Posted by Engineer on June 27, 2012

 

    كتب محمد بيوض : منذ نشاة بورسعيد وقد إهتمت شركة قناة السويس على أن تقوم المباني والمساكن والمحلات في المدينة وحتى العشش التي في قرية العرب على أساس من التنظيم الجيد وأن لايخرج أي من منها عن الخطوط التنظيمية والتي كانت قد وضعتها على خرائط تفصيلية .

وبطبيعة الحال فقد حدثت تجاوزات من الأهالي في البناء حتى في العشش ، إلا أنها – شركة القناة – كانت تتدخل لدى محافظة بورسعيد لإزالة تلك العشش والخروقات في البناء والعودة مرة أخرى للبناء حسب التنظيم التي قامت بوضعه . ولذلك فقد كان لزاما على أي من يريد البناء سواء في المدينة أو في قرية العرب الحصول من شركة القناة على ترخيص خاص دون الحاجة أن يحصل على إذن أو ترخيص من الحكومة المصرية أو من المحافظة ، وهذه إشارة إلى أن شركة قناة السويس بوضعها وهيمنتها على مدن القناة أنها أصبحت دولة داخل الدولة المصرية .

وكانت الشركة مسئولة عن شوارع بورسعيد حيث كانت تقوم بتحصيل مبالغ مالية على نحو مثلا : ستة قروش عن كل منزل في المدينة تحته مطعم ، وخمسة قروش عن كل دكان ، وقرشين ونصف القرش عن كل عشة بقرية العرب في سبيل إستخراج ومنح التصاريح اللازمة . كما كانت تقوم بتحصيل مبالغ أخرى ممن يرغب في البناء في أماكن تتطلب منها القيام بردم الأرض وإعدادها للبناء ، وغالبا ماكانت هذه الأراضي من أملاك الحكومة ، وقد إستسلمت الإدارة المصرية للأمر الذي أصبح واقعا ولما تقوم به الشركة . كما إنصاعت الحكومة والإدارة المصرية لأوامر الشركة في التنظيم وأمرت الناس بأن يراعوا تنظيم الشركة كما وضعته .

 

 

وقد إتصفت شوارع بورسعيد وطرقها بأنها كانت متوازية ومتقاطعة مع بعضها ، كما إتصفت بالإتساع عن مثيلاتها بمدن القناة ، فقد كان عرض الشوارع بها ثلاثين مترا والطرق ما بين إثني عشر وخمسة عشر مترا والحارات ما بين تسعة وعشرة أمتار . وشوارع بورسعيد وطرقها الرئيسية تخرج من رصيف أوجيني الذي يحد مدينة بورسعيد من الشمال متعامدة عليه وهي ثلاثة شوارع رئيسية موازية لمحور قناة السويس ، وقد أطلق على هذه الشوارع أسماء أجنبية ، فحمل الأول إسم كانبير (الجمهورية الآن) والثاني سيري (شارع رمسيس الآن) ويخترق هذا الشارع ميدان دليسبس (ميدان المنشية الآن) وهو النقطة المركزية للمدينة ويمتد الشارع إلى الورش (الجمرك حاليا) والثالث الأرسينال (صلاح سالم الآن) ويتوقف عند الورش (الجمرك حاليا) ، كما وجدت شوارع أخرى رئيسية عديدة أقل أهمية يزيد عرضها عن خمسة عشر مترا وتخترق المدينة بنفس الإتجاه من الشمال إلى الجنوب .

 

ولم يوجد ببورسعيد شوارع في الإتجاه من الشرق إلى الغرب متعامد على القناة وموازي لرصيف أوجيني حتى عام 1875 بإستثناء شارع واحد فقط عرضه ثلاثون مترا وهو شارع دليسبس (الثلاثيني أو سعد زغلول حاليا) الذي يمتد من الميناء حتى قرية العرب . أما الشوارع الباقية فعرضها خمسة عشر مترا ، وبذلك فإن المدينة إكتسبت طابعا أوروبيا خالصا في تخطيطها وتنظيمها على نسق المدن الفرنسية ، وكان النصف الشمالي منها القريب من البحر أكثر إزدحاما من النصف الجنوبي .

وكان إطلاق الأسماء الأجنبية على الشوارع والميادين بمبادرة من شركة القناة دون مشاركة الإدارة أو الحكومة المصرية فيها ، وكان دليسبس يقيم إحتفالات خاصة لهذه المناسبات ففي 25 أبريل عام 1872 وهو ذكرى إنشاء المدينة أقام إحتفالا لتسمية بعض الشوارع والطرق وابدى رغبته في إطلاق أسماء الأشخاص الفرنسيين والأجانب الذين إشتركوا معه في أعمال القناة ، وقد سمح له الخديوي بذلك وأمر محافظ بورسعيد بعدم الإعتراض على ذلك وان يعين مندوبا من المحافظة ليثبت اللوحات الخاصة بهذه الأسماء على الشوارع .

وقد أضيف إلى جمال بورسعيد وتحضرها وبهجتها إنارتها بالغاز ، ومما لاشك فيه أن سكان مدينة بورسعيد قد عاشوا أحلى أوقاتهم يوم أنيرت شوارع وطرق المدينة . وكان ذلك حدا فاصلا في تاريخ المدينة فقد تخلص سكان المدينة من حمل الفوانيس ليلا وكذلك المرافق والمباني من تلك الفوانيس التي كان يجب على أصحابها إضائتها ليلا لتحل محلها الإضاءة بالغاز .

 

 

المصدر: كتاب بورسعيد تاريخها وتطورها للدكتور زين العابدين شمس الدين نجم

محمد بيوض

يونيو 2012