Posted by Engineer on April 29, 2015

كتب محمد بيوض : في أعرق شوارع حي العرب يكمن دكانه ، في شارع الزقازيق ، في دكان ذو أبواب خشبية من عبق الماضي لم يزل يحتفظ بشكله القديم دون تغييركان يجلس عم محمد شعنون ، الدكان رث يمتليء بأدوات السباكة القديمة أيضا ، بعض الصور على الحائط لزعماء مصر ، عبد الناصر والسادات والسيسي ، أيضا صور قديمة لشخصية يظهر منها أنها مهمة وتهم صاحب المكان ولكنها بالطبع غير موجودة بيننا الآن ، أكيد ستكون هذه الصور لتلك الشخصية مصدر أسئلة لنا ، أيضا هناك بجانب كل هذا سرير وعليه مجموعة من البطاطين هي عنوان للبرد الشديد الذي يتفاداه من يستعمل هذا السرير !!

المكان في عمومة يثير الكثير من التساؤلات ، وتقاسيم الزمن على وجه صاحب المكان تزيد من حمية الأسئلة التي سوف نوجهها له بالتأكيد ..

 

جئنا لنتعرف على نوعية بطولة هذا الرجل في حوار أجريناه أنا والأستاذ صلاح طنطاوي وقد بدأ الحديث عن ذكريات بطولته :-

  • تاريخ بورسعيد : ممكن تعرفنا بنفسك ؟
  • البطل محمد شعنون : محمد محمد محمود شعنون

 

 

  • تاريخ بورسعيد : ماهي قصتك ؟
  • البطل محمد شعنون : تم تجنيدي بالقوات المسلحة في الرابع من سبتمبر عام 1972 أي قبل قيام حرب أكتوبر بعام وشهر تقريبا ، وكنت أتبع الجيش الثالث ، ومنذ أول يوم بالخدمة بالقوات المسلحة لمست الجدية الشديدة في التدريبات القتالية إستعدادا لدخول المعركة التي لم نكن نعرف توقيتها ولكننا كنا نتوقعها في أي لحظة .

 

 

  • تاريخ بورسعيد : هل تذكر نوعية التدريبات التي خضتها ؟
  • البطل محمد شعنون : نعم أتذكر ، كان هناك أمر كتابي يأتي من القيادة وذلك بإنتظار ساعة (س) وبعدها بتكون ساعة الصفر ، هكذا علمونا إستعدادا للمعركة ، فقد كنا جميعا رجال على قلب رجل واحد ، كنا نتمنى المعركة والخوض فيها من أجل تحرير الأرض ، كنا "فتوات" لم يكن بيننا متخاذل أو متهاون أو جبان يخاف من الحرب ..

ذهبنا للتدريب في القناطر الخيرية بالقاهرة وفي منطقة يطلق عليها "خشم الكلب" وهي منطقة مشابهة في تكوينها الجغرافي بسيناء وقمنا بتمثيل للعبور في ماء مشابه تماما لقناة السويس ، وإنتهينا من التدريب على أساس أننا بعد إنتهائه سوف نقوم بإجازات ، فلم نكن نعلم بأن هناك حرب !

 

  • تاريخ بورسعيد : لكن منذ تجنيدك بالقوات المسلحة وحتى ميعاد العبور في هذه الفترة ، هل قمت بالعبور لتنفيذ مهام قتالية معينة خلف خطوط العدو ؟
  • البطل محمد شعنون : لا لم أقم بالعبور قبلها لسبب بسيط أني كنت دفاع جوي ، وكما تعلم فإن الدفاع الجوي عبارة عن مدفع جرينوف 12.7 مم وكانت مهمتي حماية المشاة من الطائرات المعادية المنخفضة .. وكانت الأوامر عبارة عن جملة مشهورة بيننا وهي " إيزيز إيزيز منخفض على سطح الأرض عندما تكون المدفعية حرة إضرب " هذه هي كانت الأوامر التي نأخذها من قيادتنا ، وكنت أقوم بالتنفيذ بالضرب على طائرات العدو لكي أبعده عن المشاه وإلحاق الخسائر بهم وكان هذا الإلتحام أقوم به منذ بداية الحرب وحتى حصار الجيش الثالث .

 

 

  • تاريخ بورسعيد : نعود مرة أخرى للفترة التي سبقت الدخول في الحرب مباشرة والتي إنتهت بالتدريبات وإستعدادكم بعده للنزول لإجازاتكم ، ماذا حدث وقتها ؟
  • البطل محمد شعنون : ركبنا القطار وقد قاموا بنقل كل معداتنا وأسلحتنا للسويس ، وركبنا القطار على أساس أننا سنقوم بعمل مشروع على الكنال وليس حرب مع العلم أننا كنا نتوق للحرب كما سبق وأن ذكرت .

