Posted by Engineer on April 19, 2015

كتب محمد بيوض : جاءني صديقي الأستاذ/ صلاح طنطاوي – الشاعر البورسعيدي ، حاملا بشرى موافقة البطل / محمد عوض السيد عيسى " الشهير برضا " على لقاء موقع تاريخ بورسعيد في ليلة تاريخية جميلة في متجره بأعرق شوارع بورسعيد وهو شارع البازار ، وفي تمام الميعاد المحدد توجهنا للقاء سيادته وكان في إنتظارنا مع إبنه الشاب الرائع .

 

ذهبنا لنتعرف على نوعية بطولته في حوار أجريناه أنا والأستاذ صلاح طنطاوي وقد بدأ الحديث عن ذكريات البطولة المجيدة:-

  • تاريخ بورسعيد : ما هي قصة بطولة حضرتك ؟
  • البطل رضا : بسم الله الرحمن الرحيم

أنا المواطن / محمد عوض السيد عيسى من مدينة بورسعيد ، الشهير برضا بأعمل في مجال الأدوات الصحية الآن ، جندت في 1/10/1964 بالجيش الثالث ، ثم تمرست في الأعمال العسكرية في عدة مواقع وحصلت على عدة فرق في القوات المسلحة لنبوغة عقلي ، فحصلت على فرقة إزالة وزرع الألغام وحصلت على فرقة مفرس تأمين قوات مسلحة وهي عبارة عندما يكون الجيش قادم من أماكن متفرقة فأقوم أنا والأفراد زملائي بإيصاله إلى موقعه ونقوم بتعريفه على أبعاد مسافات موجة الإتصالات على أساس أن العدو لا يستطيع أن يستمع إلى إتصالاتنا كما نقوم بتعريفه على أماكن الألغام المزروعة والتي تعتبر عملية دفاعية كذلك نقوم بتعريفه على أماكن المياه ونزل التعيين كذلك نقوم بتعريفه على أماكن الطرق الخداعية والطرق الأساسية والتي لا يعرفها سوى الجيش فقط وذلك لكي نقوم بخداع العدو لأن العدو عنده فكرة وعنده خرائط بطرقنا ولذلك نقوم بسلك طرق لا يعرفها العدو .

 

  • تاريخ بورسعيد : إذا هذه كانت طبيعة خدمتك بالقوات المسلحة ؟
  • البطل رضا : نعم إلى أن جاءت 5 يونية وكنت بسيناء في منطقة الحسنة حيث كنا نعمل بنظام المأموريات فقد كنا مفرز تأمين ، حيث كنا نستلم القوة من باب 6 ونؤمنها ونعطيها خرائطها ونعرفها على مصادر المياه والتموين والإتصالات وكنا نعمل على الموجات القصيرة لتفادي العدو ، وقد فوجئنا في يوم 5 يونيو - وكنا صباحا نقف بالطوابير لتحية العلم ودورنا للطابور الثاني وهو طابور التعليم حيث كنت أقف في طابور مربع ناقص ضلع أقوم بالتعليم فيه على كيفية زرع وإزالة الألغام لمجموعة من الأفراد قادمة جديد من الإحتياط – بالطيران الإسرائيلي فوقنا وأذكر هنا أن التعيين (وهو مقصود بالوجبات) كان لايزال بالقروانه الكبيرة (يقصد البطل هنا أن الهجوم كان مبكرا جدا وقبل حتى نقل التعيين من مكانه أو حتى توزيعه) وكان المفترض أن يتم توزيعه بعد إنتهاء الطابور الثاني !!

سالنا عن الطيران هذا .. ما هي هويته ؟

فكانت الإجابة أن هذا الطيران إحتمال يكون مصري وبيعمل مناورات علينا !!

ولكن المفاجأة كانت غير ذلك .. وجدناه بدأ بضرب أماكن التموين ومستودعات الذخيرة والكهرباء والماء والكباري بدأ ينخفض علينا فتأكدنا أنه عدونا وقد غدرنا لأننا لم نحارب وقد قلت لموشي ديان هذا الكلام فيما بعد ، هنا بدأنا نتعامل مع الطيران بالسلاح الخفيف الشخصي وبالطبع لم نستطيع أن نقاوم لأن هذا طيران يقوم بضربنا بأسلحته التي تفوق ما نحمله من سلاح ، فما كان منا إلا أن قمنا بالإنتشار في الجبال المحيطة في محاولة لتفادي هذه الضربة وتقليل الخسائر .

