطوق بالسلاسل كل جيد‏..‏لننزع هذه الأكفان عنا‏..‏ونبعث في العوالم من جديد‏.

‏*‏وقال قاسم أمين بعد الحادث‏:‏ رأيت عند كل شخص تقابلت معه قلبا مجروحا ورعشة عصبية في الأيدي وفي الأصوات‏..‏كان الحزن علي جميع الوجوه‏.

‏*‏وقال الشاعر أحمد شوقي‏:‏يا دنشواي علي رباك سلام‏..‏ذهبت بأنس ربوعك الأيام‏..‏ يا ليت شعري في البروج حمائم‏..‏أم في البروج منية وحمام‏!‏

 

شاهدة عيان تتحدث‏!

السطور التالية منقولة من حديث صحفي لتلك الشاهدة

 

 

صوت المؤذن من فوق مأذنة جامع القرية يؤذن لصلاة الظهر‏..‏ قال لي العمدة وهو يهم بالذهاب إلي الصلاة‏:‏هذا الجامع كان سجنا للرجال الذين أمسكوا بهم بعد حادث دنشواي‏!‏

كما اختفي فجأة يظهر فرج حسن الرسام فجأة‏..‏يميل علي كتفي هامسا في أذني‏:‏لقد عثرت لك عليها‏!‏

قلت‏:‏من
قال‏:‏الوحيدة الباقية من عائلة زهران‏!‏
قلت‏:‏نصف أبناء القرية من آل زهران‏!‏
قال‏:‏ الوحيدة علي قيد الحياة التي شاهدت المأساة بعيني رأسها‏!‏
قلت‏:‏من بربك؟
قال‏:‏ابنة زهران نفسه‏!‏
قلت‏:‏غير معقول‏!‏
قال‏:‏صدقني أنا ابن القرية‏!‏
سألتني مارجريت وأنا أسحبها من يدها‏:‏ ماذا جري؟
قلت‏:‏مفاجأة لم تحلمي بها‏!‏

انتزعنا محمد وسيم فور صلاة الظهر انتزاعا وذهبنا كلنا إلي شاهدة الإثبات التي مازالت حية تتنفس هواء هذه القرية الطيبة‏.‏
حسبتها في رأسي وأنا أقدم رجلا وأؤخر أخري قبل أن تقودنا حواري القرية ودروبها الضيقة إلي بيتها النحيل القصير القامة الأغبر لونه‏,‏ المتداعي بنيانه من طول العمر‏..‏ المأساة وقعت في مثل هذا اليوم من‏81‏ سنة‏..‏ يعني علي الأقل عمرها لا يقل عن‏90‏ سنة‏..‏ممكن‏!‏

‏**‏ملحوظه من عندي‏:‏هكذا كان عمرها قبل‏19‏ عاما‏..!‏

قالوا وهم يقدمونها إلينا‏:‏الست سيدة زهران بنت زهران أحد أربعة شنقوا داخل جرن القرية‏!‏

كل ما يمكن أن تصنعه السنون من أحزان ومحن من أشجان وتعب من هموم الأيام وقهر الليالي‏..‏ فعلته ودونته فوق ملامح هذه الأم العجوز التي قدمت إلينا يدا معروقه تكاد تري الشعيرات الدموية فيها قبل الشرايين والأوردة تسلم مرحبة بأهل البندر‏!‏

