Posted by Engineer on January 25, 2015

 

     كتب محمد بيوض : لم تكن هذه الليلة من ليالي صالون تاريخ بورسعيد ليلة عادية ، بل كانت ليلة إستثنائية بكل معاني الكلمة ، فقد أبى هذا العام 2014 أن يمر دون أن يكون معنا هذا اللقاء الهام والحاسم لكل المتابعين والعاشقين لتاريخ بورسعيد ، لقد كان موعدنا هذا قدرا مكتوبا قد كتبه الله لنا ربما ليزيل أحزان وهموم هذا العام الذي أوشك لينصرف بعد ساعات قليلة محملا بكل مابه وما عليه من أحداث ولكن حدثنا هذا هو حدثا مضيفا ربما أراد الله لنا به أن يكون حسن الختام لهذا العام ..

جاءني صديقي الأستاذ/ صلاح طنطاوي الشاعر البورسعيدي حاملا بشرى موافقة البطل / محمد نصر الدين شحبر على لقاء موقع تاريخ بورسعيد في ليلة تاريخية جميلة في منزله ، وفي تمام الميعاد المحدد توجهنا للقاء سيادته وكان في إنتظارنا مع السيدة الفاضلة حرمه في إستضافة أكثر من رائعة .

 

المكان هو منزل سيادته وتحديدا في صالون المنزل ، الجدران مليئة بالصور التي تخلد الحدث الذي جئنا من أجله ، على الفور تم التعارف الودي بيني وبين رجل بورسعيدي حتى النخاع ، فقد إتحدت كيميائتنا إتحادا غريبا ربما لتوحد الدم البورسعيدي وتقاربه وعلى الفور أيضا بدأ الحديث عن ذكريات البطولة المجيدة:-

 

  • تاريخ بورسعيد : ما هي قصة بطولة حضرتك ؟

  • البطل محمد شحبر : كنت في هذه الفترة رقيبا بالقوات المسلحة في قوات السواحل وكنت أخدم ببورسعيد وكان موقعي بوغاز بورسعيد خلف نادي الصيد الحالي ، والقصة من البداية بدأت في 30 أكتوبر 1956 عندما هجمت إسرائيل على سيناء ثم إتخذتها إنجلترا وفرنسا ذريعة لتوجيه إنذار لمصر وإسرائيل بسحب قوات البلدين بعيدا عن المجرى الملاحي لقناة السويس بمسافة 10 ميل من كل جانب ، إسرائيل شرقا في سيناء ومصر من غرب القناة ، وطبعا وافقت إسرائيل فورا ورفضت مصر هذا الإنذار ، فوجئنا الساعة السادسة والثلث فجر31 أكتوبر وكنت بالموقع وكان مكان نادي الصيد حيث مدفعية مضادة للطائرات بقيادة الملازم أول / محمد خطاب ، وكنت في هذه الساعة أتناول طعام الفطور مع زملائي بالموقع الذي إستغرق حوالي ثلث ساعة بعدها توجهت إلى غرفة اللاسلكي التي أعمل بها – فوجئنا بهجوم جوي قادما من البحر إستغرق حوالي ثلث ساعة خرجت بعدها من غرفة اللاسلكي لأجد كل من بالموقع طاقم المدفعية وهم 16 فردا شهداء ، ذهلت في هذه اللحظات وحدث لي مفاجئة رهيبة فقد وجدت أشلاء زملائي الذين كنت أتناول معهم الفطار منذ لحظات ، لأجد رأس زميلي ويده ولا أجد بقية جسمه وكانت هذه هي البداية ، لأن منظر زملائي الذين كنت أتناول معهم الإفطار ولدت لدي شعور بشدة الإنتقام من جنود الإحتلال.