 

 

وأذكر هنا وأضيف أنه كانت هناك تعليمات من القيادة العامة للقوات المسلحة في ذلك الوقت أنه ممنوع تعمير المدافع أو يضع طلقات لأن سيادة المشير عبد الحكيم عامر وقادة القوات المسلحة سيقوموا بالمرور علينا للتفتيش علينا على الطبيعة بعد التمركز في مواقعنا بسيناء ، وعندما وجدنا الضربات الجوية قوية علينا فإضطررنا للإنتشار في الجبال والإحتماء بالصخور ، وظللنا محتمين بالجبال حتى جاءت إشارة في الساعة الثانية فجر الثلاثاء 6 يونيو من قيادتنا بإعادة تجميع التشكيلات مرة أخرى في منطقة " الحسنة " وذلك لجميع القوات لإعادة التنظيم وعمل هجوم مضاد على القوات الإسرائيلية وبالفعل تم تحرك جميع القوات مرة أخرى – القوات الضاربة – المتبقية ، وبالفعل توجهنا بكامل عتادنا والذخيرة والوقود بالسيارات والمدرعات إلى الحسنة . 

 

 

  • تاريخ بورسعيد : هل كان لديك خسائر كبيرة في صفوف قوتكم ؟
  • البطل رضا : نعم بكل تأكيد .

ويستطرد قائلا : بدأنا بالفعل في التجمع ووصلنا مكان التجمع المشار إليه في الساعة الخامسة فجرا ، وجدت هناك ما تبقى من القوات بعد ضربة الطيران أمس .

وإذا بالساعة السابعة صباحا – صباح 6 يونية – وبدلا من أن تأتي طائراتنا المصرية المعاونة لنا في الهجوم المضاد كما قالوا لنا ، وجدناها طائرات إسرائيلية !!

وهنا كان الإجهاز على البقية الباقية من القوات ، فأصبح من يستطيع أن يهرب بحياته ومن لم يستطيع يموت محروقا داخل سيارته أو مدرعته ، وتم تصفيتنا وأصبحنا مجموعة قليلة العدد ومع ذلك تم تجميعنا مرة أخرى من جانب قيادتنا لعمل هجوم مضاد ولكن عددنا كان قليل ولا يوجد تكافؤ وسيناء أرض مكشوفة ، فكانت تأتي الطائرات بعد أن قامت بتدمير المدرعات والعربات والأسلحة الثقيلة وتتسلى علينا فردا فردا ، وعلى هذا فقد إختفينا في الجبال .

 

وفي هذه الأثناء رأينا ونحن نراقب من أماكنا كيف كانوا يتعاملون مع الأفراد المتبقيين في الملاجيء الأرضية ، كانوا يدهسوهم بالدبابات ، ومن يخرج من مطحنة الدبابات يقوموا بضربه ثم الدهس مرة أخرى بالدبابة ، فعندما رأيت هذه المناظر الأليمة وبدلا من أن أتعرض لمثل هذا الموقف وأن يقتلني اليهود بنفس الطريقة ، قررت قتل نفسي !! فقمت بوضع الرشاش الذي أحمله وهو سلاحي الشخصي في حلقي تحت ذقني وإستعديت لضرب نفسي ، فقام زميلي بضرب الرشاش بقدمه مما نتج عنه خروج طلقتين !

وقال لي : حرام عليك هتموت كافر ؟!

فقلت له : ما انت شايف اللي الكلاب والخنازير بيعملوه في زمايلنا .

فقال لي : ما تعملش في نفسك حاجة وربنا يتولانا .

المهم ظللنا تائهين في الجبل 15 يوم ! في سيناء ، وسيناء سهل جدا أن تتوه فيها طالما لا تحمل بوصلة أو خرائط ، فمن الممكن أن تظل تائها لمدة يومين أو ثلاثة في منطقة واحدة فاقدا للإتجاه الصحيح ، فلم يكن هناك أي شيء معنا ولا أكل ولا ماء ، فقد كنا نأكل بعر الجمال وكنا نقوم بمص الزرع لنستخرج منه الماء .

