Posted by رومانسية on December 20, 2009

 كتب محمد بيوض : تاريخنا هو روح أمتنا ، ومعرفتنا هي خط الدفاع الأول عنها ، والسطور التالية هدفها فتح باب المعرفة للشباب ولبعض الكبار الذين لايعلمون مرحلة هامة جدا من تاريخنا العسكري ، الذي كان مشرفا جدا في بداية الستينات من القرن الماضي ثم إنقلب رأساً على عقب في نهاية الستينات ، نتيجة لخطأ إستراتيجي في القيادة ، ونتيجة أيضاً للدسائس من الأعداء .

 

 

 

واليوم نتحدث عن طرق مصر أو الجمهورية العربية المتحدة – هكذا كان إسم مصر في تلك الحقبة من الزمن – لباب تصنيع عسكري هام جدا وإستراتيجي في ذلك الزمان وكل زمان أيضاً وهو تصنيع الصواريخ قصيرة وطويلة المدى .

 

 

 

والقصة تبدأ عن طريق إستقطاب علماء ألمانيا هتلر والتي تفككت – المانيا – بعد الحرب العالمية الثانية وإنقسمت إلى دولتين ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية ، وكان أن أصبح علماء هتلر تركة كبيرة وفاخرة تتهافت عليها دول الغرب وأمريكا ، فذهب منهم من ذهب إلى تلك البلدان ، وأبى منهم من أبى الذهاب إلى الغرب وآثر على أن ينتظر فرصة في بلاد أخرى غير تلك البلدان لما فيها من حساسية بالنسبة لهم وعدم إرتياح .

 

 

 

وكان ممن فضل الذهاب إلى أمريكا عالم الصواريخ الشهير ( براون ) والذي يطلق عليه أبو الصواريخ وكان هذا هو خبيرها الأول في العالم ، وكان له مساعد ويد يمنى لم يشأ أن يذهب معه إلى أمريكا وفضل العمل في فرنسا بعض الوقت حتى تتاح له فرصة أخرى وكان إسمه ( بيلز ).

 

 

 

بدأت مصر برنامجها لتصنيع الصواريخ في أبريل 1957 ، وأثناء خطاب للرئيس جمال عبد الناصر في العام نفسه قال فيه حرفيا :-

 

" أيضا هناك الصواريخ ، هناك علماء ألمان يتخاطفهم العالم بما فيهم الولايات المتحدة ، وقد حاول بعضهم جس النبض معنا وقد قلت إننا نرحب . هناك واحد بالذات إتصل بنا ، ويظهر أنه شارك بشكل كبير في تصنيع الصاروخ ف 2 ، وقد وافقت على قدومه هنا "

 

 

 

وكان هنا يقصد بكل تأكيد العالم الألماني ( بيلز ) . وهكذا تبلور فكر مصر للتخطيط لتصنيع الطائرات والصواريخ والإنتقال إليها من تصنيع الصناعات الحربية المحدودة .

 

 

 

وفي العام 1957 نفسه وصل إلى مصر سرا مجموعة من العلماء الألمان بينهم ( وولفجانج بيلز ) نفسه والذي أشار إليه جمال عبد الناصر في الخطاب .

 

بعدها بدأت الحركة تنشط للتصنيع والبحث العلمي المصري الموازي للتصنيع ، وفي الأول من أكتوبر 1959 وفي الفناء الخلفي للمركز القومي للبحث العلمي شهد أول تجربة لإختبار ما يحدث بغرف إحتراق الوقود في الصواريخ عند إطلاقها.

 

ومضت التجارب بنجاح ، وكان التنسيق كاملا بين القطاعات المدنية والقطاعات العسكرية .

 

 

 

وفي التاسع عشر من يوليو 1962 بينما كان جمال عبد الناصر في إستراحة المعمورة ، دق جرس الهاتف وكان المتحدث عبد الحكيم عامر يزف إليه بشرى أن الأستاذ – وهو إسم الصاروخ الأول – جاهزا للإنطلاق ، فإتفق معه على أن يكون الإنطلاق في صباح اليوم بعد التالي أي في 21 يوليو وقبل عيد الثورة بيومين .

 

وفي التاسعة و 47 دقيقة من اليوم الموعود بدا العد التنازلي لإطلاق الصاروخ من المكان السري في الصحراء الغربية ليكون بذلك أول صاروخ مصري يطلق في سماء مصر في ذلك اليوم . 

 

 

ودق الرعب في قلب إسرائيل التي فوجئت كما فوجيء الأمريكان والعالم بما يحدث في مصر وكان هذا هو بداية اخرى من بدايات حرب خفية بين إسرائيل ومصر في محاولة منها أن توقف البرنامج المصري بكل الطرق الغير مشروعة .

 

  

 

 

فكرت إسرائيل في توجيه ضربة وقائية لقاعدة الصواريخ التي إنطلق منها الصاروخ ، وتوجهت كالعادة إلى أمريكا حتى تأخذ الإذن بتوجيه الضربة وتطلب المعاونة والإسناد ، لكن الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت جون كينيدي رفض الإذعان لإسرائيل خشية تعرض مصالح أمريكا للخطر في المنطقة ، وربما أيضا انه كان هناك بعض الأدب لازال موجود في تعامل أمريكا مع الملفات العربية والشرق الأوسط ، وبهذا فقد أجهضت الضربة الوقائية لأن إسرائيل لم تشأ أن تفعلها وحدها خوفا وجبنا من العواقب الوخيمة التي كانت ستنتظرها بدون دعم أمريكي .

 

 

 

هنا بدات إسرائيل في التفكير في عملية قذرة أخرى ، فهي لن تهدأ أو يهنأ لها بال إلا مع إفشال هذا البرنامج المصري الخطير ..