    البطل يشير إلى الموقع الذي كان يخدم فيه عام 56

     

  • ما حدث بعد ذلك تحيدا ؟

  • جاءت لنا تعليمات من المقدم / أحمد إحسان قائد الثالث لمدفعية السواحل بأن طاقم المدفعية الذي أستشهد وتناثرت أشلاؤه في الموقع أن يقذف بهذه الأشلاء في البحر حتى لا نصاب بالأمراض وفعلا بدأنا في تنفيذ التعليمات ولم ينجو من هذا الموقع إلا أنا وفرد آخر إسمه عوض وهو المسؤل عن البروجي ، وهذا الفرد هو من رافقني في لحظات بداية المعركة ، بعد أن أخلينا الموقع من الأشلاء توجهنا إلى رئاسة الأراي ومكانها كان أمام محل بيتزا بينو حاليا كان أمام بيت كامل حمزة ، في هذه اللحظات دخلنا المعسكر وبتنا ليلة واحدة ، وبطبيعة عملي كنت في اللاسلكي فوجدت في فندق كازينو بالاس إشارات مفهومها لدينا لاسلكيا أنه هناك إتصالات من العدو إلى داخل البلاد ،

    مكان قيادة الآراي أمام بيتزا بينو

     

    فقد كان هناك طابور خامس وهؤلاء كانوا الأسر الأجنبية من الجنسيات المالطية واليونانية ، حتى أنهم وصل بهم الأمر أن يطلقوا الرصاص على أي فرد يمر من أمام منازلهم ، وعندما بدأنا التحرك صدرت لنا أوامر أخرى من المقدم أحمد إحسان أن يلتحم أفراد قوات السواحل مع أفراد قوات الصاعقة وقوات الشرطة والمقاومة الشعبية ، بدأنا في التوجه إلى حي العرب وهو موطني ومكان ميلادي كان شارع أبو الحسن ، في هذه اللحظات توجهنا إلى منزل جمال أبو علي رحمه الله ومكانه أمام مبنى أمن الدولة حاليا ولبثنا فيه حوالي ستة أيام أو سبعة أيام كنت أنا وزميلي الناجي من ضرب موقعنا ومعنا أيضا أربعة أفراد من المشاة وقد كان يقوم على خدمتنا بواب العقار ويصنع لنا الشاي ،

    باب منزل أبو علي الذي لجأ إليه البطل

     

    بعد هذه الأيام الستة توجهنا إلى شارع صلاح سالم أمام الكنيسة الإيطالي حتى وجدنا الشهيد السعيد حمادة أخو الرفاعي حمادة عضو مجلس الشعب السابق ، حملناه ووضعناه على عربة يد كانت تسير في الشارع تجمع الجثث وكان الهجوم علينا وقتها بالطائرات الميستسر الفرنسية والكامبيرا الإنجليزية ، وكنا وقتها لانستطيع أن نسير في الشوارع بسبب وجود الطابور الخامس الذي كان يقوم بقتل رجالنا أثناء سيرهم في الشوارع ، وكنا بسبب هذا نضطر أن ندخل أحواش البيوت للإحتماء وكانت المدة الزمنية لتواجدنا بالأحواش تصل أحيانا ليومين لانستطيع أن نغادر الحوش بسبب عمليت القنص هذه ،

    الكنيسة الإيطالي

    باب الكنيسة الذي أستشهد عليه السعيد حمادة

    وإستمرت مسيرتنا من شارع صلاح سالم حتى توجهنا إلى عمارة الدمياطي والتي كانت تقع أمام حديقة فريال ، وقد تواجدنا في هذه العمارة حوالي أسبوع بسبب شدة هجوم الطيران ،

    عمارة الدمياطي أما حديقة فريال

    باب عمارة الدمياطي الذي لجأ إليه البطل

    وقد بدأت مدفعية الملازم أول محمد خطاب تسقط العديد من الطائرات فقد كانت هذه المدفعية المضادة للطائرات قوية جدا ولم يستطيعوا أن يفعلوا شيئا في هذا الموقع ، بعدها توجهنا إلى ناحية المستشفى الأميري وفي هذا اليوم بدأت القوات البريطانية بالنزول لبورسعيد وذلك بكسر حوالي مائة متر من ناحية رصيف دليسبس لإنزال البعابع بما تحمله من دبابات وأفراد أمام كازينو بالاس .

