Posted by Engineer on April 21, 2012

 

كتب محمد بيوض : الزمان - مايو 1894 ، المكان - ميناء بورسعيد ، واليوم وبعد هذه السنين الطويلة نتحدث عن صفحة مطوية في تاريخ بورسعيد بل وتاريخ مصر الحديث لم يكن يدري عنها أحد ولا يذكرها أحد إلا نادرا جدا ، إننا اليوم نتحدث عن " الفحامون " الذين شكلوا الطائفة الأهم في بورسعيد بحكم المهنة التي استمر هذا الميناء يقوم بها ..تموين السفن العابرة لقناة السويس , وكانت في اغلبها بخارية تعتمد على الفحم في تسييرها .

في رسالة علمية أعدت عن تاريخ الحركة العمالية في مصر أرخ صاحبها أستاذ التاريخ الدكتور/ رءوف عباس لمولدها بعام 1899 , وكان دليله على هذا المولد إضراب لفافى السجاير الذي حدث أواخر تلك السنة في القاهرة .

بيد أن صاحب هذا العمل كان فطنا حين تحفظ بالقول أن ( عملا جماعيا كهذا لابد أن يكون مسبوقا بتجارب صغيرة تلقى قيها العمال دروس تنظيم العمل الجماعي الأول ).

وقد أثبتت جريدة الأهرام صحة هذا التحفظ في رصدها لإحداث اعتصام الفحامين في بورسعيد , قبل خمس سنوات من التاريخ المفترض لمولد الحركة العمالية في مايو 1894 .

وفى رسالة طويلة لوكيل الأهرام في بورسعيد نشرتها الجريدة في صدر صفحتها الأولى في 24 مايو عام 1889 قدم صورة تفصيلية عن هؤلاء . ونستأذنكم في أننا سوف نستعير الكثير من مصطلحات اللغة العربية التي كانت مستخدمة في ذلك الزمان لرسم الصورة كما رسمتها جريدة الأهرام الغراء ولكي نعيش الجو العام معهم في تلك الأيام! كما نعتذر عن أن الموضوع طويل نوعا ما ، ولكن هكذا كان الحدث طويلا أيضا .

ينقسم الفحامون إلى طائفتين , طائفة " البنوكة " وطائفة " التفريغ " , تضم الأولى ألف وخمسمائة عامل يرأسهم ثمانية أشخاص أسم كل منهم " الكوماندا " وعملهم نقل الفحومات من البر إلى الوابورات ورصفه فيها .. والشغل يكون بالمناوبة اذ لا يمكن تشغيل عموم العمال ورؤسائهم دفعة واحدة .

الطائفة الثانية هي طائفة مؤلفة من ما بين ثمانمائة وألف عامل يتناولون العمل بشروط الطائفة الأولى ويترأسهم ما بين 16 و 22 كوماندا .

 


قدم وكيل الأهرام في بورسعيد بعد هذا الرصد صورة لحياة الفحامين من أبناء الطائفتين و أنهم " واقعون في مخالب الأطماع وحقوقهم مدوسة من المستبدين بهم .. ولا يجسرون على رفع تنهداتهم والشكوى بمراراتهم لأنهم كعبيد أرقاء .. وإذا تأملنا لا نرى إلا إشارات الشقاء على وجوههم المصبوغة بغبار الفحم حتى انك لا تميز الزنجي من ابيض البشرة منهم وترى القذارة منهم على أجسام نحيلة ليس عليها إلا بقية أثواب بالية "

و ينتهي المكاتب هذا التوصيف بتحذير مشدد من حال هؤلاء ويتوقع انه اذا لم يبادر المسئولون لإصلاح الأمور بحدوث مضاعفات " وان غدا لناظره قريب " على حد ما جاء فى أخر المقال .

ومع أن هذا الغد لم يأت إلا بعد خمس سنوات بالضبط ( مايو 1889 – مايو 1894 ) الا انه قد جاء على اى الأحوال وصنع هذه الصفحة المجهولة من تاريخ الحركة العمالية المصرية .