 

 

ولابد أن أذكرهنا حقيقة للتاريخ وهي : أنه عندما كنا نقابل البدو عرب سيناء فيناديك : يازلمه فترد : إيش تبغي ؟ ، فيقول لك : تبغي ماء ؟ ، فتقول له : نعم ، فيقول لك : هات الخزينة (يقصد خزينة السلاح الذي معك) ، فتعطيه الخزينة ، فيعاود : تبغي خبز ؟ فيقوم بطهي رغيف على نار الأعشاب ، ويقول لك هذا هو الرغيف ولكن ثمنه بندقيتك .

المهم هنا أنه يستولي منك على سلاحك وذخيرتك في مقابل الماء والخبز ، وبالطبع لأننا جنود مدربين فكان بعد أن تمتليء معدتنا بالطعام نقوم بتخليص ثأرنا منهم ، لأن هذا يعتبر خائن فبدلا من أن يساعدني فكان يأخذ سلاحي ليعطيه لليهود .

هناك أمر آخر أيضا كان يحدث من هؤلاء البدو وهو أنهم يقومون بسؤالك هل تريد العودة إلى مصر ؟ وبالطبع لا يوجد من لا يريد العودة لوطنه وأهله ، فبقومون بأخذ النقود التي في جيبك ويطلقون عليها المصاري ثم يقومون بإرشادك على طريق غالبا ما ينتهي بجنود العدو الإسرائيلي .

مع تعبنا الشديد وإرهاقنا نمنا وكنا حفاة الأقدام فقد أخذ الأحذية البدو أيضا ، ونحن في هذه الحالة جاءت طائرات الهليكوبتر الإسرائيلية ونحن لا نحس إلا وطلقات تضرب من حولنا وأصوات في الميكروفون " سلم يا مصري .. سلم يا مصري " وكان لدينا تعليمات من القيادة أنه في حالة وضعك في عدم تكافؤ في الحرب أو القتال .. إدفن سلاحك وسلم نفسك وأفصح عن إسمك ورقمك وعنوانك .

 

 

مع إنهاك وخوار قوانا تم القبض علينا وإلقاءنا في اللواري مثلما يلقون الأجولة نظرا لحالتنا التي أشرنا لها حيث لا ماء ولا طعام ولا نوم ، وقد أخذونا في معسكرات فرز ، وكان الفرز يتم بطريقة فنية حيث يتم وضع الفنيين التي سيستفيد منها لاحقا على جانب والجنود العاديين في جانب آخر ، وفي يوم جاءونا يقولون " لقد كان معكم سلاح والآن نحن من يملك السلاح ونستطيع قتلكم ولكننا سنقوم بإعادتكم لأولادكم مرة أخرى بشرط عدم محاربتنا مرة أخرى وقولوا لأولادكم اليهود تركونا من أجلكم "

 

 

وجاءوا بأتوبيسات فاخرة ووضعونا فيها بطريقة فنية وأعطوا لكل واحد لقمتين وقليل من الماء وهو ما يعتبر شيء بديع حيث لم يكن يعطونا سوى لقمة واحدة فقط وقاموا بتوديعنا على أساس ان لا نعود مرة أخرى لقتالهم ، وكنا ليلا ووجدنا أنفسنا عند القنطرة ، أوقفوا السيارات وقاموا بإنزال دفعة من السيارات ثم أركبوهم البعابع (حاملات الجنود) ومن القناصة فوق الجبال وأخذوا في إطلاق النار على من في الماء ، طبعا الصورة أن إسرائيل تركتك ومن يقصفك ويستهدفك هم الجانب المصري .

وبناء على تلك الفكرة أخذونا إلى السويس حفاظا علينا من المصريين كما كانوا يريدون أن يوهمونا ، وما فعلوه في القنطرة فعلوه في السويس حتى يتم التخلص من المجموعة الغيرمؤثرة وتصفية الأعداد ، بعدها قالوا لنا ستأخذكم إلى إسرائيل للحفاظ عليكم .