 

كان الشتاء من العام 1962 وتحديدا في الثامن والعشرين من فبراير حيث ضاحية مصر الجديدة والتي يسكن فيها العلماء الألمان وقد كانوا ملتفين حول كبيرهم ( بيلز ) ويدور بينهم نقاش علمي حول الصواريخ ، وفي الحجرة المجاورة كانت سكرتيرة ( بيلز ) الحسناء الألمانية ( هانيلور ويندي ) وفي ذات الوقت عشيقته تتفحص بعض الخطابات ، وقد لفت نظرها خطاب معنون على جامعة ألمانيا في شتوتجارت العنوان القديم للدكتور ( بيلز ) ومشطوب على العنوان ومكتوب العنوان الجديد شركة الطيران العربية المتحدة ، ظنت السكرتيرة ان الخطاب من مطلقة ( بيلز ) وهذا ما جعلها أن تتخلى عن حذرها وتفتح الخطاب ملهوفة و .... حدث ما حدث .. إنفجار كبير أضاع جمال السكرتيرة وحرق أكتافها ورقبتها وأيديها وفخذيها وأضاع العين اليسرى لها .

 

  

بعدها توجهت إلى جنيف لإستكمال العلاج !!

 

 

 

كان من أشهر  من في مجموعة العلماء بالطبع هو ( بيلز ) ثم ( كلاينفختر ) و ( جيركه ) ، وإنه عندما فشلت الخطة العسكرية الإسرائيلية لضرب الأستاذ وقاعدته في الصحراء الغربية بعد 21/7/1962 تركت فيها إسرائيل مهمة المواجهة للتحرك العلني والسري الذي يقوم به رئيس الوزراء ديفيد بن جوريون ووزيرة خارجيته جولدا مائير ، مع تكليف الموساد ورئيسها عزراهاريل للقيام بعمليات إرهاب تستهدف هؤلاء العلماء تحديدا لإثناءهم عن التعاون مع مصر في تنفيذ برنامجها ..!!

 

 

 

 ولنترك للتاريخ العنان ليتحدث عما حدث بعد ذلك ، ففي السادس والعشرين من شهر يناير 1963 وفي إحدى المصانع الحربية على طريق القاهرة السويس الصحراوي وداخل إحدى الغرف ، كانت تنعقد لجنة لفض الطرود التي تأتي لهذا المصنع ، وكان هناك طرد وصل من هامبورج ألمانيا الغربية في اليوم السابق ، وكان عبارة عن صندوق من الخشب الأبلاكاج وينتظر دوره في الفتح بمعرفة اللجنة ، وتقريبا في حدود الساعة 11 وعشرة دقائق بدأت اللجنة في فتح الصندوق ..





 

أخرج أحد أعضاء اللجنة من داخل الطرد كرتون مقوى وبفتحه وجد أن بداخلة أربعة كتالوجات ، وأثناء تعامل فرد اللجنة معها يحاول فتحها ، حدث دوي إنفجار كبير داخل تلك الغرفة ، هرع على أثرة العاملين بالمصنع ليستطلعوا الأمر الغريب ، وكانت النتيجة كالآتي :-

خمسة شهداء وهم :-

• الملازم الفني سعد محيي الدين شتا .. السن 43 متزوج وله خمسة أولاد أكبرهم في السادسة عشرة وأصغرهم طفلة في الثالثة من العمر .

• المهندس ميشيل باسيلي بشارة خوري .. السن 33 غير متزوج ويعول والديه وأخيه طالب الثانوي .

• المهندس عبد الرازق الغرباوي .. السن 33 متزوج من خمسة شهور ويعول والديه وأخته .

• أمين المخزن يوسف عاشور علي جبريل .. السن 23 غير متزوج ويعول والديه وإخوته الثلاثة .

• أمين المخزن عصمت عبد المقصود شلبي .. السن 30 متزوج من شهر واحد فقط ويعول أمه .

هذا بخلاف تسعة من المصابين ..

 

 

 

في الإسبوع الأول من فبراير 1963 تم إرسال طرد ثالث من هامبورج بألمانيا الغربية ، شبيهاً بطرد الموت الذي مالبث أن إنفجر فور فتحه في أحد المصانع الحربية كما أسلفنا في الذكر ، ولكن هذه المرة كان الطرد في صندوق من الكرتون المقوَّى داكن اللون ، وتم شحنه بالبريد ومن أوراق الشحنة مسجل بها تسعة كتب ، ولكن في الحقيقة كانت سبعة كتب فقط وفرق الوزن للكتب الباقية  كان وزن شحنة المتفجرات التي وضعت في ثلاثة كتب ( كتالوجات ) ودسَّت في منتصف المجموعة بداخل الكرتون ، وقد قام موظف بريد هامبورج ليفتح الطرد ويستوثق من الشحنة ، فما كان من مرسل الشحنة إلا وفتحها له وإلتقط الكتاب الأول وفتحه له ووضعه في مكانه مرة أخرى ، وكان هذا الفعل أرضى موظف البريد ، ثم قام بوزن الطرد فوجد أن وزنه يزيد 50 جرام ، فما كان من الراسل إلا أنه أقنعه بأن هذا هو فرق وزن الكرتون فهو كان لايعرفه ، وبالطبع كان هذا هو فرق وزن المتفجرات !!

 

 

 

وكان هذا الطرد يقصد هذه المرة الدكتور ( بول جيركه ) وكان رقم الطرد 77 ، وقد وصل هذا الطرد على طائرة اللوفتهانزا في 14 فبراير 1963 .

 

 

 

بالطبع هذه المرة كان الأمر مختلف وكانت اليقظة بدأت ، والرجال كانوا على أشدهم ..!!