 

تؤكد متابعة الأهرام لاعتصام الفحامين انه خلال تلك السنوات الخمس بدلا من أن تسير أحوال أصحاب هذه الحرفة في بورسعيد الأسوأ , ولنا هنا ملاحظة على تلك المتابعة .

فبينما كان للصحيفة مكاتب (مراسل ) مقيم في الميناء الشهير إلا أنها اعتمدت في متابعتها لأخبار هذا الاعتصام عمن أسمته " أحد القراء " الذي استمر يمدها برسائله , أرخ أولها يوم 22 مايو وأخرها أول الشهر التالي , ونرى أن هذا القارىء ان لم يكن واحدا من الفحامين فقد كان على الأقل احد أبناء المدينة المتعاطفين معهم , مما يمكن تبينه من الطابع المؤيد لهم الذي غلب على رسائله .

تدهور أحوال الفحامين يبدو من صورة شديدة الإنسانية قدمها هذا القارىء الاهرامى وهو تدهور ناتج عن تحكم " الكوماندات " في عيش هؤلاء , ونترك لصاحب الصورة تقديمها .. فبعد أن تحدث عن نهب هؤلاء لعرق العمال انثنى ليتحدث عن وسائل تحكمهم فيهم , قال :

" إن هؤلاء الرؤساء لم يقتصروا على هذه الأرباح السيالة المنحدرة من جباه عملة المشار إليهم بل أنهم جاوزوا الحدود فى الاستيراد والكسب المحرم ولم يبقوال ولم يذروا فكل رئيس فتح حانوت أنسجة لعملته (لعماله) وأجبرهم بشراء كل ما يلزم لهم ولعائلاتهم من الملبس منه وذلك بأثمان مضاعفة ترزح تحتها ظهور الموسرين ومن لم يطع وطرد واهين وحل عشرة رجال في مكانة .. وبعضهم قد فتح قهاوى للعملة (للعمال) وشرفهم بان اخذ ثمن الفنجان مثل ما يؤخذ من الكبراء والأفندية في قهاوى البحر وبعضهم قد اتفقوا مع البدالين والجزارين على أن يعطوا اللحم وأنواع المأكولات للعملة بالثمن العادي وهو يحاسبهم بثمن أخر , وفى أيام الأعياد يكرهون العملة على شراء الملابس الحريرية من حوانيتهم ..

والخلاصة أنهم لم يتركوا شيئا يشترى ويؤكل ويكون لازما للمعيشة إلا جلبوه .. ولم يعد ينقصهم إلا أن يبيعوهم الهواء الذي يستنشقونه وليته كان نقيا وليس ممزوجا بغبار الفحم " .

ويقرر صاحب التقرير أن هؤلاء الرؤساء قد تمكنوا من خلال كل تلك الأساليب أن يمتلكوا أكثر من نصف حي العرب فضلا عن القصور والبيوت الكبيرة التي ابتنوها لأنفسهم , وهم قد نجحوا في إعادة زمن العونة – السخرة – التي أبطلتها أحكام هذا الزمان العادل .

 

" غدا لناظره قريب " الذي توقعه وكيل الأهرام في بورسعيد جاءت أول أخباره في عدد الصحيفة الصادر يوم الثلاثاء 22 مايو عام 1894 ومن مكاتب العاصمة مما يكشف عن أن حادثا كبيرا قد جرى في الميناء الشهير وأحدث " تأثيرا كبيرا فى العاصمة " على حد تعبير المراسل .

الحادث كما ساقته الأهرام الذي جاء في " إفادة رسمية من سعادة المحافظ أن الفحامين الذين اضربوا عن الأعمال حاولوا إيقاف إخوانهم عنها فحدثت لذلك مناوشات خفيفة في أثناء الليل "

معنى ذلك ببساطة أن أعمال الاعتصام كانت قد بدأت قبل النشر بما لا يقل عن ثلاثة أيام . إضراب .. خروج عدد من العمال عن إجماع المضربين .. تدخل البوليس والقبض على آخرين .. ولم يمثل مل ذلك إلا بداية اعتصام الفحامين ..