 

وصلنا بئر سبع وهناك علمنا أن المجموعة المتبقية فقط هي المجموعة التي تم فرزها على أساس أنها مجموعة فنية يمكن الإستفادة منها في إسرائيل والمجموعة الأخرى هي ما تم التخلص منها بالطريقة التي ذكرتها ، وعند نقلنا إلى بئر سبع تم تبديل الأتوبيسات الفاخرة باللواري وطبعا كانت المسافة من السويس إلى بئر سبع كبيرة فكان يقوم بقيادة كل لوري إثنين من السائقين بالتبادل وعند كل تبادل نقف وطبعا كنا معصوبين العيون وننزل من اللواري بطريقة بشعة حيث يتم ضربنا بالشلاليت حتى أنني ضربت أيضا وكنت أمسك بيدي قطعة خبز وعلبة سردين على أساس أننا نأكلها أنا وزملائي وجاءت الضربة في يدي لتطيح بالخبز والسردين وأنا معصوب العين وكل ما نقف في محطة يتم التعامل معنا بنفس الطريقة إلى أن وصلنا " عتليت " .

 

 

  • تاريخ بورسعيد : عتليت كانت في العمق الإسرائيلي بعد بئر سبع ؟
  • البطل رضا : في الطريق من بئر السبع إلى عتليت أركبونا قطارا وذلك لحمايتنا من الإعتداء علينا طوال الطريق خصوصا وأننا داخل إسرائيل الآن ، وهذا القطار كان قطار شحن البضائع بشكله المعروف ، وفي كل عربة قطار كان يتم وضع 200 فرد ومعهم خمسة بصلات وخمسة أرغفة خبز فقط ويتم إغلاق العربة على من فيها ، ومع إنعدام التهوية التي كانت تصل إلى الإختناق لمن في تلك العربات لدرجة أن من هم شرهيين للتدخين ماتوا خنقا ، وعند نزولنا من القطار كنا منهكين القوى أيضا بسبب الإختناق ، فكانوا يلقون بنا في اللواري مثل الأجولة .

 

عند وصولنا السجن في عتليت تم تبخيرنا وذلك بخلع ملابسنا ، أنا كان الشورت الذي أرتديه رياضي وأنا أحب الرياضة ، فلبست الفانلة وإنحنيت لألتقط الشورت من على الأرض فوجدت الجندي الإسرائيلي دايس عليه بالعصاية فقلت له : هذا حقي ، فقال لي : هون ما في حق ياللا .

 

 

ورفع العصاية ليضربني ولكن لستر الله الفانلة كانت طويلة وقد سترتني .

ونحن خارجين من التبخير كان كل نفرين يأخذون بطانية واحدة فهل تكفي للغطاء أم للفرش ، كما أعطونا عامود طعام واحد لم نستعمله حتى للماء وكنا نستخدمه كمخدة ، وكنا نقسم البطانية بين الفرش والغطاء وأحيانا كنا نلف البطانية على عامود الطعام ونستخدمه كمخدة ، وكان سجننا في إسطبل بهائم ، وكنا نرى فيه دوائر ربط البهائم وننام أسفلها .

أما عن الأكل فكان عبارة عن لقمتين صباحا وظهرا وملعقة شاي وملعقة لبن وكان التعيين (البراكس) تكون بها شاي أو زبادي وكانت تمر علينا فنغمس فيها اللقيمات لكي تنتفش مثل لقمة التورته ونضع عليها ملعقة الزبادي والشاي ونأكل ونحمد الله .

 

في الظهيرة على الساعة واحدة كان يتم تقسيم الرغيف على خمسة أفراد يتم وضع ملعقة خضار على اللقمة أيضا ومثلا ممكن يعطيك بصل ، البصلة على خمسة أفراد ، علبة السلامون يتم تقسيمها على 12 فرد ، البصلة الخضراء على 5 أفراد ، الصابونة النابلسي التي قاموا بسرقتها منا كانوا يقطعونها على 15 فرد وكل 10 أيام لكي تستلم قطعة صابون جديدة لابد أن تسلم البروة القديمة .

 

أما الماء فممنوع الوضوء ، الماء لبل الريق فقط ، كانوا يغلقون علينا الساعة 10 صباحا إلى الساعة 10 صباحا في اليوم التالي ، لايوجد خروج من العنبر نهائي ، قضاء حاجتنا تكون داخل العنبر .