 

 

 

تم إبطال مفعول هذه الشحنة هذه المرة بواسطة رجالنا قبل أن تصل لصاحبها ..

 

 

 

 

 

كان الدكتور ( هانز كلاينفختر ) في إجازة بمدينته لوراخ في ألمانيا الغربية عندما كان الشتاء في 1963 قارصا مما إضطره لإرتداء ملابسه الثقيلة من بالطو وكوفيه ليقي نفسه هذا البرد .

 

ومع إنتهاء زيارته لمعمله ، قرر التوجه إلى منزله ، فإستقل سيارته قاصدا وجهته وهو مرتدي تلك الملابس الثقيلة ، وما أن وصل بالقرب من منزله حتى قطعت طريقه سيارة سيتروين سوداء ، فإضطر أن يقف بسيارته منعا للتصادم ، ومن خلف زجاج سيارته المبتل أخذ يدقق النظر ومن خلف نظارته الطبية بدأ يرى شخصا يغادر السيارة الغريبة والتي قطعت عليه الطريق ويتجه له من ناحية اليمين ، وعندما وصل إلى نافذة المقعد المجاور له ، أشار له هذا الرجل بفتح النافذة لأنه يريد التحدث معه ، فما كان من الدكتور ( هانز ) إلا أن تصنع عدم الفهم ، وأثناء ذلك نظر في المرآة فوجد شخص آخر يأتي من الخلف يلبس بالطو أسود ويرفع ياقة القميص ويمسك بيده مسدس ، عندها مرت الثواني بطيئة فقد أدرك الدكتور ( هانز ) أنه وقع في كمين ، وأخذ يفكر سريعا في ماذا يفعل ؟؟!!

 

لم يمهله الشخص الواقف على يمينه كثيرا فأطلق رصاصتين حطمتا الزجاج وإستقرت واحدة بين ثنايا الكوفية التي يرتديها الدكتور ( هانز ) من غير أن تصيبه !!

 

رعاية الله وحدها هي التي أنقذته ، والذي لم يتمهل بعدها لحظة ففتح الباب وعدا نحو منزله بسرعة رهيبة ودخل وإتصل بالشرطة التي مالبثت أن أتت على نحو السرعة والتي لم تعثر على أحداً ولكن وجدت بعض الآثار ..!!

 

وبالبحث والتدقيق وجدوا المفاجأة – وجدوا بجوار سيارة العالم جواز سفر لضابط مصري هو المقدم طيار سمير أحمد علي وكان هذا معناه أن الجناة يريدون إبعاد الشبهة عنهم وتلفيق التهمة والنظر للمصريين ..

 

وبما أن الرياح لاتأتي بما تشتهي السفن ، فقد تقدم أحد الألمان بعدها بيومين للبوليس يشهد بأن هذا الضابط المصري كان معه في أوبرج الهرم في نفس توقيت الحادث ، وهو ما معناه أنه من المستحيل قيام هذا الضابط بمثل هذا الجرم ..

 

وفي اليوم التالي مباشرة للحادث ، تسلم الدكتور ( هانز ) رسالة على ورقة صغيرة مكتوبة بالفرنسية " من يأكل اليهود جزاؤه الموت "

 

ثم مر اليوم الثالث بسلام ، أما في اليوم الرابع فتسلم رسالة تهديد أخرى أشد وقاحة من الرسالة الأولى !! فما كان منه إلا أن إستقل طائرة عائدا لمصر ليفوز بالآمان ...

 



 

والآن أيها السادة والسيدات يأتي الدور على العالم ( بول جيركه ) وإبنته ( هايدي ) ، ففي مارس من العام نفسه 1963 حيث كان بداية شهور الربيع وفي مدينة فرايبورج الألمانية ومع بداية تحسن الطقس نوعاً ما كانت قصتنا الجديدة تبدأ في سلسلة قصة تخويف وإرهاب العلماء الألمان الذين يتعاونون مع مصر – الجمهورية العربية المتحدة – وذلك من جانب أعداء مصر وإسرائيل تحديدا .

 

 

 

كانت ( هايدي ) 24 عاما ً في منزل ابيها هي وأخيها ( رينيه ) 26 عاماً وجدتهم لأبيهم 90 عاماً وكان أبيها وأمها في القاهرة عندما دق جرس التليفون في المنزل وأخبرها المتحدث أنه زميل أبوها في القاهرة ولكنه ترك العمل خوفاً على حياته ، حيث أن العمل في القاهرة يحفُّه المخاطر ولو إستمر فإنه كان سيكون مصيره الموت ، وأنه يخشى على أبيها من هذا المصير ، وأنه يرجوها أن تقابله في اليوم التالي في مدينة بال السويسرية ليبحث معها هذا الموضوع الهام ..

 

 

 

بعد ان اغلقت ( هايدي ) التليفون حكت المكالمة التليفونية لأخيها ولجدتها التي فزعت على حفيدتها ورجتها ألا تذهب ، ولكن ( هايدي ) أصرت ، وبالفعل في اليوم التالي توجهت حيث اللقاء وإصطحبت معها أخيها وقريبتها ( دوريس إيميجيت ) ، ووصلوا ثلاثتهم إلى فندق الملوك الثلاثة ، وتوجهوا من فورهم إلى كافيتريا الفندق حيث وجدوا في إنتظارهم إثنين ، الأول هو من حدثها تليفونياً وكان إسمه – طبعا الحركي – ( أتوجو كليك ) وهو عالم نمساوي كما عرفها بنفسه ، والثاني هو ( جوزيف بن جال ) إسرائيلي الجنسية وموظف في وزارة الثقافة الإسرائيلية – هكذا عرِّفها على نفسه .