 

في اليوم التالي يخصص مكاتب الأهرام في العاصمة جانبا هاما من رسالته لتقصى أسباب الإضراب , ويبدو أن من رأى ليس كمن سمع , فقد ثبت فيما بعد من رسائل قارىء الأهرام في بورسعيد عدم دقة ما توصل إليه مكاتب العاصمة .

المهم أن صاحبنا المقيم في المحروسة قد ذكر أن سبب الإضراب أن المحافظة قد أصدرت لائحة لضبط عمل الفحامين بإجبار الكوماندات على " فتح دفاتر ذات حسابات مضبوطة يقيدون فيها يومية كل فاعل وما له وما عليه بحيث يمكن الحكومة من مراقبة تلك الحسابات للاستيثاق من صحتها ومن كيفية معاملة المشايخ للأنفار " .

 

ويخلص من ذلك إلى القول أن الكوماندات الذين يحققون أرباحا فاحشة . والذين استاءوا من هذا الإجراء هم الذين حرضوا بعض الحمقى من رجالهم للإضراب عن العمل " .

بعد يومين تنشر الأهرام أولى رسائل القارىء البورسعيدي الذي قدم أسبابا مختلفة جد الاختلاف عن أسباب مكاتب العاصمة .

وكانت أكثر معقولية . وان كانت متصلة أيضا بالعلاقة بين الكوماندات والفحامين ..

يقول أن تلك العلاقة كانت في أول الأمر تحت سيطرة المحافظة وكانت دفاترهم أميرية تقيد فيها أسماؤهم وتدفع إليهم أجورهم بالضبط . ثم يضيف انه لسبب غير معلوم وبعد مداولات جرت بين المحافظة وشركات البواخر " ترك العملة ورؤساؤهم لشانهم يديرهم .

هؤلاء كيف شاءوا , وان الآخرين أخذوا في جنى أتعاب الفحامين " غنيمة باردة لا يراعون ذمة ولا حرمة واستأثروا بهذه الأعمال استئثارا تاما واحتكروها احتكارا عاما " , وان ما انزلوه من مظالم كان وراء اعتصام العمال ..

وكانت مطالب الفحامين بسيطة ومحدودة : وهى " أن تصنع وسيلة يصيرون بها قادرين على اخذ أجورهم من المحافظة كما تؤديها الشركات والمصارف وان يكون عليهم مثل هؤلاء الرؤساء الظلمة فلو أبدلتهم الحكومة بعمال من عندها لكان ذلك أرفق وأوفق "

ويقر صاحب الرسالة بعدالة مطالب الفحامين وأن " كل العقلاء يجدون هؤلاء العملة مصيبون كل الإصابة ولا يرون مانعا يمنع الحكومة عن تلبية ندائهم بأقرب ما يكون قبل أن يستفحل الاعتصام " .

ومن المتابعة التي قدمها قارىء الأهرام يلاحظ أن الفحامين بعد أن قدموا مطالبهم امتنعوا عن العمل الأمر الذي جذب اهتمام أهل المدينة الذين " ذهبوا أزواجا وأفواجا للتفرج على اجتماع العملة وقد غسلوا وجوههم ولبسوا أنظف ما عندهم وعقدوا الجلسات المتوالية في الشوارع وعلى شاطىء البحر والبحيرة وقرب الميناء "

التطور الذي حول الاعتصام السلمي إلى عمل عنيف نتج عن خروج عدد من الفعلة عن إجماع المتعصبين مما رصده قارىء الأهرام الذي اخذ على عاتقه إطلاع القراء على بقية مجريات الأحداث ..