عند وصولنا وتمركزنا على الجبهة شاهدت سيارة وصلت للموقع 4 باب ونزل منها إثنين من الضباط وقاموا بالنزول إلى الدشمة تحت الأرض ، فقد كنا نحفر ملاجئنا تحت الأرض بطبيعة الحال في المعارك وعند خروجهم من الدشمة بعد قليل وجدت وجوه الضباط قد تغيرت ، هنا أحسست أن الحرب ستقوم وقد نقلت إحساسي هذا لزميلي على المدفع وقلت له أكيد هذا أمر كتابي مهم ، بعدها خرج ضباطنا من الدشم لإعطاء الأوامر ، وهم يقومون بإعطاء الأوامر وجدت الطيران داخلا أربعات .. أربعات .. أربعات ، فقلت لزملائي هذه حرب حقيقية وليست مشروع .. الله أكبر .

 

 

بعدها بدأ العبور ، وكان عبوري من على المعابر التي تم إنشاءها وذلك لأني كنت على مدفع دفاع جوي كما قلت سابقا ، وكان عبوري على سيارة يونيمج روسي مثبت عليها المدفع ومعي كل أغراضي من زخيرة وأكل ومؤن وحتى البسكويت ابو كمون وعلبة الطواريء ، ودخلنا المعركة ، ووصلنا عند أربعة كيلو متر وجاءت الأوامر بالتوقف أسبقية أولى وإحتلال هذا المكان وكان عبارة عن مكان به سكة حديد قديمة يافطة مكتوب عليه 85 إلى ممرات الجدي وكانت مهمتنا إحتلال ممر الجدي ، وكان معنا بالتوازي الفرقة 19 وكانت مهمتها إحتلال ممر متلا ، فقد كنا نعرف مهمتنا ومهمة الفرق القريبة منا وحتى يكون هناك تنسيق ولا يحدث تداخل أو تراشق بالنيران فيما بيننا عن طريق الخطأ مثلا .

كنا في التاسعة مساء عندما وصلنا لهذا الموقع الذي بدأنا نتحصن به بعمل الحفر والتحصينات ومليء شكائر الرمال وانتظرنا أول ضوء في الصباح .

وعند وصولي إلى المكان نزلت وأنا أقول الله أكبر وأخذت أقبل في رمل سيناء من شدة شوقي وحبي لسيناء وإصراري على تحرير أرضها من اليهود .

عند وصولنا وجدنا في المكان أربعة دبابات ، وبدأنا التعامل معهم حيث كانوا بدأوا بالفرار ، فذهب لهم المشاة حاملين الأر بي جي ودمروهم ، وكنت أتابع معهم بمدفعي الجرينوف في إصطياد الجنود الإسرائيليين الخارجين من جحيم الدبابة المصابة وأقتلهم ، اي فرد يخرج من الدبابة بعد ضربها كنت أقتله بمدفعي من بعيد .

 

 

 

عند أول ضوء فوجئت بطيران يأتي على وش الشمس بيلمع ، هنا القيادة نادت بالميكروفون " إيزيز إيزيز " يعني سماع أزيز صوت ، هنا كان لابد أن يكون هناك تنسيق بين المدافع وحتى لا نطلق النيران على بعضنا البعض لأ الطيران يأتي منخفض جدا ونيران مدافعنا تكون بمستواه المنخفض وممكن أن تطال نيراننا المشاة أو تطال أنفسنا وعلى هذا الأساس يكون التنسيق وحتى لا تحدث خسائر بين صفوفنا .

وكان طيرانهم يأتي بهدف إحداث أكبر خسائر في صفوفنا وكنا نتبادل معه إطلاق النيران بهدف إبعاده عن الأهداف ، وقد إستمر هكذا الحال ثلاثة ايام 13 و 14 و 15 اكتوبر كان طيرانهم يأتي منخفضا لدرجة أنك كنت تشاهد الطيار وهو في طائرته عن قرب ، ثم تم حصارنا ، وبعد أن تم حصارنا أصبحنا في مرمى نيران مدفعيتهم لدرجة أنه كان يتم ضربنا بمدفعيتهم من جبل عتاقة حيث كانوا عبروا إلى الغرب واحتلوا السويس ، انا شخصيا كنت أرى الطائرات الهليكوبتر وهي تضع الأحجار التي تم عمل بها الثغرة في الدفريسوار . كما تم ضربنا أيضا من أعلى الممرات بإستخدام المدفعية .