 

 

 

أخذ ( أتوجو كليك ) يتحدث كما تحدث سابقا في التليفون وزاد أن هناك منظمة يهودية تخشى على والدها ، وان زميله هذا وأشار إلى ( جوزيف بن جال ) هو عضو في هذه المنظمة ، وهنا إلتقط الحديث الشخص الآخر وبدأ يدوس على الفاظه عندما قال ان والدها دخل في لعبة شديدة الحساسية بين مصر وإسرائيل ، وانه لزاماً على والدها ترك هذه اللعبة فوراً والإبتعاد تماماً عنها حرصاً على حياته ، وانها لابد وان تساعد والدها بإقناعه عن العدول على الإستمرار في مصر ومساعدتها – يقصد مصر – في تصنيع الصواريخ .

 

 

 

كان كل هذا يحدث ولم يكن يدري الإثنين أنهم تحت مراقبة البوليس السويسري الذي كان متنكرا في زي الجرسونات التي تُخدِّم على جلستهم .

 

 

 

بعدها طلب منها ( جوزيف بن جال ) ان تتوجه غدا إلى والدها لتبلغه الرسالة وانه ليس وحده في الخطر ، في إشارة منه أن كل العائلة في خطر ، ويعتبر هذا تهديد مباشر لها ، وقال ايضا انه إن لم تكن معها ثمن تذكرة الطائرة فإنه مستعد لدفعه لها ، فطبعاً لم يرق ل ( هايدي ) هذا الحديث كله ، وردت عليه بانها تمتلك ثمن الطائرة ولا تريد شيئاً من أحد ، وهمِّت بالمغادرة ، وبعد أن غادرت توجه الإثنين إلى مدينة زيوريخ واثناء سيرهما أمام نادي للرقص  تم إلقاء القبض على الإثنين بواسطة البوليس السويسري .

 

وتم إحالتهما للمحكمة ، وطارت الإبنه إلى أبيها في القاهرة وبهذا ينتهي الجزء الأول من القصة وإنتظروا الإثارة مع الجزء الثاني وهو جزء المحاكمة .!!

 

 

 

 

 

ظهر التواطؤ الغير شريف بين السلطات السويسرية وإسرائيل بعد القبض على المتهمان مباشرة ، القانون السويسري يجرِّم هذه الفعلة ( التهديد ) بالجرم الخطير ، وهو ما معناه أنه غير مسموح بالإفراج عن المتهمان من محبسهما حتى يوم المحاكمة ، ولكن ما حدث أن السلطات السويسرية أفرجت عنهما بضمان مالي ، مع العلم بأن المدعي العام السويسري ( هانز فيلاند ) أعد قرار إتهام طالب فيه بالحبس ثلاثة أشهر للإسرائيلي ( بن جال ) والحبس 100 يوم وغرامة 1000 فرنك سويسري للنمساوي ( اتو جو كليك ) ، مع إبعاد الإثنين  ومنعهم من دخول الأراضي السويسرية لمدة 15 عاماً .

 

 

 

وفي مدينة بال السويسرية وفي صيف العام نفسه وتحديدا في العاشر من يونية 1963 كان موعد المحاكمة لهؤلاء الإثنين من عملاء إسرائيل ( أتو جو كليك ) و ( جوزيف بن جال ) بتهمة تهديد ( هايدي ) إبنة العالم الألماني دكتور ( جيركه ) .

 

 

 

كانت المحاكمة جوها غريب جداً ، فبعد أن تلى ممثل الإدعاء قرار الإتهام بدأ القاضي في مناقشة المتهمين في حضور إبنة العالم الدكتور ( جيركه ) فأقر ( بن جال ) أنه غير مذنب إلا في طريقة دخوله للأراضي السويسرية ، وعند مناقشة  ( أتو جو كليك ) أخذ في مهاجمة الجمهورية العربية المتحدة ، وجمال عبد الناصر ، واخذت الجلسة تبتعد تماماً عن مجراها ، وقد وصفتها وكالة الأسوشيتد برس بأن الجلسة إستغلتها إسرائيل للدعاية لها .

 

 

 

المفاجئة

 

 

 

نادى رئيس المحكمة على ( هايدي ) وسألها وهو يشير إلى ( بن جال ) ، هل تعرفين هذا الشخص ؟ فقالت لا !!! فقال لها هل هو ( بن جال ) ؟ فقالت لا .... إن ( بن جال ) ليس هذا الشخص !! إن أوصافه مختلفة تماما ، ليس هذا الذي أراه هو الذي جلس معي في فندق الملوك الثلاثة !!

 

فتوجه القاضي بدوره إلى المتهم وسأله .. هل أنت ( بن جال ) ؟ فرد بجراءة نعم انا ( بن جال ) !!

 

وصرخت ( هايدي ) .. لا .. ليس هو !!

 

لكن رئيس المحكمة طلب منها الجلوس والهدوء وصدق هذا الشخص وإعتبر أنه هو وأنها لم تستطع التعرف عليه !!!

 

 

 

والسؤال الآن هل كان هذا الشخص هو فعلا ( بن جال ) !!

 

 

 

بالطبع لا .. لقد تم إستبداله بالتواطؤ مع السلطات السويسرية من جانب الموساد وحتى تكون شهادة ( هايدي ) مهزوزة وضعيفة أمام المحكمة وهذا ما حدث بالفعل !!

 

والغريب أن رئيس المحكمة لم يصدقها ، ولم يقم بإستدعاء رجال البوليس الذين قاموا بإلقاء القبض على ( بن جال ) الأصلي لسؤالهم !! وهو ما يؤكد شبهة التواطؤ بين السلطات السويسرية والموساد .