    الشجرة التاريخية أمام المستشفى الأميري

    عند وصولنا عند مستشفى الأميري كان هناك مبنى بلك النظام وهو المبنى المجاور لمستشفى الأميري ويفصل بينه وبين المستشفى شارع ، وكان أمامهم المنزل الذي كانت به عيادة الدكتور جلال الزرقاني ، في أثناء تقدمنا تم إستهداف زميلي عوض الذي نجا معي في البداية وتمت إصابته إصابة قاتلة في منطقة الرقبة من الخلف ، إلا أنه أثناء مفارقته الحياة إرتكن على شجرة وهذه الشجرة لازالت موجودة حتى وقتنا هذا وأشار بأصبعه إلى الدور العلوي الثاني في تلك العمارة وفوق عيادة الدكتور جلال الزرقاني مباشرة ،

    كما أستشهد زميل البطل

    شقة المالطيين

    كان في هذه الشقة أسرة مالطية هم من أصابوه ، أنا كان تسليحي رشاش كارلوغستاف ومن ثم إتخذت خطوتين للخلف لتأمين نفسي ثم عدوت سريعا لهذا المنزل وصعدت للدور الثاني وعمرت الرشاش وإستعديت ثم قمت بدق جرس الباب الذي فتح بحذر فقمت بضرب الباب بقدمي وهجمت على الشقة وقمت بقتل كل من فيها وكانوا عبارة عن الأب والأم والإبن والإبنة قتلتهم هم الأربعة ثم قمت بتفتيش الشقة فوجدت جهازين لاسلكي فإستوليت على الجهازين وقمت بوضعهم في حقيبة كبيرة لأن أحجام هذه الأجهزة في ذلك الوقت كان كبيرا وهذه كانت من ضمن الأجهزة التي يتصل بها الطابور الخامس مع الأعداء.

    العمارة التي بها شقة المالطيين

     

    الباب الذي صعد منه البطل لقتل المالطيين

    بهذان الجهازان توجهت بهما إلى سيادة اللواء منير الألفي ولم يكن حتى هذه اللحظة تم الهجوم البري كان كل ما هنالك الهجوم بالطائرات فقط ، سألني منير الألفي من أين أتيت بهذان الجهازان فقلت له ما حدث فتوجه معي إلى الشقة وسالني أنت من قتلت هؤلاء ؟ فقلت له نعم أنا ، نزلنا بعدها وهو توجه إلى مكتبه وأنا توجهت إلى حي العرب.

     

  • وماذا عن زميلك الذي أستشهد في هذا المكان ؟

  • بعض الناس أخلوه من تحت الشجرة التي أستشهد تحتها وذهبوا به إلى المستشفى الأميري ، توجهت أنا ومن معي من الزملاء من طاقم المدفعية المضادة للطائرات إلى حي العرب موطني ولبثت هناك حوالي أربع ساعات طلبت فيها تكوين فرقة للدفاع عن الحي وتقدم لي 176 فردا ، وفي هذه الأثناء كان الهجوم بالطائرات قد أصبح قليلا ، وتم تنظيم جبهة قوية جدا وذلك من حوالي ثلاث فرق صاعقة مع قوات الشرطة والمقاومة الشعبية التي قمنا بتكوينها للدفاع عن حي العرب لمنع دخول أي جندي بريطاني ، كانت الروح المعنوية عالية جدا وكان الحماس من الشعب البورسعيدي فوق الوصف ولم أرى مثيله في حياتي أبدا .

    المدرسة الواصفية

  • لم يكن هناك خوف ؟

  • أبدا ! الشاب كان يلقي بنفسه في جهنم في سبيل حماية بلده .