 

 

في الحصار لم توقف الإمداد والتموين وعانينا الجوع والعطش ، وكانت مهمة الفريق الجمسي هي رفع الحصار عنا وإمدادنا بالغذاء ، وكنا نستمع إلى الإشارات التي كانت تحمل هذه المعاني إلى أن تم فعلا السماح بإدخال الأطعمة لنا ، وكانت بكل صراحة أطعمة ولحوم في مستوى فاخر ، أطعمة طازجة وساخنة والمياة أتت لنا في الجراكن .

 

وأود أن اسجل هنا أن الشعب المصري شعب طيب جدا جدا ، فقد كان ملتف حولنا ، وأرسل لنا كل شيء أثناء الحصار ، ولم يكن ينقص سوى أن يخلع ملابسه ويرسلها لنا .

 

احمد بدوي قائد الجيش ألقى خطابا أعلن فيه أنه تم إعفاء المسجونين من العساكر من سجنهم كما أعلن أيضا أن كل جندي سوف يصرف له مبلغ 10000 عشرة آلاف جنيها آتية من الدول العربية ، لم يقل في كلمته أن هذه المبالغ للجنود المتطوعين أو للضباط أو لصف الضباط ، ولكنه قال للجميع ، بعد إنتهاء المعركة ذهبنا لنسأل عن هذا الموضوع فقالوا أن هذه المبالغ مخصصة للعاملين بالقوات المسلحة وليس المجندين ، وقد وعدنا بأن الكل سيكافأ ، الفلاح سيأخذ قطعة أرض والمجند الغير فلاح سيحصل على شقة ولكن كل هذا ذهب أدراج الرياح ولم يأخذ أحد أي شيء .

 

بعد إنتهاء المعركة أخذت إجازة أربعة ايام فكان أن رأيت إستقبال الشعب لنا إستقبال يفوق في روعته أي إستقبال ممكن أن تتخيله ، فقد أتوا من جميع البلاد ليستقبلوا قطارنا ، فقد كان قطارنا مزينا بالورود والخضرة ، وعند دخولنا للقاهرة من عين شمس ، كان الشعب كله يقف على الجانبين يستقبلنا بكل حفاوة ، وكان مشهدا مهيبا لايمكن أن أنساه مادمت حيا ، من روعة الإستقبال صعدت فوق سطح القطار وخلعت الباريه وأخذت ألوح لهم وهم يلوحون بكل حرارة ودموع ، ومن فوق البلكونات أخذوا في إلقاء الحلوى والشيكولاته علينا ، وكنت أبكي بقوة ، هؤلاء هم المصريين ، كانت الروح مختلفة ، المزيكا والفرق الموسيقية من كل مكان ، وفي المحطة كان الإستقبال أروع وأروع .

كانت الحراسة في المحطة تفوق الوصف ، وكنا نمر من بينهم ، وكانت هناك تاكسيات تنقل الجنود متطوعين لا يأخذون أجر ، وقلت للسائق نريد الذهاب إلى الحسين أولا لكي أبدل ملابسي .

 

 

  • تاريخ بورسعيد : وماذا بعد كيف أنهيت خدمتك بالقوات المسلحة ؟
  • البطل محمد شعنون : أنهيت خدمتي في القوات المسلحة في عام 1976 حيث كنت بمعسكر بكسفريت وهو معسكر رياضي تم إلحاقي به بعد المعركة كنوع من الترفيه حتى إنتهاء خدمتي بالقوات المسلحة .

 

  • تاريخ بورسعيد : بعد روايتك لهذه البطولة التي قمت بها ، هل لك مطالب معينة بعد هذه السنوات الطويلة من حرب أكتوبر والإنتصار ؟
  • البطل محمد شعنون : نعم ، أتمنى أن يتم منحي شقة أعيش بها بدلا من هذا الدكان الذي أنام به وهو ليس آدمي ، وهو طلب أعتبره رخيصا أمام التضحيات التي قدمتها للوطن ، فمن غير المعقول أن أصل لهذه السن المتقدمة وأظل أعيش في دكان ليس به دورة مياه أو أي عيشة كريمة ، أنني أطالب الدولة بالإهتمام بي ومنحي شقة أعيش بها المتبقي من عمري أو منحي قطعة أرض صغيرة أقوم بزراعتها وأعيش فيها بدلا من هذا المكان ، وأنا كلي ثقة بأن هذا المطلب سوف يتحقق في ظل وجود السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي .

 

كان معكم في هذا الحوار الشاعر البورسعيد الأستاذ / صلاح طنطاوي ومحمد بيوض

 

 

محمد بيوض

                                                                                    25 أبريل 2015 م.