 

 

 

وبعد جلستين في المحاكمة جاءت الجلسة الأخيرة والتي حضرتها ( هايدي ) بصحبة طبيب مصري كان يعالجها من قرحة المعدة ، وفي هذه الجلسة أخذ المحامين عن المتهمان في الترافع أمام المحكمة ، ووصفوا المتهمان بأن الأول ما هو إلا موظف في إسرائيل يطوف اوروبا ، وقد عهدت له الحكومة الإسرائيلية بهذه المهمة وهي مهمة وطنية ، أما الثاني فهو صديق للعالم ( جيركه ) وكان ينصحه نصيحة صديق ليس إلا ولا يبتغي من ورائها شيء !!

 

أما مصر فهي الجانية !!! والدليل ذلك الطبيب المصري !! وحاول المحاميان تصويره على أنه إرهابي ، رغم أن مستنداته تؤكد أنه طبيب ، ولا يحمل سلاح ، ولكنها الحرب وما أدراكم ما الحرب الشعواء ..

 

 

 

وإنتهت المهزلة بالمداولة ، ثم الحكم على المتهمان بالحبس شهرين من تاريخ القبض عليهما ، وبالتالي فإن العقوبة بهذا تكون قد تمت ، وتم الإفراج عنهما من مقر المحكمة ..

 

 

 

وبهذا إنتهت كوميديا بال السويسرية !!

 

 

 

 

لا شك أن عمليات الإغتيال والإرهاب التي دبرها الموساد من خارج الجمهورية العربية المتحدة ( مصر ) وفشلت كان لها صدى كبير داخل إسرائيل ، خصوصا بعد فشل عملية إغتيال الدكتور ( هانز كلاينفختر ) والمحاكمة العلنية لعميلي الموساد في بال السويسرية  ، حيث إرتجت أجناب غرف الموساد المغلقة وإهتزت الحكومة الإسرائيلية بقيادة ( بن جوريون ) من داخلها .

 

 

 

وعلى أثر ذلك ، ومما تقدم فقد إستدعى رئيس الوزراء ( بن جوريون ) رئيس جهاز المخابرات ( عزرا هاريل ) وبعد مناقشة معه أقاله من منصبه ، وقد تسرب النبأ إلى وكالات الأنباء التي أذاعت الخبر وسط فضيحة لإسرائيل والتي وقف المتحدث الرسمي لحكومتها يصرح بأن إستقالة رئيس المخابرات – والذي كان صديقا شخصي ( لبنجوريون ) – تمت بناء على طلبه شخصياً .

 

كان سقوط  ( عزرا هاريل ) في أبريل من العام 1963 وكان له أثره المدوي كما أسلفنا ..

 

وجاء من بعده سقوط ( بن جوريون ) نفسه ، وتولى الوزارة من بعده ( أشكول ) ، وتولَّى رئاسة المخابرات ( مائير إيميت ) .

 

 

 

وبعد عام أي في العام 1964 طلب ( أشكول ) من ( مائير إيميت ) خطة جديدة لمواجهة برنامج الصواريخ المصري ..!!

 

كانت خطة ( مائير إيميت ) تعتمد على الإرهاب والقتل أيضا مثل سلفه ( عزرا هاريل ) ، ولكن هذه المرة بإسلوب مختلف ، فالإسلوب الجديد سيعتمد على الإرهاب من الداخل ، وعلى إرسال الرسائل المفخخة من داخل الجمهورية العربية المتحدة ( مصر ) وليس من ألمانيا كما سبق وكان .

 

 

 

وهنا كان لابد من العثور على من سيفعل وينفذ هذه المهمة ، ولم يكن بالطبع صعب العثور عليه ..!!

 

فلقد كان في القاهرة جاسوس محترف ولم يبقى امام الموساد سوى أن تستدعيه وتعطيه الأوامر اللازمة للتنفيذ .!!

 

 

 

إنه ( لوتز) ...!!!!

 

 

 

 

 

  ( لوتز) كان هذا هو الجاسوس المقيم في القاهرة  والذي رشحته إسرائيل لأداء هذه المهمة ، والجاسوس المقيم لمن لا يعرف هو منصب في الجاسوسية تكون له مهام أشمل من الجاسوس العادي .

 

فالجاسوس المقيم تكون مهامة أكبر ، ويكون على علم بكل الأشخاص الذين يؤدون دور الجاسوسية العادي في نفس الدولة التي يقوم بمهمته على أرضها ، دون أن يعرف شخصيته الجواسيس العاديون على أرض نفس الدوله .

 

بالمختصر المفيد هو كوموندان فرقة الجواسيس على أرض الدولة التي يتجسس عليها ويعرفهم ( اي الجواسيس ) دون أن يعرفونه ، ويكون له حرية التصرف في المواقف تبعاً لها وحجمها .

 

 

 

نعود لشخصيتنا حيث أن إسمه  كاملاً هو ( جوهان وولفجانج سيجموند لوتز ) وكان هذا هو الإسم المدون بجواز سفره والذي وصل به إلى ميناء الإسكندرية في 7 يناير من العام 1961 وكان أيضا بجواز السفر أن مهنته هو مدرب خيول ومن ألمانيا الغربية .

 

طبعاً في هذه الأثناء كان دخول الألمان إلى مصر لا غبار عليه وكانت الجنسيات التي عليها العيون والبحث بالطبع هي الإنجليزية والفرنسية والأمريكية .

 

لقد كان ( لوتز ) ألمانياً وفقاً لجنسية الأب ولكنه كان إسرائيلياً يهودياً وفقاً لجنسية وديانة الأم ، وهذه النقطة كانت تعرفها جيداً المخابرات العامة ، وظهرت فيما بعد في أثناء محاكمته .

 

 

 

وأوجه عناية السادة القراء أن عملية الجاسوس ( لوتز ) هذه من أبرع العمليات التي قامت بها المخابرات العامة المصرية في فترة الستينات ، وكانت بمثابة الصفعة القوية على وجه إسرائيل حيث أنه وصل من البراعة الشديدة ما جعل إسرائيل تستبعد تماما أنه ممكن إصطياده ، ولكن براعة الرجال المصريين كانت أكبر من اي توقع .