     

  • وهل ترى هذه الروح موجوده لدى شباب هذه الأيام ؟

  • لقد جمعني لقاء ببعض الشباب منذ فترة قريبة على مقهى قريب من منزلي وسألوني عن تفاصيل معركة 56 لأنهم كما يقولون لايعرفون عنها أو عن تفاصيلها شيء ! وهذه حقيقة أن الشباب ينقصهم الوعي التاريخي ببطولات آباءهم وأجدادهم في 56 ، إمتدت جلستي هذه معهم حوالي ساعتين ونصف وشرحت لهم ما فعلته من البداية منذ إخلاء جثث وأشلاء زملائي ، إلا أنه قد فاجأني شاب برد غريب إذ يقول : " عارف يا حاج نصر لو كنا حضرنا المعركة هذه كما تصفها لنا لكنا تركنا البلد وهاجرنا " !! إستنكرت ما قاله وقلت لهم إذا من يدافع عن بلدكم !؟وللأسف هذا مثال من حماس الشباب الحالي ، قلت لهم أن الشاب الذي كان معي في 56 يساوي الآن 1500 شاب منكم .

  • نعود لأحداث المعركة والبطولة ، ماذا تم بعد ذلك ؟

  • في اليوم التالي لتكوين فرقتي من 176 فردا ذهبت بهم صباحا إلى البحر لأدربهم على كيفية إطلاق النار.

     

  • كل هذا ولم يكن الإنزال بالبراشوتات قد تم ؟

  • لا لم يكن تم بعد .

     

  • بعد تدريب الفرقة على ضرب النار إلى أين توجهتم ؟

  • توجهنا إلى حي العرب للإنتشار به ووضعت في كل حوش بيت شابين إثنين تسليحهم رشاشات فقد كان السلاح متوفر بشكل كبير جدا في البلد عن طريق القوات المسلحة فقد كان الصبي الصغير يحمل سلاحا ، قمنا بالتأمين من شارع 23 يوليو وحتى شارع 100 في كل حوش بيت إثنين يحملون رشاشات دفاعا عن حي العرب ، لأن بعد أن أنزلت البعابع العدو في الإفرنج من عند دليسبس وصلوا حتى ميدان المنشية وأقاموا الأسلاك الشائكة وعملوا مواقع في هذه المنطقة . وقمت بشرح الخطة للمجموعة أنه في حالة دخول أي دورية بريطانية أن يتم القضاء عليها والإستيلاء على سلاحها . ومن ناحيتي أنا كنت بعد أن أقتل الدورية البريطاني أقوم بقطع أذنهم .

  • هل تتذكر أول مواجهة لك مع دورية بريطانية ؟

  • طبعا أذكر أن أول دورية بريطانية دخلت حي العرب من شارع الثلاثيني جاءت من عند المدرسة الوصفية من عند قهوة الفلاح ومرت بالثلاثيني من تحت البواكي وحتى شارع أبو الحسن وكانت حوالي الساعة الثانية إلى الثانية والثلث بعد منتصف الليل ، فقمنا بالقضاء على ثماني جنود بريطانيين وهم أول دورية بريطانية تدخل حي العرب ،

    المنزل الذي كان يقطنه البطل

     

     إستوليت على سلاحهم وقطعت أذنهم وقمت بوضع جثثهم في شارع الثلاثيني أمام محل باتا للأحذية ، وكنت صنعت صندلة في البيت قام بتصنيعها لي نجار من أعضاء الفرقة الإنتحارية وذلك لتخزين السلاح الذي أستولي عليه من الأعداء ، من هنا ومع القضاء على أول دورية بريطانية بدأت قوات الأعداء في الخوف ، وفي صباح اليوم التالي وصلت قوات من سيارات جيب عند قهوة الفلاح ونشروا كوريدور ونزلوا من السيارات شاهرين السلاح ، وبدأت المقاومة في شارع محمد علي منعا لدخول أي جندي بريطاني ، وتم إطلاق رصاص كثيف جدا من الجانبين وعلى أثره إنطلق البريطانيون إلى الأفرنج وظلوا لمدة طويلة لايستطيعون وضع قدما لهم في حي العرب .

