Posted by Engineer on December 14, 2009


قليلة هي اللحظات الجميلة في حياتنا‏,‏ ورغم أن الأشواق هي المحرك الأول للخلاص من حالات السكون المجدية‏.‏ الا أننا في وقت حالك سقيم انزرع اليأس في قلوبنا وشعرنا بجفاف الشوق في حلوقنا‏..‏ لقد كنا نشتاق الي الحرية‏,‏ وبذلنا لها دمنا رخيصا زهيدا فأطاعت‏,‏ وذقنا حلاوتها ـ ولكن للحظات قليلة ـ فعرفنا أن الذين فقدنا غاليا وثمينا‏,‏ وآلاف الشهداء بل الملايين ليسوا بكثير عليها‏.‏

 

وتجرعنا مرارة الفراق‏..‏ فراق الحرية زمنا طويلا‏,‏ ولقد كنا نشتاق الي العدالة وذقنا حلاوتها‏,‏ وحينما ضرب الظلم بأجنحته في هذا الجسد الضعيف‏,‏ فقدناها‏,‏ ولم نجد في كل عصر من عصور الإنسانية الا جلادين ظلمة أخضعوا الإنسان لجبروتهم‏,‏ وظل الناس في غفلة من أمرهم لا يذوقون طعم العدالة الا في لحظات نادرة‏.‏

 



ووسط هذا الحشد من الأحزان المتكررة‏,‏ والصروف المعاودة كان الإنسان العربي يتذرع بالصبر‏,‏ ويتحلي بالرضا‏,‏ ولو جلسنا نحصي الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل أن تسود الحرية والعدالة أرض العرب‏,‏ لجئنا بمداد البحر مددا‏,‏ ولو أننا قرأنا قصة كل شهيد من هؤلاء‏,‏ لعرفنا أن تضحيته كانت أسمي من أي شيء في الوجود وأن ماخطه في صفحة الزمن خالد بدوام الحياة‏.


لقد كان لكل منهم عنوان متفرد من الحياة الجميلة يعقد عليه الأمل الحلو‏,‏ فمنهم من كانت تنتظره‏,‏ عروس صابرة علي حبها ومنهم من أسلم قصة حبه لأوراق الرسائل لتحمل أشواقه الدائمة للحياة ومنهم من كانت تنتظره أمه وقد أصبح فؤادها فارغا لا يربط عليه إلا شيء من الصبر الجميل‏.‏ ومنهم من كانت تنتظره طفلة جميلة يتردد صوتها في أنحاء البيت أين‏..‏ بابا‏..‏ وقصص تملأ أطراف الوجود تحدث بكفاية وفيض عن حقيقة التضحية ؟ في سبيل الحق والحرية والعدالة‏ الظامئة‏.‏


وبعد ست سنوات من الصبر كانت‏,‏ أو من المر أو قل من اليأس المروع‏..‏ تصحو في دمنا تلك النشوة القديمة التي تحمل وميض الغضب‏,‏ وتمر نظراتنا عبر شاطيء القناة لتلتقط الدمع المخزون‏,‏ وعبر بالموت فوق بحر من النيران‏,‏ هذه هي المعاني النبيلة التي بعثت أرواح الشهداء من سيناء بعد ست سنوات وهي غافية تحت الرمال‏,‏ هذه هي الأشواق الفائقة التي أيقظت الموتي من قبورهم‏,‏ فمروا فوق الهزيمة‏,‏ وفتحوا أبواب الحياة من جديد‏,‏ لكي تمر وراءهم الأجيال القادمة‏,‏ كان صعبا جدا أن تقف هذه القلوب لتري الجسد الهزيل‏,‏ لايتحرك‏,‏ وتشهد احتضار أمة بأكملها والأعداء علي الشاطيء الآخر يمضغون العلكة‏,‏ ويشربون النبيذ‏,‏ ويسخرون من جراحنا‏,‏ هذه اذن غضبة المشتاقين إلي الموت المريح من اليأس التواقين الي بعض الحياة الكريمة إذا كانت هناك حياة‏..‏ أي هوان يمكن أن يجثم علي صدورنا‏,‏ ونحن مانحن ومالتاريخنا من صولات‏..‏