رصده في المرة الأولى في الرسالة التي نشرتها الصحيفة 25 مايو وجاء فيها أن الفحامين الذين نزلوا إلى العمل ليلة الأحد " لم يعودوا يستطيعون العودة إلى المدينة خوفا من أن يبطش بهم رفقائهم ولذلك فقد اجبروا أن يبقوا على بر أسيا ( بورفؤاد فيما بعد ولم تكن موجودة في ذلك الزمان ) وقد جاعوا وعطشوا وأصبحوا بلا مأوى وتركوا عائلاتهم تتضور جوعا في حي العرب وقد سمعت أن الشركات بعثت بالمأكولات ريثما يسفر الاعتصام عن نتيجة . ورجال البوليس خائفون من حصول هياج إذا رجع هؤلاء العملة إلى البر "

 


ورصده المرة الثانية في عدد الأهرام الصادر بعد أربعة أيام , حين وصل العنف إلى ذروته , ففي ذلك اليوم احتاج " بنك ورمس " إلى عدد من العمال لتموين بواخره الراسية في الميناء فنزل رئيسه " المسيو روييه " إلى حي العرب وجمع نحو خمسين عاملا وذهب بهم إلى الميناء تحت حراسة البوليس فكانت الواقعة بعد ذلك , ونترك للرجل روايتها ..

فقد تبع هؤلاء سيل جارف من المعتصمين " واخذوا الحجارة في جيوبهم و ملأوا بها زعابيطهم حتى بلغوا بنك ورمس الواقع بجوار البوسطة واخذوا يضربون بها الشرذمة النازلة للعمل وقد طارت عقولهم وطاشت أحلامهم فجرحوا كثيرين وكسروا نوافذ البنك .أما المسيو روييه والعمال فدخلوا واقفلوا الأبواب و القواس ( الحارس ) البربري هو الذي بقى وحده خارجا فرجموه بالحجارة رجما حتى أثخنوه جراحا وحينئذ أتت العساكر منهالة من كل صوب ففرقتهم بالعصي وبالضرب وأطلقت في الهواء بعض عيارات نارية تخويفا لهم وكان قد اتى سعادة المحافظ وعزتلو الوكيل والحكمدار فاستتب النظام وتفرق شمل المتجمهرين .

وليس من شك أن بورسعيد باتت في ليلة يوم الجمعة الذي جرت فيه تلك الأحداث , وقد اخذ القلق بتلابيب الجميع لان الأمن مس مسا ظاهرا في ذلك المساء ولا نعلم ماذا يكنه الغد , وقد جاء هذا الغد بتطورات بعضها لم يكن متوقعا , وبعضها كان في الحسبان .

ما لم يكن متوقعا أن تتحول قضية إضراب ألفين وخمسمائة عامل مصري ليس فيهم اجنبى واحد في قضية دولية تتدخل فيها أساطيل الدولتين الكبيرتين في ذلك العصر .. انجلترا و فرنسا , ولكنه حدث ولأكثر من سبب ..

فمن ناحية كان إضراب الفحامين يمكن أن يهدد الملاحة عبر القناة فيما يمس المصالح الإمبراطورية البريطانية , ثم ان تعطيل الملاحة سيؤدى من ناحية أخرى إلى تهديد قناة السويس نفسها فيما يمس المصالح الفرنسية .. ومن ناحية ثالثة فان هذا التميز الذي عرفته بورسعيد منذ نشأتها بين حي للعرب وأخر للإفرنج كان يمكن أن يتحول , فيما تصوره المسئولون في لندن وباريس , إلى تهديد لحياة وأملاك من يعيشون في الحي الأخير .. من الأجانب طبعا .

 

بدا هذا التدخل فيما رصده " قارىء الأهرام " يوم الخميس 24 مايو حين تحركت المدرعة البريطانية الراسية في الميناء , ونزل منها عدد من العساكر شاكى السلاح ليوقف هياج العملة وشاع عن لسان قنصل إنكلترا هنا انه إذا لم يمتثل العمال لأوامر جنوده لم يبق عليهم إلا إطلاق النار ترهيبا وتخويفا ..

وبعد إن كانت الدارعة المشار إليها راسية بعيدة عن المدينة اقتربت حتى كادت تمس الشاطىء وحتى صرنا نرى العساكر فيها و نسمع صليل سلاحهم ونرى بريق سيوفهم .