    شارع أبو الحسن مسرح العمليات

     

    شارع أبو الحسن مسرح العمليات

    جاءت دورية أخرى من شارع التجاري في إتجاه شارع 100 فتم القضاء عليهم أيضا ، وبدأنا في تجميع السلاح منهم ووضعه في الصندلة كما سبق أن فعلنا مع الدورية الأولى .

     

    كان معنا في هذه الأثناء "مصطفى شردي" رحمه الله وكان أيضا "أحمد زين" الصحفي من أخبار اليوم ، المعركة كانت حوالي 22 يوم بينا وبين القوات البريطانية لم يستطيعوا خلالها دخول بورسعيد إطلاقا بسبب بسالة حي العرب التي لم يذكرها أي مسؤل أو مؤرخ في كتاباته علما بأنها كانت لب المعركة ومن يذكر غير ذلك يكون "كاذب" .

     

  • إذا ومن خلال حديث سيادتكم أنهم لم يستطيعوا إختراق حي العرب ؟

  • أبدا .. أبدا .. أبدا ..

     

  • ولكن البريطانيون لهم صور في حي العرب وهم يبحثون عن مورهاوس !

  • نعم .. ذلك في النهاية لكن في البداية لم يستطيعوا إختراق حي العرب أبدا .. هم أتوا وإحتلوا مدرسة الواصفية (مكانها لمن لا يعرفها من القراء تقع على ناصية شارع محمد علي وأوجيني بجوار المسجد العباسي) .

     

  • وأظن أيضا أنهم كان لهم معسكر دبابات في شارع 23 يوليو بجوار جمعية دفن الموتى ؟

  • نعم .. بالضبط ، ولكن كل هذا في تخوم حي العرب .. لقد عجزوا في خلال 22 يوم من دخول حي العرب ، وبناء على ذلك طوروا هجومهم وبدأوا من شارع عبادي بأن جاءت طائراتهم وأخذت في إلقاء بودرة حارقة حتى أن من ضمن هذه البيوت التي أحرقت في شارع عبادي بيت أهل زوجتي الذي إحترق وإنهار عن آخره ، وأيضا تم حرق بيوت المناخ بإستعمال نفس البودرة ونفس الطريقة ، لقد كانت هذه الطريقة ما هي إلا حالة عجز من إختراق وإحتلال هذه المناطق وترجمة لما كانوا يلاقونه من مقاومة شعبية باسلة .

     

    جاء لنا أهالي حي المناخ وأخبرونا أنهم يخططون للنزول بالبراشوتات في الجميل ، وعلى ذلك جمعنا جزء من قواتنا وإنطلقنا للإشتباك معهم في الجميل ، وكان السائد في تلك المعركة هو الإبادة للمعتدين ، لم يكن هناك ناجي واحد منهم وكانت الحصيلة أكثر من 8000 جندي منهم ميتا على الأرض ، فقد إفترشت أرض الجميل بجثثهم وهم الدفعة الأولى التي ألقوا بها وكان من الواضح أنهم ليسوا بإنجليز بل كانوا من بشرتهم السمراء تدل على أنهم من أفريقيا ومن بلاد أخرى ليست بريطانيا وربما كان هذا على سبيل الإختبار لقوتنا على الأرض . بعد أن إنتصرنا في تلك المعركة تحركنا بسرعة كبيرة شرقا إلى شارع محمد علي لأنهم كانةا سيبدأون التحرك صوبنا من ميدان المنشية فتم تحصين هذه المنطقة جيدا فقد كانا معا قوات الصاعقة والشرطة والمقاومة الشعبية بما فيها الفرقة الإنتحارية التي أسستها ، بدأنا في المقاومة وبدأت بالمرور من شارع 100 إلى شارع 23 يوليو فقمت بتأمين أحواش هذه البيوت بالشباب وفي الحقيقة لا أستطيع أن أصف لكم كم كان هذا الشباب عظيما ومذهلا .. حتى أن "مصطفى شردي" رحمه الله قال لي أنني لم أكن أتصور أن شباب بورسعيد سيقاوم بهذا الشكل ، وقد كان رحمه الله يحتفظ بصور مهمة للشهداء وللبيوت المتهدمة .

