Posted by Engineer on November 08, 2016

كتب الرفاعي حمادة

 

ونحن نعيش الآن عام ٢٠١٦ تعود بي الذاكرة(لنوفمبر عام ١٩٥٦)أبان العدوانالثلاثي الغاشم على مدينة بورسعيد الباسلة عندما كنت مجندآ للحرس الجمهوري وكنت ضمن القوة المكلفة بحراسة رئيس الجمهوريه"جمال عبد الناصر"رحمة الله عليه انتقل سيادته من منزله" بمنشية البكرى " فى مصر الجديدة إلى مبنى قيادة الثورة

 بالجزيرة منذ أن بدأ العدوان من إسرائيل بتاريخ(٢٩أكتوبر١٩٥٦)تلاه الإنظار الفرنسى البريطاني وهو الإنظار الذى وصفته المعارضة لمجلس العموم البريطاني إنه إنذار سخيف وكان نص الأنظار البريطاني الفرنسي الذي أثار سخط العالم كله يطلب من مصر ما يأتى:

١-تتوقف جميع العمليات الحربيه فى البر والجو.

٢_تنسحب جميع القوات العسكريه إلى مسافة ١٠أميال من قناة السويس.

٣_تقبل مصر إحتلال القوات البريطانية والفرنسية من المواقع الرئيسيه من كل من (بورسعيد،الإسماعلية،السويس).

٤_تجيب الدولتان على هذا الأنظار فى موعد أقصاه الساعة " السادسة والنصف" صباح "الأربعاء"(٣١أكتوبر) أى المهلة كانت (١٢ساعة)فقط 

وإذا لم تتسلم بريطانيا وفرنسا الإجابة فى الوقت المحدد فأنهما تتدخلان بالقدر الذى تريانة ضروريآ لضمان إجابة طلبهما وكان الأنذار سخيفآ يدعو للدهشة حتى لشعوب انجلترا وفرنسا نفسها.

قالت جريدة (ليموند)والفرنسية وهى تصف الأنظار ياللعجب إنذار غريب تتطلب انجلترا وفرنسا من إسرائيل التى أدانها مجلس الأمن بالأجماع أن تضع حدآ للمعركة وإلا يحتل البلد المعتدى عليه وسخر رئيس حزب العمال البريطاني فى مجلس العموم وقال كلمته المشهورة إن الحكومة البريطانية حاولت أن تقضى على العدوان بمساعدة المعتدى عليه وقتل صاحب البيت 

وهب شعب بورسعيد خلف قائده "جمال عبد الناصر" بعد أن أعلن رفض الإنذار 

ولم تنسى شعوب العالم استبسال شعب بورسعيد فى مواجهة المعتدين والغزاه.

 

وأحب أن أشير أنه قد صدرت تعليمات لي بصفتى" حكمدار الحراسة" على بوابة المبنى عند خروج رئيس الجمهوريه للذهاب لألقاء خطابه الشهير فى "مسجد الأزهر" الذى أعلن في خطابه "رفض الإنذار "

وأعلن فيه عن صمود شعب بورسعيد صمودآ خارقآ وبسالة نادرة بعدم تأدية السلام والتحية لرئيس الجمهوريه وقت الحرب وهذا الأمر لم يكن لى علمآ به من قبل وتمت الأستجابة 

وبعد وقف اطلاق النار انتقلنا إلى قصر عابدين وبدأت الحكاية عندما سمعت صوتآ ينادى علي أنه "مراسل البريد" سلمنى خطابآ وارد من الهلال الأحمر يخاطبنى فيه والدي رحمة الله عليه فقرأت الخطاب فوجدت به صياغة أقلقتنى يقول فيها "إبنى السعيد أنت فين عرفنى عنك وعن صحتك"أرجو الإفادة

وتعجبت لهذا الأمر وأحسست أن شقيقى مفقود وجارى البحث عنه فطلبت من وحدتى أجازه للسفر إلى بورسعيد وغادرت القاهرة فى أول قطار يصل بورسعيد بعد انسحاب القوات المعتدية فأسرعت للذهاب إلى المنزل فتقابلت مع والدتى فرحبت بي ترحيبآ شديدآ وحضنتنى وقبلتنى وقالت لي أين أخوك السعيد لماذا لم يحضر معك فقلت لها مين عرفك بأن السعيد عندى قالتلى هما الناس كانوا بيضحكوا علينا هما قالولى إن السعيد عندك فى القاهرة فبدأت أبحث عن أخى فى جميع انحاء المدينة وتوجهت إلى مديرية الآمن فسألت عنه فكانت الإجابة مكتوب فى سجل الخدمات مفقود ومن المحتمل أن يكون استشهد أثناء المعركة فسألتهم سؤالآ عن مكان الخدمة التى كان معين فيها فكانت الإجابة أن الظروف كانت لا تسمح فبدأت أبحث عنه فى جميع المستشفيات ومقابر الشهداء لم أجد له إسمآ 