قلت وأنا آخذ بيدها لأجلسها علي حصير فقير الحال يشكو قلة العيدان‏:‏ كم عمرك يا خالة؟
لم تجب لأنها لم تسمعني‏!‏
قال أهلها وهم أكثر من عشرة يملأون الحجرة الضيقة المظلمة التي نجلس فيها‏:‏أصل سمعها لا مؤاخذة‏,‏ موش قد كده‏!‏
قلت‏:‏طبعا سمعها تقيل لواحدة في التسعين من عمرها‏!‏
قالوا‏:‏لا قول ييجي مائة سنة‏!‏
قلت بصوت عال‏:‏ يا أمي شفتي أبوكي زهران فوق المشنقة
وكأنني فجرت بسؤالي داخل ما تبقي من نحيل جسدها قنبلة زمنية‏..‏راحت تتكلم وتتكلم تحكي وتحكي دون توقف‏..‏
فاكرة كل حاجة زي ما تكون حصلت إمبارح بس‏..‏ أبويا كان إتجوز أربع ستات‏..‏أمي كانت واحدة منهن‏..‏كل ست قاعدة في أوضة فوق السطوح‏..‏ أبويا ما حدش قبض عليه هو اللي سلم نفسه للعمدة أبويا محمد الشاذلي‏..‏بعد ما هرب كل رجالة البلد للبلاد إللي جنبنا بعد مانزل العسكر الانجليز البلد يلموا الرجالة كلهم‏..‏
ضربوه عشان يقول إنه ضرب الضباط الإنجليز اللي كانوا بيصطادوا الحمام اللي في الأبراج‏..‏قال‏:‏ أنا محمد زهران‏..‏راجل من ظهر راجل‏..‏لكن أنا ماضربتش أي إنجليزي‏..‏لأني ما كنتش في البلد ولو كنت موجود ماكانش حد قدر يضرب أم محمد بالرصاص‏!‏
قلت‏:‏ومين أم محمد يا خالتي؟
قالت‏:‏دي مرات المؤذن‏!‏
قلت‏:‏ماتت
قالت‏:‏ من زمان‏!‏
قلت‏:‏لا أقصد هل ماتت برصاص الإنجليز؟
قالت‏:‏لا‏..‏ إتعورت في كل جسمها‏.‏
أسألها‏:‏ حضرتي يوم ما شنقوا الرجال الأربعة؟
قالت‏:‏حضرت كل حاجة الشنق والجلد كمان‏.‏
قلت‏:‏ كان عندك يومها كام سنة؟
قالت‏:‏أنا كنت فايرة وكان جوزي الله يرحمه كان يادوب مكلم أبويا علي قبل ما يشنقوه‏!‏
قلت‏:‏طيب يا خالتي فاكرة أبوكي عمل إيه ساعة ما الإنجليز طلعوه علي حبل المشنقة؟
قالت‏:‏موش سامعه يا بني‏!‏
أعدت سؤالي بصوت مرتفع‏..‏قالت وقد تسلل حزن مائة عام إلي صوتها‏:‏موش فاكرة‏..‏هو اتشنق بعد مين ولا قبل مين‏..‏بس إللي فاكراه إن حسن محفوظ ده كان راجل كبير قد بنتي فهيمة دلوقتي هو أول واحد شنقوه‏!‏
قلت‏:‏فاكرة قال إيه قبل ما يشنقوه
قالت‏:‏والنبي يا بني موش عارفه أنا إللي فاكراه إن يوسف سليم كان صغير ما دخلش دنيا لسه‏!‏
وقاطعتها‏:‏يعني إيه يا خالتي مادخلش دنيا؟
تضحك من خلال فم بلا أسنان‏:‏يعني موش عارف يا سيدنا الأفندي
قلت‏:‏ فهمت يا أمي وبعدين عمل إيه يوسف سليم قبل مايتشنق؟
قالت‏:‏زعق في وش الإنجليز بصوت عالي‏:‏ربنا *** الظالمين‏!‏
قلت‏:‏ وأبوكي قال إيه؟
قالت وعيونها ضائعة في عمق السنين‏:‏ قال‏'‏ أه ***‏.‏ الـ‏....‏ لو كنت عارف كنت ماخليش واحد إنجليزي علي أرض مصر‏!'..‏
واسألها‏:‏لسه يا أمي زعلانه علي أبوكي زهران؟
قالت في يقظة تحسدها عليها بنت العشرين‏:‏زهران يا ابني ماماتش‏..‏كل أولاد البلد هنا أولاد زهران‏..‏حاسه زي ما يكون معانا‏..‏لسه سامعة صوته‏..‏مانستش أبدا شكله وهيبته ودخلته علينا‏..‏عاش راجل‏,‏ ومات راجل لكن صورته لسه قدام عينيا زي ما يكون سابني إمبارح بس‏!‏
قلت وأنا أنظر إليها بفخر‏:‏يا أمي طلباتك إيه؟
قالت‏:‏ يا بني أنا عايشة علي معاش السادات‏..‏قابلني من سنين وقاللي موش عاوزة حاجه يا خالة سيدة؟
قلت له‏:‏عاوزة اصرف وأعيش وأنا بنت البطل زهران‏!‏
قال‏:‏اصرفوا لها معاش خاص‏!‏
قلت‏:‏كم؟
قالت‏:‏سبعة جنيه يا بني‏!‏
‏**‏ملحوظة من عندي‏:‏ معاش السادات الآن حسب علمي أصبح‏40‏ جنيها‏!‏
تتدخل ابنتها فهيمة وهي تبدو وكأنها أكبر من أمها‏:‏يا أمي إحنا جنبك وعايشين معاكي أنا وأولادي عادل وجمال‏!‏
ترد الأم بكبرياء‏:‏ أنا يا بنتي موش عاوزة أمد إيدي لغير الله‏!..‏
ووجدت نفسي دون شعور أقول‏:‏الله يا بنت زهران‏!‏
قالت لي مارجريت بنتلي الصحفية الانجليزية الجوالة بعد ان حكيت لها كلمة كلمة‏-‏ كل ماقالته ابنة زهران‏:‏هذا الشعب جدير حقا بالحياة‏!..‏
قلت‏:‏وبالحرية
قالت‏:‏انتم أكثر شعوب المنطقة إحساس بالحرية‏..‏
قلت‏:‏تقولين هذا بعد مشاهدتك لهذه الأم العجوز الشاهد الحي علي حادث دنشواي قبل مائة عام؟
قالت‏:‏صدقني لقد قرأت في عيون هذه المرأة الحديدية الإرادة القوية التي لم تهزمها الأيام ولم تطحنها المحن‏,‏ التاريخ البطولي لهذا الشعب العظيم وقرأت في كل الوجوه المصرية السمراء القوية الفتية التي قابلتها داخل هذه القرية‏..‏أن ابنة زهران‏..‏هي امتداد لزهران نفسه‏!‏
قلت‏:‏إن الأبطال لا يموتون أبدا‏..‏ حتي لو اختفوا من حياتنا فإنهم في وجدان الشعوب وفي ضمير الأمم العظيمة باقون باقون‏!..‏