يضيف الأهرام في اليوم التالي خبرا مؤداه أن المدرعة البريطانية التي دنت من الشاطىء مجرورة بباخرة لم تقدم على ذلك إلا بعد أن وردت إليها أوامر صريحة . وان قائدها أرسل إلى المسئولين عن الأمن في المدينة يبلغهم باستعداده للمعاونة إذا ما دعت الحاجة .


في نفس الأثناء أرسلت فرنسا إحدى قطع أسطولها في المتوسط , الطراد كوسماو , والذي رابط في المياه المواجهة للميناء , جنبا إلى جنب مع المدرعة البريطانية .

بينما ألقت الأهرام اللوم على السياسات الإنجليزية التي أدت إلى هذا الموقف وان الفرنسيين لم يرسلوا بقطعتهم البحرية إلا من جراء المخاوف أن يستولى الإنجليز " على باب ترعة السويس (قناة السويس) على غفلة " فإنها أعربت عن مخاوفها من تلك التطورات فيما جاء في قولها أن " مسألة الفحامين من المسائل التي تستوجب الالتفاف لما يترتب عليها من الأمور المضرة فضلا عن إن هذه المسألة ربما اعتبرت سياسية ممن يترقبون وقوع مثلها والدليل على ذلك حلول مدرعتين حربيتين إنكليزية وفرنسية لمساعدة رعاياهما و المحافظة على حقوقهما "

ومع أن القطعتين البحريتين الإنكليزية والفرنسية لم تتدخلا بشكل فعال في أحداث الاعتصام إلا أن مرابطتهما في مياه مدينة الفحامين والقومبانية – الشركة - كما كانت له دلالته كان له تأثيره على محاولات تسوية القضية فيما كان يجرى إبان ذلك .

 

سارت هذه المحاولات على محورين التهديد والترضية ..

التهديد بدا في دفع مزيد من قوات الشرطة إلى المدينة , وفى أخبار متلاحقة عن وصول قيادات الداخلية من الإنجليز مثل كولس باشا وستل باشا , على رأس أعداد وفيرة من رجال البوليس , أما الغرض من كل هذا التجنيد والتأهب فهو إلقاء الرهبة في قلوب عمال الفحم وحملهم بالقوة الإجبارية على العودة إلى العمل .

أما الترضية فقد بدت في الخطاب الذي وجهه " محافظ عموم القنال " إلى الفحامين وجاء فيه قراران , اولهما : بمنع الكومندات من فتح دكاكين خصوصية وإجبارهم على " اخذ شيء منها لا مأكولات ولا ملبوسات ولا خلافها .. وكل من يخالف يصير رفعه من الأشغال , والثاني بأجراء مراجعة دفاتر حسابات الكومندات بانتظام والتحقق من إيصال المبالغ التي تستحق لكل منهم بالكامل " بدون حجز شيء منها " .

ولم ينس المحافظ في هذه المناسبة التلويح بما يمكن أن يصيب الفحامين الذين يرفضون التسوية , بالتخويف بمواجهة البطالة إذ ينوى أصحاب محال الفحم " إحضار عمال من الخارج بدلا منكم " وان الحكومة سوف تعاملهم باعتبارهم متشردين " وسوف تتخذ طريقة لحضور وابور كبير لسفر كل من توقف منكم به بحرا مع عائلته ".

 

جاءت ردود فعل سريعة على القرار السابق لمحافظ القناة والذي أسمته الأهرام " بلائحة ماهر باشا " خاصة بعد نشره في الوقائع المصرية " وكانت في مجملها سلبية .

بعض ردود الفعل هذه جاءت من حيث لا يحتسب .. من شركات البواخر التي عضد رؤساؤها الكومندات وخطأوا الحكومة " على تركها العمال يتعصبون ويعطلون مصالحها وهم يشددون النكير على سعادة المحافظ لسنه تلك اللائحة وذهب إليه وفد منهم وبينوا له العواقب الوخيمة على الحكومة إذا رفعوا القضية عليها وطالبوها بالتعويض .