     

    وبمناسبة "مصطفى شردي" فقد كانت هناك هدنة 15 يوم ، فطلب مني أن أصطحبه للذهاب للقاهرة لمقابلة المشير عبد الحكيم عامر وجمال عبد الناصر وأيضا لتسليم هذه الصور لمصطفى وعلي أمين بأخبار اليوم من أجل الأمم المتحدة ، فقمنا بلبس ملابس صيادين وأتينا من باب لنش المطرية الكائن بنهاية شارع ستانجراد مع شارع النصر حاليا ، وكانت فرقتي على أهبة الإستعداد في فترة الهدنة التي طلبوها هم من أجل إخلاء جثثهم وجرحاهم .

    كانت رحلتي مع "مصطفى شردي" و"أحمد زين" وأنا إلى القاهرة بعد أن وصلنا للمطرية كانت هناك سيارة في إنتظارنا وإنطلقنا إلى القاهرة ، فذهبنا أولا لمصطفى وعلي أمين في أخبار اليوم ، حتى أن لي صورا معهم ومصطفى شردي ، بعدها توجهنا للقاء جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر ، وفي أثناء اللقاء سألني عبد الحكيم عامر وقال لي :-  يا نصر أنت كنت بتموت الإنجليز ليه كنت بتقطع ودانهم ؟ فقلت له أن هذا له سبب ! فقال لي وما هو السبب؟ قلت له السبب أنه حتى 30 أكتوبر 56 كنت لازلت رقيبا بالقوات المسلحة بمدفعية السواحل ثم سردت له الحكاية من بدايتها ومن رؤية زملائي أشلاء وهو ما دفعني لأن أثأر لهم بهذه الطريقة . فنظر لي عبد الحكيم عامر وأومأ برأسه وجاء جمال عبد الناصر ووضع يده على كتفي ونظر لعبد الحكيم عامر وقال له : "يا عبد الحكيم بورسعيد قلعة الوطنية" وقد أهداني الرئيس جمال عبد الناصر ميدالية لهذه البطولة وقد كانت لهذه المقابلة معه أن رفعت من روحي المعنوية وشدت من حماسي .

    وقام عبد الحكيم عامر بالتنبيه بضرورة دعم بورسعيد بفرق من الصاعقة وعلى ذلك فقد دخلت قوات للمدينة مع عودتنا أنا ومصطفى شردي وأحمد زين وبدأنا الإستعداد للمعركة .

    كما لابد أن أذكر أن فرق المقاومة في المناخ كانت سندا كبيرا لنا فقد كانوا يأتون من المناخ للمعاونة معنا في عملياتنا ضد الأعداء في حي العرب كنوع من الدعم ، وكان أيضا الرائد " علي الصياد " كان معاه حوالي أربعة فرق وأيضا كان هناك أيضا "عبد الفتاح أبو الفضل" من الضباط الأحرار ولبث معنا حوالي 25 يوم .

    وكنا في هذه الفترة من العدوان نعاني من نقص الماء والطعام في أرجاء بورسعيد لأنهم قاموا بقصف وابور المياه ووابور النور ، وكنت في هذه الفترة عندما لا أجد الماء أن أقوم بوضع "ظلطة" في فمي أمتص فيها لجلب اللعاب والتغلب على العطش الشديد وكنت لا أعرف أي شيء عن أسرتي سواء أبي أو أمي أو إخوتي ، كان تركيزي كله في المقاومة.

     

  • وحضرتك كنت ساكن فين تحديدا أيام المعركة ؟

  • أنا كنت ساكن بالقرب من باتا كان هناك ترزي إسمه عبد المجيد عشماوي وكان أمامه دراهم بائع الحبوب أنا كنت في أول دور .