 

 

 

لقد وُلِد ( لوتز ) في العام 1921 في مدينة مانهايم الألمانية على شاطيء الراين من أب ألماني وأم يهودية كانت تعمل ممثلة من الدرجة الثانية وإسمها ( هيلين ) ، وعندما بلغ ( لوتز ) سن الحادية عشرة من عمره هجر أباه أمه وإبنه الطفل وترك المنزل ، وفي نفس الوقت وجدت أمه أن هتلر وحزبه النازي يزداد كرهاً وعداوة لليهود ، فما كان منها إلا أن حملت إبنها وتوجهت به إلى فلسطين لتعيش وسط اليهود النازحين إلى الأرض التي إختاروها لتكون دولتهم !!

 

دخا التعليم وتخرج من مدرسة بن شيمان للزراعة وإنخرط مثل غيره في الجماعات المسلحة الصهيونية وحرب العصابات ، وشارك في حرب 1948 ، ورُقِّي فيها إلى رتبة ضابط ملازم ، وإستمر إلى أن وصل عام 1959 إلى رتبة رف سيرن أي المقدم في جيش الإحتلال الإسرائيلي ، ومنها نقل إلى الموساد بسبب شكله الألماني الآري ، ولغته الألمانية التي ينطقها سليمة مما يساعد في العمليات السرية .

 

وفي العام نفسه 1959 قرروا زرعه في مصر على أساس أنه ضابط ألماني نازي ، ومن المؤكد أنه سيلقى ترحيب في القاهرة بسبب ترحيب القاهرة بالألمان كما سبق وأن أشرت .

 

ولهذا كان لابد وأن يبدأ في التدريب الجيد قبل أن يُرسل إلى الجمهورية العربية المتحدة ، فأرسلوه لهذا الغرض إلى ( إلياهو جوردون ) والذي كان يعمل مديرا لمدرسة تعليم الفروسية في تل أبيب ، والتي كان يتدرب فيها العديد من الألمان .

 

وكان إختيار هذه المدرسة تحديداً من جانب الموساد للإستفادة من نقطتين :-

 

1- ليتدرب على الخيول ويعرف أسرارها بما يفيده في مهمته القادمة .

 

2- ليخالط الألمان عن قرب ويعرف العديد من طباعهم ويجدد معرفته بهم .

 

وبعد عام من التدريب كان خلاله يقرأ العديد عن مصر مما تعده له الموساد ، دفعوه للذهاب في رحلة غلى ألمانيا ، وذهب إليها متسكعا ليتعرف على مدنها ودروبها عن قرب إلى ان إستقر في مسقط رأسه ، ليعيد تذكر المكان عن قرب الذي ولد فيه ، وكانت كل هذه الخطوات تتم بالتعاون بين الموساد وبين المخابرات الألمانية الغربية ( البولاخ ) ، وكذلك كان التعاون على إستخراج أوراق رسمية تدلل على أنه ( جوهان وولفجانج سيجموند لوتز ) ، وكان مما ساعد في هذا الموضوع هو إحتراق الأرشيف الوطني لمدينته بكل سجلاته القديمة في عام 1943 في أثناء الحرب العالمية الثانية من جانب القوات الأمريكية ضد هتلر ...

 

 

 

 في السابع من يناير 1961 وصل ( لوتز ) إلى الجمهورية العربية المتحدة عن طريق ميناء الإسكندرية مستقلاً الباخرة أوزونيا يحمل معه أمتعه خفيفة ومن بين هذه الأمتعة حذاء لركوب الخيل مخفي بداخله جهاز الإرسال اللاسلكي وورقة الشفرة ومواعيد الإرسال على المقر بباريس ، ومن الأسكندرية إستقل تاكسي إلى القاهرة متوجها إلى حي جاردن سيتي ، لينزل بفندق الزهراء خلف فندق شبرد الشهير وليكون قريباً من وسط البلد .

 

 

 

ذهب كثيرا إلى نادي الفروسية بالجزيرة ، تعرف على بعض أعضاء من الجاليات الأجنبية ، ومحبي الخيول ، فهو ألماني ، ضابط سابق ، يهوى الخيول ، يريد أن يشتري إسطبل للخيول ، كل هذا كان كفيلاً بالأمان له ...

 

 

 

ومر خمسة أسابيع على وجوده في مصر ، في بداية كل منها كان يرسل فيها رسالة بجهازه اللاسلكي لباريس يطمئن فيها رؤسائه على أن كل شيء يمر كما هو مخطط له ، وفي نهاية هذه الأسابيع الخمسة وتحديداً في 15 فبراير 1961 إستقل الطائرة عائداً إلى بون ( عاصمة ألمانيا الغربية ) ليحتفل مع رؤسائه بالنجاح المؤقت الذي أحرزه في زيارته الأولى لمصر .!!

 

 

 

بعدها توجه إلى تل أبيب عن طريق باريس ليأخذ قسطاً إضافياً من التدريب وتم الإتفاق على أن يكون جاسوساً مقيماً في مصر ولا يخرج منها إلا كل ستة أشهر بحجة انه ذاهب لألمانيا لتفقد إسطبلات خيوله في أوروبا ، بعدها أعطوه إسبوعين أجازة في أوروبا قبل أن يذهب إلى مصر .

 

 

 

توجه من تل أبيب إلى باريس وإستقل القطار منها إلى ميونخ في ألمانيا ، وجاءت جلسته في القطار أمام إمرأة بيضاء مثيرة الجسد إلى حد أنه لم يستطع أن يرفع عينيه عنها طوال الرحلة ..!!