البعض الأخر جاء من جانب الفحامين الذين استمروا في المطالبة باستبعاد الكومندات الذين أذلوهم وان تتولى الحكومة ترتيب أجورهم ليتسلموها منها مباشرة بعد أن تخصم النسبة التي تراها , و يصف مراسل الأهرام تصرف هؤلاء بأنهم " تفرقوا ضاحكين مستهزئين بالقرار يقولون أننا نفضل السفر إلى بلادنا على الرضي بهذه الشروط المجحفة .

في مواجهة ذلك لجأت الحكومة إلى سياسة العصا الغليظة بمداهمات لبيوت الفحامين الذين قادوا أعمال الاعتصام حيث قبض على خمسة وعشرين منهم بعد مناوشات خفيفة وأودعوا السجن وبدأ التحقيق معهم " وشهدت الأيام التالية مزيدا من أعمال القبض على الفحامين وان لم تبين الأهرام عددهم , ويبدو انه كان كبيرا فيما كشف عنه خبر للجريدة في أول يونية . جاء فيه أنهم قد أرسلوا تحت الحراسة ليسجنوا في احد سجون الحكومة إذ أن سجن الثغر لا يسعهم لكثرة مسجونيه .

وقد استغرق الأمر بعض الوقت ليعود الهدوء إلى المدينة , فبعد أكثر من أسبوعين اعترف مراسل الأهرام في بورسعيد لأول مرة منذ حدوث الاعتصام أن المدينة " أصبحت على ما يرام من الهدوء والنظام " , ولم يبق بعد ذلك سوى ذيول الاعتصام ..

أحد هذه الذيول متعلق بالفحامين " الذين لا شغل لهم وقد استدعوا للمحافظة " وتقرر إرسالهم إلى بلادهم على نفقة الحكومة , أما الذين لم يحضروا منهم فسيأخذون علامات متشردين ويحاكمون أمام المحاكم " .

ذيل أخر بالمعتصمين الذين ألقى القبض عليهم وصدرت في حقهم أحكام متفاوتة لا تتجاوز بضعة اشهر , وناشدت الأهرام الحكومة أن يكون هؤلاء أولى بعدالتها " بان تصفح عنهم وقد انتقتهم من عدد عظيم أمسكت بينهم الأثيم والبريء "

ذيل أخر بدا في المخاوف التي استمرت تساور السلطات من عودة الفحامين إلى أعمال الإضراب وهى مخاوف نجد صداها في خبر في الأهرام بعد نحو عام من الاعتصام الكبير .. الخبر في 19 مارس عام 1895 . وجاء فيه من مراسل الجريدة في بورسعيد أن " اعتصام عمال الفحم عندنا عاد خياله طارقا وتفصيل ذلك أن بعض هؤلاء العاملين أرادوا منع العاملين من مباشرة أعمالهم فحضر حكمدار البلدة تصحبه فرقة من البوليس ففرقوا المتجمهرين في الحال دون أن يحدث شيء "

بيد ان هذا " الخيال الطارق " الذي استمر يؤرق المسئولين اخذ يلوح في غير بورسعيد , ومن عمال اللفائف – السجائر – الذين قدموا يوم 18 يونيو 1894 عريضة وقعها نحو 4500 عامل يشكون من " تخفيض أجرة هذه الحرفة وإذلال أصحابها " ويشير الخبر في نفس الوقت الى ان هؤلاء قد قاموا باعتصامات عديدة من قبل , الأمر الذي يؤكد أن ثمة صلة بين اعتصام الفحامين واعتصامات اللفافين التي انتهت باعتصام الميلاد .. اعتصام عام 1899

 

وهكذا ستظل بورسعيد منفردة ومتفردة بأحداثها ومواقفها في التاريخ المصري الحديث .. ولم لا ؟ أليست هي البتول .

محمد بيوض 

                                                                                    أبريل 2012م.