حتى ملعب استاد النادى المصرى الذى دفن فيه الشهداء لم أجد له أثرآ وتوفت والدتى حزنآ بعد ثلاث سنوات على ابنها الغائب وظل فى مخايلتى طوال خمس سنوات ثم وجدته فى صورة معلقة فى متحف مكتوب فى أسفل الصورة جندى مصرى كان يتولى حراسة القنصليه الايطاليه فى بورسعيد وقت العدوان وذهبت الى مبنى القنصليه وتقابلت مع أحد موظفى السفارة ثم القنصل الإيطالى الذى راوى قصته فى مؤتمر صحفى "وكالة الأنباء العالمية"ومنحنى وثقية كتبها مراسل جريدة "دومنيكا دلكوبر" ثم ذهبت بعد ذلك إلى جريدة "أخبار اليوم"وتقابلت مع عناية "مصطفى شردى"الذى كان يعلم بانى جارى البحث عن أخى و نشر الخبر بتاريخ(١٩٦١/٨/١٢)قال فيه اختفى الأبن خمس سنوات كاملة ثم ظهر هذا الأسبوع فى صورة معلقة فى متحف بورسعيد كلها تذكرت العدوان هذا الأسبوع بسبب هذه القصة عثرت الأسرة الحزينة على ابنها الغائب الابن الذي اختفى منذ خمس سنوات ثم ظهر فجأه .ظهر بالصدفة.ظهر فى صورة موضوعة فى متحف وكان اللقاء عجيبآ.. والأعجب منه قصة إختفاء الابن طوال هذه السنين

وتضمن المقال هذه الوثيقه الدامغة يجب أن يقرأها العالم كله وهذه الصورة الحية يجب أن يضع "إيدن" وموليه" عيونهما فوقها وبعد ذلك سوف يحنيان رأسهما لنا لجندى شريف من جنودانا 

والوثيقة ليستمن عندنا ولا من عند الدول التى وقفت بجانبنا فى معركتنا إنها من ايطاليا

والوثيقة يرويها صحفى من ايطاليا إنه "مراسل جريدة" دومنيكا دلكوبر" الإيطالية فى بورسعيد ولنترك المراسل الإيطالى يرورى الأسطورة الحية بلسانه 

كنت في بورسعيد عندما تحولت سمائها وأرضها الى ألسنة لهيب وأزيز رصاص ودمدمت قنابل حارقة كنت فيها فى هذه الأيام الرهيبة وخفت على عمرى وأسرعت الى دار القنصليه الايطاليه لأحتمى بيها.... وعلى باب القنصليه لمخت جندى مصريآ يقف في ثبات وعلى وجه ملامح جامدة فى يده سلاحه إنه "حارس القنصليه"..

كان الرصاص يرمق من حوله والشظاية والقنابل تنفجر على بعد أمتار منه....

 ولكنه كان ثابتآ جامدآ شاكى السلاح...

وأشفق القنصل الإيطالى على الحارس المصرى البطل فجرج إليه وطلب منه أن يدخل معه ليحتمى من الخطر بمبنى القنصليه..قال له أنه يعفيه من مهة الحراسة ولكن الجندى الشجاع رفض أن يتخلى عن واجبه وقال القنصل الإيطالى هنا مكانى ولن أغادره أبدا.....!

******

وأشتدت نيران المعركة ..

وارتفعت ألسنة اللهب فى كل مكان..

وامحيت أحياء بأكمالها على أرض بورسعيد وسقط الشهداء بالمئات...

وخرج القنصل الإيطالى ومعه مراسل الصحيفة الإيطاليه يتفقدان أثار المعركة ..

وعلى باب القنصليه تسمرت أقدامهما وقد كان المنظر قاسيآ "جليلآ" منظر الحارس المصرى البطل. وقد تمدد جسده على أرض بلا الحياة بركة من الدم الأحمر لم تجف....

أما يده اليمنى فقد كانت تقبض فى اصرار على سلاحه.!

********

إنها وثيقة حية صارخة..

وثيقة تشهد بأننا فى أحلك ساعات المعركة لن ننسى واجبنا نحو ضيوفنا من الراعايا الأجانب..

وثيقة تشهد لنا بالشرف.والبطولة.والفداء..

وبعد ذلك يقولون أننا نسئ معاملة الرعايا الأجانب 

أشهد أيها العالم.