 

طوال الرحلة وهو يحاول أن يتجازب معها أطراف الحديث ونجح ، وكانت المفاجئة أنها نزلت أيضاً معه في ميونخ ، فما كان منه إلا أن دعاها إلى العشاء ووافقت ، وفي هذا العشاء صرَّح لها بحبه وطلب يدها للزواج فوافقت ، خصوصاً وهو يعرف أن وجود إمرأة جذابة مثل هذه معه سيخدم مهمته الرئيسية الذي هو بصددها ، طبعاً هو حكى لها حكايته المزيفة وحكت له هي حكايتها الحقيقية .

 

 

 

إنها ( كلارا فلترود نومان مارتا ) كانت فتاة صغيرة عندما نشبت الحرب العالمية الثانية ، ذهب أبيها للحرب كجندي نازي ، وأخذت هي في العمل كخادمة في المنازل لتدبر الإنفاق عليها وأمها ، وبعد إنتهاء الحرب وجدت نفسها تخدم في منزل أحد الأمريكيين في ألمانيا الشرقية ، الذي ما لبث ان أخذها معه إلى أمريكا لتعود منها بعد فترة قصيرة لمنزل ابيها ، لتجده عاد بعد الحرب مهزوماً يضيِّع وقته في الشراب ولا يفيق منه أبداً ، ولا يمل أبداً من الفخر ببطولاته المزعومة ..

 

 

 

( لوتز ) اقنع رؤسائه بوجهة نظرة من زواجه بها على اساس أنه سيكون في مجتمع شرقي ( في مصر ) ويفضل أن يكون متزوجا ً ، طبعاً هو كان متزوج في إسرائيل من سيدة تدعى ( ريفكا ) ولكن ملامحها لم تكن المانية ولم تكن تستطيع أن تخدمه في هذه المهمة الصعبة في مصر !!

 

بالفعل تم الزواج في برلين في يونيه 1961 وقبل أن يتزوجها صارحها بمهمته فلم تمانع ان تكون زوجة جاسوس !!!

 

 

 

بعد شهر واحد من الزواج حزم أمتعته وحده بناء على تعليمات تل أبيب ليتوجه للقاهرة لتجهيز مسرح العمليات ..

 

 

 

ولا ننسى أن كل هذا كان من أجل إفشال برنامج تصنيع الصواريخ المصري ..

 

 

 

في السابع من يناير 1961 وصل ( لوتز ) إلى الجمهورية العربية المتحدة عن طريق ميناء الإسكندرية مستقلاً الباخرة أوزونيا يحمل معه أمتعه خفيفة ومن بين هذه الأمتعة حذاء لركوب الخيل مخفي بداخله جهاز الإرسال اللاسلكي وورقة الشفرة ومواعيد الإرسال على المقر بباريس ، ومن الأسكندرية إستقل تاكسي إلى القاهرة متوجها إلى حي جاردن سيتي ، لينزل بفندق الزهراء خلف فندق شبرد الشهير وليكون قريباً من وسط البلد .

 

 

 

ذهب كثيرا إلى نادي الفروسية بالجزيرة ، تعرف على بعض أعضاء من الجاليات الأجنبية ، ومحبي الخيول ، فهو ألماني ، ضابط سابق ، يهوى الخيول ، يريد أن يشتري إسطبل للخيول ، كل هذا كان كفيلاً بالأمان له ...

 

 

 

ومر خمسة أسابيع على وجوده في مصر ، في بداية كل منها كان يرسل فيها رسالة بجهازه اللاسلكي لباريس يطمئن فيها رؤسائه على أن كل شيء يمر كما هو مخطط له ، وفي نهاية هذه الأسابيع الخمسة وتحديداً في 15 فبراير 1961 إستقل الطائرة عائداً إلى بون ( عاصمة ألمانيا الغربية ) ليحتفل مع رؤسائه بالنجاح المؤقت الذي أحرزه في زيارته الأولى لمصر .!!

 

 

 

بعدها توجه إلى تل أبيب عن طريق باريس ليأخذ قسطاً إضافياً من التدريب وتم الإتفاق على أن يكون جاسوساً مقيماً في مصر ولا يخرج منها إلا كل ستة أشهر بحجة انه ذاهب لألمانيا لتفقد إسطبلات خيوله في أوروبا ، بعدها أعطوه إسبوعين أجازة في أوروبا قبل أن يذهب إلى مصر .

 

 

 

توجه من تل أبيب إلى باريس وإستقل القطار منها إلى ميونخ في ألمانيا ، وجاءت جلسته في القطار أمام إمرأة بيضاء مثيرة الجسد إلى حد أنه لم يستطع أن يرفع عينيه عنها طوال الرحلة ..!!

 

طوال الرحلة وهو يحاول أن يتجازب معها أطراف الحديث ونجح ، وكانت المفاجئة أنها نزلت أيضاً معه في ميونخ ، فما كان منه إلا أن دعاها إلى العشاء ووافقت ، وفي هذا العشاء صرَّح لها بحبه وطلب يدها للزواج فوافقت ، خصوصاً وهو يعرف أن وجود إمرأة جذابة مثل هذه معه سيخدم مهمته الرئيسية الذي هو بصددها ، طبعاً هو حكى لها حكايته المزيفة وحكت له هي حكايتها الحقيقية .

 

 إنها ( كلارا فلترود نومان مارتا ) كانت فتاة صغيرة عندما نشبت الحرب العالمية الثانية ، ذهب أبيها للحرب كجندي نازي ، وأخذت هي في العمل كخادمة في المنازل لتدبر الإنفاق عليها وأمها ، وبعد إنتهاء الحرب وجدت نفسها تخدم في منزل أحد الأمريكيين في ألمانيا الشرقية ، الذي ما لبث ان أخذها معه إلى أمريكا لتعود منها بعد فترة قصيرة لمنزل ابيها ، لتجده عاد بعد الحرب مهزوماً يضيِّع وقته في الشراب ولا يفيق منه أبداً ، ولا يمل أبداً من الفخر ببطولاته المزعومة ..