السجائر كانت عبارة عن 5 سجاير في اليوم وكل 99 فرد 10 أعواد كبريت ، بمعنى أنه يريد أن نظل ندخن هذه السجائر طوال الليل بدون إطفاء لكي يتلوث جو العنبر طوال الوقت .

وكانوا يأتون بكلاب الحراسة ويعطوهم الفراخ واللحوم أمامنا فنسألهم لماذا تطعمون الكلب عننا نحن ؟ فتكون الإجابة أننا نعطيك الطعام لكي تعيش فقط ، ولو قويت سوف تموتنا ، والكلب عندما يقوى سيحميني .

وكانوا يستمرون في ضرب النار ليلا لمنع فكرة الهروب واعمل إزعاج لنا أيضا .وما لمسته فيهم أنهم شديدي الجبن بشكل ملحوظ بمعنى أنه عندما تسير الخدمة فيكون معهم كلاب ويكون أربعة أفراد وجوههم للأمام وأربعة وجوههم للخلف .

 

 

إلى أن وصلنا لليلة الإسراء والمعراج وهذا هو اليوم الذي أصيبت فيه ، سجننا كان عبارة عن إسطبلات خشبية ، فكنا فتحنا فتحة صغيرة في الجدار لكي نتوضأ منها وحتى لا تكثر المياه داخل العنبر ، فلمحونا ونحن نفعل ذلك فقاموا بتبادل الحديث سويا وقاموا بعدها بضرب النار عشوائيا في السجن ، فسقط منا شهيد أثناء إقامة الصلاة وكان إسمه محمد عبد النبي ، بعد الصلاة عقدنا العزم على التمرد وتكتلنا سويا ودفعنا جانب العنبر الخشبي فأسقطناه أرضا وخرجنا خارج العنبر ، وعندما رآنا زملائنا في العنابر الأخرى فعلوا مثلنا وإنضموا لنا ، كان العنبر (البراكس) يحمل رقم 5 وعندما شاهدونا اليهود المتمركزين على الأبراج وعلى السيارات اللاندروفر التي تحمل رشاشات 500 طلقة قاموا بالفرار وتركوا أسلحتهم وذخيرتهم وسياراتهم ، فقام زملائنا بالإستيلاء على كل هذا وأخذوا في إطلاق النار عليهم ، فأخذوا في الفرار هم وكلابهم أيضا .

أنا لفت نظري العلم الإسرائيلي وهو يرفرف على الصاري ، فكان له سلم فصعدت عليه وأنزلت العلم وخلصته من الحبل وذهبت للمطبخ وقمت بغمسه في الجاز ثم أشعلت فيه النار وكنت في قمة السعادة وأنا أفعل ذلك وإعتبرته إنتصار ، وكنت أشوح بالعلم وهو ممسكا به النيران هنا أصبحت هدفا سهلا للقناصة وأصابوني بطلقة حارقة مرت برقبتي ولكنني أصريت على أن أستكمل حرق العلم للنهاية وكنت فرحا جدا وربما لم أشعر بحجم الإصابة ، وبعد حرق العلم تنحيت جانبا عن أعين زملائي وحتى لا يروني وأؤثر على روحهم المعنوية العالية .

 

ذخيرة زملائي نفذت وهي التي كانت بالأسلحة التي أستولينا عليها ، ولكي يهديء اليهود من ثورتنا أذاعوا علينا في الميكروفونات إحتفال الإسراء والمعراج من المسجد الأقصى ، وهذا مخالف لما كانوا يذيعونه من قبل ، فالعادي أنهم كانوا يذيعون علينا ما يهبط من عزيمتنا في إطار الكسر النفسي للأسرى ، فعندما أذاعوا القرآن ومن منطلق الآية الكريمة : { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [الأعراف:204] فهدأنا لنستمع للآيات الكريمة مسلم ومسيحي ، فعندما جلسنا كانت السماء بدأت تمطر ، والمطر هناك ليس مطر عادي إنما مطر جليدي .