     

    المنزل الذي كان يقطنه البطل

     

    وأود أن اذكر أنه في 7 يناير 57 أتت لي جريدة النيوز كرونيك الأمريكية ونشرت مانشيت كنت أتمنى أن تكون هذه الجريدة موجوده ، كان المانشيت يحمل الآتي :" البطل نصر شحبر الذي هز عرش بريطانيا " لماذا ؟ لأن قطع الأذن كان له وقع نفسي شديد لديهم .

     

  • وهل كنت تقوم بقطع أذنهم جميعا ؟

  • لا .. كنت أقوم مع وملائي بقتل الدورية بالكامل ونستولي على سلاحها وأقوم بقطع أذن بعضهم وليس كلهم في رسالة تخويف ورعب لهم حتى لا يأتون لحي العرب , وهذا ما هز القوات البريطانية في بورسعيد ، بعد ذلك حدث الهجوم وقاموا بإحتلال المدرسة الواصفية وأقاموا بها قيادة ، فبدأنا التعامل معهم بأن نضع لهم ألغام ونلقي عليهم قنابل وقنابل حارقة وكل هذا من قبيل المناوشات لتثبيت عدم إحساسهم بالإستقرار ، ثم إنتقلوا بعد ذلك من المدرسة الواصفية إلى معسكر الجولف من شارع محمد علي ولم يحاولوا دخول حي العرب لإدراكهم صعوبة ذلك.

     

  • سمعنا أيضا عن قتلك لأحد الجواسيس التابعين لهم ، هل ممكن أن تلقي لنا الضوء على ذلك؟

  • هل تعرف مبنى الأمانة العامة للحزب الوطني السابق في حي الإفرنج بالقرب من السنترال الدولي ومساكن موظفين هيئة قناة السويس ؟ على الرصيف المقابل لها كان هناك مكوجي إسمه " ذكي " هذا الرجل كان خائنا وأحسبه هو الوحيد في بورسعيد الذي خان ، كان يخرج معهم في سيارات المواد الغذائية وكان يرشدهم عنا ، إصطحبت معي ثلاثة من زملائي الفدائيين وذهبت له وقلت له " يا فلان أدامك يومين .. لا فوقهم ولا تحتهم .. إذا ماوقفتش تعاملك مع الإنجليز هموتك " وبمراقبته لم أجده إمتنع أو تراجع ، بعد إنتهاء المهلة ذهبنا وأخذناه في سيارة إلى أن وصلنا إلى ناصية شارع 100 ومحمد علي وأنزلناه وقمت بسكب صفيحة جاز عليه وعود كبريت وإنتهى الموضوع وحرقته وذلك من أجل تأمين رجال المقاومة الشعبية منه ومن خطره علينا ، هل تعلم أن أمه جاءت تجري من شارع 100 أثناء حرقه ولم تكن تصرخ من أجله بل كانت تزغرد لأنها كانت تعلم أن إبنها خائن وكانت تستنكر خيانته لأنها كانت سيدة بورسعيدية ووطنية ، وأنا حتى هذه اللحظة أتذكر هذا الحادث جيدا وكأنه اليوم بل وسعيد جدا بما قمت به ، بعد هذا الحادث مباشرة طافت سيارات بريطانية الشوارع وعليها ميكروفون تعلن عن رصد مكافئة مالية قيمتها 500 جنيه إسترليني مقدمة من قيادة القوات البريطانية لمن يرشد عن رئيس الفرقة الإنتحارية .

     

  • نعود للأسلحة التي كنت تجمعها في صندلة بيتك .. هل تتذكر عدد قطع السلاح الذي قمت بتجميعه من الأعداء ؟

  • نعم أتذكر العدد جيدا وهو 316 قطعة سلاح قمت بتجميعهم من الجميل ومن بورسعيد .

     

  • لكن هل لم يحدث إختراق لحي العرب نهائيا ؟!