وعلي هذه الأشواق صحت النفوس الذاهلة‏,‏ وانطلقت تصنع من الموت أغنية الخلود‏,‏ ولأول مرة تتوحد الصفوف العربية الممزقة‏,‏ بعد زمن طويل‏,‏ ولأول مرة نعرف مذاق التوحد علي قلب رجل واحد‏,‏ ولأول مرة منذ أمد بعيد تعبر الأمة العربية حاجز البغضاء فتعبر القناة الملغمة من خلف الجندي المصري‏,‏ يندفعون كسيل العرم مخترقين الساتر الترابي محطمين خط بارليف‏..‏ وممزقين أصفاد الهزيمة نازعين عن صدورنا اليأس المقيت‏..‏ هكذا كان النصر المبين يشهق من أرواح الذين ضحوا بدمائهم من أجل لحظة الخلاص‏.‏



ان دماء الشهداء التي روت أرض سيناء‏,‏ وتشربتها رمالها لتنبت أشجار العزة والكرامة‏,‏ وتضخ الحياة من جديد في النفوس المجدية‏.‏ هي آية من آيات هذا العصر‏,‏ ولون من ألوان العبر التي تحدث لتعيد الانسانية إلي رشدها‏,‏ وصوابها المفقود‏..‏ انه انتصاران علي النفس وعلي العدو وهو فتحان معا‏,‏ جاءا ليردا الحق السليب‏,‏ وينشرا القيم الرفيعة بعد زوالها‏..‏ لقد فتح الله الطريق الي قدسه الشريف يوم انتصر الجندي المصري وعبر الهزيمة‏,‏ وقهر طغيان الأسطورة التي لا تقهر‏,‏ وفتح الله أبواب الخير فتدفق فوق أسنة الرماح ليصبح ثمرة الدماء المبذولة‏,‏ ارتفاعا في سعر أهم سلعة استراتيجية يمتلكها الإنسان العربي في هذا الزمن ثم تتبدل الصورة تماما‏,‏ ويسير العربي مرفوع الرأس في كل بقاع الأرض‏,‏ لأنه أضاف الي التاريخ نصرا جديدا‏,‏ أغلي من أي نصر‏,‏ وأنفس من أي علو‏..

لقد كانت حرب أكتوبر المجيدة‏..‏ شوق دماء الشهداء‏,‏ وعودة الروح الي جسد الأمة المنهك‏..‏ شرفا رفيعا اجتمع له المعني والمادة‏,‏ وأوصد دون الانكسار بابا كانت ريحه أشد قسوة من ريح السموم‏..‏ وكل الذين رصدوا هذه الحرب‏,‏ وتفرغوا لدرسها لايزالون علي حيرتهم حتي هذه اللحظة‏,‏ فالفارق الزمني بين الهزيمة‏,‏ والنصر هو أقصر فارق في تاريخ الحروب البشرية‏,‏ وهي فترة ليست كافية لإعادة فلول القوة المشتتة وانتظام الخطي الضالة‏,‏ورأب الصدوع المنتشرة في أركان الجيش‏..‏ هذه هي أول خيوط المعجزة‏,‏ ثم تتوالي المعجزات التي لا حصر لها‏,‏ حتي تستيقظ الأمة بأكملها إلي تلك اللحظة التي اشتاق اليها الشهداء‏..‏ واشتاق اليها المعذبون علي ضفة القناة الغربية ينظرون الي أرضهم السليبة وأرواحهم المرهقة تحوم فوق أجواء سيناء‏..‏ كذلك كانت اللحظة أكبر من أي زمن‏,‏ وأجل من أي تاريخ لأنها كانت لحظة الخلاص‏..‏ والخروج إلي الحياة من جديد‏..‏ هذه هي اللحظات النادرة في تاريخ أمتنا‏..‏ ولا يكاد الإنسان يتذكرها الا وتبلل أجفانه دموع‏,‏ كدمع المشتاق الي لحظة أخري مثيلة تعيد لهذه الأمة صوابها‏.‏