 

وبدأ الجليد يتساقط علينا ونحن لا نجد ملجأ نحتمي تحته من هذا المطر فقد كنا دمرنا العنابر الخشبية ، كان معنا في الأسر ضابط برتبة لواء إسمه صلاح ياقوت وكان هو أكبر رتبة أسير وكان هو قائد اللواء 113 ، فأتى بالميكروفون المحمول الذي يعمل بالبطارية وكان هذا من اليهود وقال : يا جماعة اليهود هيعملوا هدنة معنا على أساس أن الجريح سيعالج والمتوفي سيتم وضعه في الثلاجة .

 

كنت من ضمن من سيعالجون نظرا لإصابتي ، كنت في هذه الأثناء أرتدي فانلة حمالات ، فخرج معي عسكري زميل يساندني ، في هذه الأثناء كنت بدأت أحس بالطلقة والإصابة .

 

المستشفى كانت تبعد حوالي 200 متر من السجن ، وكان هناك ممر من الشجر يربط بين السجن والمستشفى لأنها كانت مزرعة بهائم ، فلاحظت أثناء مروري في هذا الممر متوجها للمستشفى ومن بين الأشجار أجد فوهات البنادق ، وبعد مروري من أمامها ألتفت فأجد اليهودي متخفيا خلف الشجر فقلت سبحانك يارب وتذكرت قوله تعالى في القرآن :

لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (14) الحشر.

كان يوجد دوران قبل دخولي على المستشفى ، وفيه أشجار كثيفة ، ووجدت من يناديني ! تعالى هون يازلمة .. تعالى هون يازلمة .. فإلتفت أنا وزميلي فوجدنا " موشي ديان " وإسحق رابين وليفي أشكول وجولدا مائير وعزرا وايزمان جاءوا على غرار تدمير السجن ومعهم قوات خاصة ومظلات وصاعقة لأننا كنا على وشك الخروج من السجن والإنطلاق في الشارع .

قلت له إيش تبغي يا ديان ؟

قال : ناصر والا شوكير ؟

قلت : ناصر يا ديان

كان قصيرا وكان يضع العصابة على عينخ كما نعرف

قال : عند بذور

قلت : عندي 3 بذور وسيارة ومزرعة ومبسوط الحمد لله

قال : مش خايف تموت

قلت : وإيه يعني لما أموت ، لو أنا مت وإندفنت في الأرض ، الأرض هتزرع 1000 غيري وهييجوا يحاربوكوا يا ديان ، لأن أنتم لم تحاربونا ، جيشكم لم يحاربنا ، جيشكم ضربنا وإحنا في طابور التعليم ، يصير؟

 

 

قال : بيتخوليم .. بيتخوليم .. ( أي إذهب للمستشفى ) .. مصري فرعون

وعندما ذهبت للمستشفى وجدت 7 يهود مددين ، وقام الأطباء بنهرنا أنا وزميلي ، قلت لهم لا أريد العلاج ، عدت للسجن وفي الصباح وجدت كتفي بدأ في التورم  .

 

في الصباح وجدت القوات الخاصة والمظلات إحتلوا السجن ، وأتوا بمشمع وقاموا بتغطيتنا وأغلقوا علينا ، إلى أن جاء سلاح المهندسين وعملوا لنا سجن سريع وأحكموا القبضة علينا .

 

بعد مرور 3 شهور في السجن بدون علاج حتى جاء الصليب الأحمر وقام بالكشف علينا وأرسلوني للمستشفى الميداني التابع لهم وكانت مصر أرسلت معهم أدوات لنا ، ملابس داخلية وخارجية وسجاير ، فقام اليهود بسرقتها .

الصليب الأحمر قرر لي أخرج للعلاج يوم بعد يوم ، وفي يوم من أيام خروجي وجدت عسكري إسرائيلي عربي من عرب 48 ، فعزمت عليه بسيجارة لكي يعطيني فرصة أن أجلس قليلا في المستشفى لكي أستريح ،

فقال لي : لا لا أبغي

قلت له : لماذا .. اليست هذه هي سجائركم التي توزعونها علينا

قال : لا لا

قلت : ليه .. قل لي أنت عربي مثلي

قال : هذه مضرة

قلت : يعني إيه

قال : مضرة وخلاص .. هذه لكم خصيصا

بعد أن قمت بالغيار ، توجهت بسرعة لزملائي ، كل عنبر كان له قائد كناحية تنظيمية من أقدم رتبة ، فقلت لهم ما حدث ، فتم تجميع قادة العنابر وإبلاغهم لأخذ الحيطة .