  • لا حدث إختراق بالطبع .. ولكن بعد أن فشلوا في الإختراق من التجاري ومحمد علي قاموا بتغيير خططهم وبدأوا بالإختراق من شارع عرابي كذلك حاولوا من أوجيني لكن لم يستطيعوا ، وقد عوننا كثيرا فرق مقاومة حي المناخ في منع الإختراقات وفعلا صمدنا كثيرا في منع إختراقاتهم المتتالية وكنا نقوم بالإجهاز على كل دورياتهم ، إلى أن جاءت واقعة " مورهاوس " كان طبعا طاهر مسعد وأحمد هلال ومحمد حمد الله وعلي زنجير هم من قاموا بإختطافة والتي كان لها رنينا كبيرا في الحرب ، ثم الواقعة الثانية كانت قتل " جون ويليامز " ضابط المخابرات الإنجليزي بواسطة سيد عسران هذا الضابط الذي كان يفعل المضايقات بشكل كبير نظرا لخبرته السابقة الكبيرة في مصر وبورسعيد قبل الجلاء وهذه الواقعة – واقعة قتله - حضرتها بنفسي حيث وقعت على ناصية شارع النهضة وممفيس على رصيف محل أمين وعبد الوهاب ندا فقد كان السيد عسران رحمه الله يعمل في هيئة قناة السويس فقام بوضع قنبلة في رغيف خبز وإدعى أنه يأكل من الرغيف وخدعه كأنه يلقي له بشكوى ولكنه ألقى بالقنبلة التي كانت في رغيف الخبز بعد أن شد فتيلها بفمه وكان أثر هذا الهجوم أن أصيب ويليامز إصابة بالغة ومات متأثرا بجراحه .

    في نهاية المعركة أصبحت الدوريات الإنجليزية قليلة إلى حد ما بعد كل هذه المقاومة والعمليات التي قمنا بها .

     

  • ولكن هل تذكر لنا عن قصة أسرك ؟

  • نعم .. قصة اسري كانت بالتحديد في 13 نوفمبر 1956 من خلف مبنى المحافظة على شاطيء البحر في منطقة الكبائن الخشبية ، حيث كنت أتفقد القوات في هذا المكان وكنت لازلت بالملابس العسكرية ولكن بدون خوذة ، فما كان منهم إلا أن فاجأوني بظهور إثنين من الجنود الإنجليز يحملون البنادق وقاموا بأسري وقد صور هذه اللحظة المصور موسكاتيللي الشهير في بورسعيد وهي المتداولة على النت حاليا ، وبعد أن قاموا بأسري جاءت سيارة جيب وأقلتنا من هذه المنطقة إلى باب 20 الجمركي حيث كانت قواتهم متمركزة ، وبعد نزولي من السيارة الجيب في صحبتهم قمت بمغافلتهم وخطف السلاح منهما وقتلهم جميعا بما فيهم سائق الجيب وعدوت بعيدا بإتجاه حي العرب مسرعا ومعي سلاحهم ..

  • هل هناك أي شيء تريد أن تضيفه في شهادتك التاريخية هذه ؟

  • نعم .. أود في النهاية أن أوصي الشباب خيرا بوطنهم .. وأتمنى أن أجد من الشباب من يحب وطنه كما أحببناه نحن وأن يضحوا من أجله كما ضحينا نحن ..

     

    في نهاية هذا اللقاء الثري الجميل نود أن نشكر البطل محمد نصر الدين شحبر على شهادته هذه وأن يجزيه الله خيرا على ما قدمه لبلده من فداء وتضحيات ، ونشكره على تمكيننا من تصوير الأماكن الطبيعية التي حدثت بها الأحداث التي رواها وذلك لإيصال التاريخ للقراء بكل أمانة وشفافية ..

     

    كانت هذه صفحة أخرى مضيئة من تاريخ بورسعيد .

     

     

    محمد بيوض

                                                                                        ديسمبر 2014 م.

أخترنا لك: 

أضف الموضوع إلى صندوق أخترنا لك