Posted by Engineer on June 04, 2012

 

كتب : محمد بيوض  كنت أجلس في جلسة جمعت الأصدقاء من مختلف الأعمار ، وتطرق حديثنا بمناسبة ذكرى الخامس من يونيو وحينها سألت صديقي الذي يكبرني بعشرين عاما عن ذكرى الهزيمة قال : !!! في الثامنة صباحا كنت اعبر الشارع الواصل بين العتبة و ميدان الأوبرا .. ذاهبا اجدد اشتراك الأوتوبيس ..

طالبا كنت في الهندسة وقتها ..الموضة في تلك الأيام استبدلت الراديو الترانزيستور الصغير الأتي مع جنود و ضباط حرب اليمن ليتعلق في يد كل المصريين شبابا و شيوخا بدلا من محمول هذه الأيام .. كل من كانوا في الشارع في هذه الساعة كانوا يلصقون آذانهم بهذا الجهاز الصغير و يديرون المؤشر نحو صوت العرب الإذاعة صاحبة الشعار  : 

 

  "باقي 24 ساعة و ندخل تل أبيب"... أصوات المذيعين المنبعثة من عشرات الأجهزة تعلن في تحد و فخر أننا حتى الآن قد أوقعنا عدة عشرات تقترب من المائة من طائرات العدو... تقولي عصافير و لا بط الفيوم في موسم الصيد... ضحك ضحكة عالية... و أضاف أنا اضحك لأنني كلما تذكرت كم الفرحة و الزهو الذي تملكني لحظتها ثم تلاشي و انقلب إلى نقيضه بمجرد عودتي المنزل و تحول مؤشر الراديو عندنا إلى لندن في المساء.. و ذهولي بين ما اسمعه في الإذاعة المصرية و ما تؤكده لندن من أنها الهزيمة المطلقة .. المدوية و السريعة و كيف أن المصريون يفرون تاركين في الصحراء كل معداتهم و أننا لم نعد نملك من سلاح طيراننا شيئا يذكر  .

بعدها و بعد ما تأكدت الكارثة .. في أواخر شهر أغسطس، كنت استقل أتوبيس النقل العام الذي يقلني من سكني بمصر الجديدة إلى العباسية .. و نمر بما كان يعرف بصحراء مدينة نصر .. و طريق صلاح سالم الذي لم يكن معمورا .. و حيث تقع اليوم عمارات العبور و بانوراما أكتوبر و دار المدرعات .. كانت ثكنات الجيش ممتدة بطول هذه المنطقة .. و أمام إحدى المحطات وقف جنديان ..من الطبيعي أن يقف الأتوبيس أمامهما .. الشارع فاضي بل خالي بالمرة .. إلا انه وقف بعيدا عن المحطة بما يقرب من الخمسين مترا .. و صعد الجنديان و هما ينهجان من الجري وراءه .. و إذا بالسائق يضحك بشكل هستيري و يقول:

"معلش يا دفعة .. أنا قلت أمرنكم أنكم تجروا وراء حاجة بدل ما تجروا من حاجة و اهو كله بفايدة"
لا اعرف ماذا كان يمكن أن يشعر به هذين التعيسين .. إلا أن يكون الحزن و الخجل قد مزق قلبيهما ؟!!

حنظل في حلوقنا طعم الهزيمة، مالحة في فمنا .. حزينة هي الأيام التي لونت زجاج نوافذنا بالأزرق الداكن فحجبت الشمس و أقامت تلك الجدران أمام بوابات المنازل .. تسجن خلفها أحلام موءودة..
تسحبنا دوامة الانكسار .. نفقد إحساسنا بذواتنا بعد أن كدنا نصدق أن شأننا مهم و مؤثر كباقي الأمم ..
و أننا نمثل ثقل ما .. بعدم انحيازنا الإيجابي المزعوم و نستطيع أن نتحدى و نجأر بهذا التحدي .. غير أن للتحدي شروط أخري غير البلاغة اللفظية و النوايا الحسنة.

تبلعنا آلة الزمن بسرعة جنونية إلي الوراء فكرا لنلوذ بأمجاد الماضي البعيد من الحاضر غير السعيد و نصبح أسري لكل ما كان أيا ما كان ..حتى لو كان تقمص حياة البدو في مجاهل الصحراء و يصير "كان" هو فعلنا الأوحد.

توقظ الهزيمة من الماضي السحيق دراويش يلوحون بعلم الهوية الممزق وتبطل من الآن فصاعدا مشروع القومية العربية و الوحدة التي لا يغلبها غلاب والوطن الأكبر و الظافر و القاهر...........
الخ .....الخ..... الخ

نظرت لصديقي وتأملت عيناه وكأن الماضي السحيق يقف أمامه رجل فتي ، وتذكرت بدوري هذه الأيام التي كنت اراها بعيون صغيرة ، وشكرته على وقته بعد أن بهتت ذكرياته على ذكريات عقلي الذي كان صغيرا أيامها ، وترقرقت عيونه بدموع لا يراها إلا من عاصر هذه الأيام الحزينة .

 

محمد بيوض

يونيو 2012