بعد وصول الصليب الأحمر تحسنت الأحوال قليلا لأن الصليب الأحمر يقوم بتسجيلنا في كشوف ونكون في مسؤلية اليهود أمامه ويتم محاسبتهم علينا وتحقيقات .

 

من أصعب الأيام التي مرت علينا في الأسر وفي هذا السجن هو اليوم الذي تم فيه ضرب إيلات !

كنا ننام في العنبر حوالي الساعة 2 فجرا ، وفجأة تم فتح العنبر وتم ضربنا بالشلاليت ومؤخرات البنادق والأحزمة ، كل أنواع الضرب وقمنا في فزع ، وكانت النتيجة أننا كنا كلنا إصابات في كافة أنحاء الجسم ، وعند وصول ضباطهم صباحا ووجدوا حالتنا البائسة فزعوا من المنظر .

أتوا لنا بالإسعاف فقد كنا 99 فرد وتم علاجنا حوالي 15 يوم ، بعدها علمنا من اليهود أننا أغرقنا إيلات وأنهم كانت خسائرهم كبيرة حوالي 300 فرد فقرروا أن ينتقموا منا فنحن كنا في أيديهم .

 

 

  • تاريخ بورسعيد : كم لبثت في السجن والأسر ؟
  • البطل رضا : حوالي 6 شهور إلى أن تمت مفاوضات تبادل الأسرى ، وعند تحركنا للعودة كان كل سيارة يركب معنا مندوب من الصليب الأحمر ، وعندما وصلنا للقنطرة شرق فقام مندوب الصليب الأحمر بتسليمنا إلى مندوب الصليب الأحمر في القنطرة شرق الذي قام بالإشراف على ركوبنا في البعابع المرفوع عليها علم الصليب الأحمر إلى أن وصلنا في البر الغربي من القناة عند القنطرة غرب ووجدنا القيادة منتظرانا بالترحاب والتهنئة .

فقد كانت أمنية كل فرد منا أن يعود لبلده وأهله مرة اخرى، مع العلم أننا جميعا كنا نتمنى أن نعود مرة أخرى للمعركة لتخليص ثأرنا من اليهود لأننا لم نحارب

  • تاريخ بورسعيد : وماذا بعد أن عدتم .. على أي وجهة توجهتم ؟
  • البطل رضا : قمنا بتسليم كل شيء إسرائيلي معنا وركبنا ألأتوبيسات والتوجيه المعنوي كان مستقبلا لنا وتوجهنا على الحجر الصحي في الهايكستب ، ولبثت فيه خمسة أيام بالرغم من انه كان المفترض أن ألبث في 15 يوم إلا أن أهالي الأسرى قاموا بالضغط حتى يخرج أبناءهم بسرعة ويعودوا لديارهم وبناء عليه خرج كل واحد منا إلى إدارته وتم عمل إجراءات الخروج وشهادة الخدمة العسكرية .

 

كانت هذه هي شهادة البطل البورسعيدي محمد عوض السيد عيسى الشهير برضا على أيام الأسر في نكسة 67 وعلى حرقه للعلم الإسرائيلي ، تلك القصة التي لا يعرفها الكثير من ابناء بورسعيد ، والذين لابد أن يفتخروا بأن منهم من تجرأ على حرق العلم الإسرائيلي في معسكر الأسر في إسرائيل ، وكذلك مخاطبة موشي ديان بكل شجاعة ومعه كل قادة إسرائيل وكان هو في الموقف الأضعف ولكن شجاعته سبقت وتخطت كل الحدود .

تحية إجلال وتقدير من موقع تاريخ بورسعيد لهذا البطل الشجاع والذي نتمنى أن يحذو حذوه كل الشباب المصري والبورسعيدي ..

 

كان معكم في هذا الحوار الشاعر البورسعيد الأستاذ / صلاح طنطاوي ومحمد بيوض

 

 

محمد بيوض

                                                                                    16 أبريل 2015 م.

 

 

أخترنا لك: 

أضف الموضوع إلى صندوق أخترنا لك