 

 

 

( لوتز ) اقنع رؤسائه بوجهة نظرة من زواجه بها على اساس أنه سيكون في مجتمع شرقي ( في مصر ) ويفضل أن يكون متزوجا ً ، طبعاً هو كان متزوج في إسرائيل من سيدة تدعى ( ريفكا ) ولكن ملامحها لم تكن المانية ولم تكن تستطيع أن تخدمه في هذه المهمة الصعبة في مصر !!

 

بالفعل تم الزواج في برلين في يونيه 1961 وقبل أن يتزوجها صارحها بمهمته فلم تمانع ان تكون زوجة جاسوس !!!

 

 

 

بعد شهر واحد من الزواج حزم أمتعته وحده بناء على تعليمات تل أبيب ليتوجه للقاهرة لتجهيز مسرح العمليات ..

 

 

 

ولا ننسى أن كل هذا كان من أجل إفشال برنامج تصنيع الصواريخ المصري ..

 

 

 

 في 3 يناير 1964 إستدعوا ( لوتز ) كالعادة إلى ألمانيا ومنها إلى باريس وأمروه بأن يأخذ إسلوبهم الجديد وهو التخريب من داخل الجمهورية العربية المتحدة ، وهذه المرة أعطوه كرتون به صابون ماركة ( لافندر ياردلي ) وبهذه الكرتون ثلاثة قطع من الصابون عبارة عن طبقة صابون رقيقة من الخارج ومن الداخل عبوة من المتفجرات ، وأعطوها له على أن يستخدمها عندما تأتي له الأوامر بذلك ، وفي 10 مارس 1964 عاد هو وزوجته إلى القاهرة ولبثوا بها حتى 18 يوليو 1964 بدون أن يتم إستخدام هذا الصابون المتفجر ، وغادر ( لوتز ) وزوجته القاهرة إلى ألمانيا ومنها إلى باريس كالعادة ، ولكن هذه المرة كانت المهمة قد تعدلت قليلاً حيث أخبروه أنه سيحمل مظاريف تحمل إسم البنك الأهلي المصري ويحمل كل منها واحد من إسم العلماء الألمان على عنوانه الذي كان قد زودهم به ( لوتز ) من قبل في إطار الخطة التي إتبعها سلفا في تجميع المعلومات الخاصة بهؤلاء العلماء .

 

وهذه العناوين طبعا مكتوبة باللغة العربية وبالآلة الكاتبة ، ومكتوب أيضاً على كل ظرف من هذه الأظرف وفي الطرف الأعلى لها ، رقم بالقلم الرصاص ، وقد طلب منه أن يحتفظ بهذه الأظرف في مكان آمن وقد أخفاها في قطعة خشب من الأخشاب التي تستخدم في تقطيع اللحم بالمطبخ ، وهذه الأرقام كانت ترمز إلى أرقام مسلسلة ، أي أنهم عندما يرسلون له بأن يرسل الخطاب رقم واحد فإنه يرسل الخطاب المرقم بالقلم الرصاص بالرقم واحد ، وهكذا ..!!

 

 

 

وطلب منه عندما يريد أن يرسل هذه الخطابات لابد وأن يلصق عليه طابعين بريد – وكان هذه هو الخطأ الذي وقعوا فيه ، فمهما كان ذكاءهم خارق فلابد وأن يقعوا ، إذ كان في العادة عند إرسال مثل هذه الخطابات يتم وضع طابع بريد واحد فقط – لزيادة التأكيد في أن يصل هذا الخطاب إلى المرسل إليه !!!

 

 

 

وكان هذا إذا أرسلوا له أرقام بعينها ، أما إذا أرسلوا له كلمة السر وهي ( أحذية ) ، فكان معنى هذا أن يرسل كل الخطابات دفعة واحدة .

 

 

 

وكانت هذه الخطابات نوعان :

 

 

 

النوع الأول فيه تهديد للعالم الألماني يحثونه فيه على ترك البرنامج المصري للتصنيع والعودة إلى بلاده سالماً .

 

 

 

والنوع الثاني عبارة عن خطاب ملغم ، ينفجر في وجه العالم بمجرد الشروع في فتحه .

 

 

 

وفي 8 سبتمبر 1964 وصلت السفينة التي تحمل الجاسوس وزوجته إلى الأسكندرية ، ونزلت منها زوجته وهو خلفها وكان في إنتظارهم اللواء يوسف غراب مدير أمن مطروح وقتها ، وبطبيعة الحال أنهى إجراءات وصول ( لوتز ) على الفور وبدون الخضوع لإجراءات ، وهما يحملان معهما أدوات القتل والتدمير !!!

 

 

 

وسيسألني القاريء لماذا ؟؟

 

 

 

إن اللواء يوسف غراب فارس قديم ومن رواد نادي الفروسية ، وكان قد تعرف على ( لوتز ) هناك ، وقد أعجب به مثل كل الناس ، وصارت بينهم صداقة خاصة جداً ، وقد إنخدع فيه ..

 

 

 

ومن الأسكندرية وصل ( لوتز ) إلى القاهرة حيث فيلته في الهرم ، وقد أخفى فيها قطعة الخشب التي بها الأظرف المفخخة ..

 

 

 

وفي 19 سبتمبر أي بعد 11 يوماً فقط من وصوله ، وصلته الإشارة الاسلكية وبها كلمة السر ( الأحذية ) وكان معناها كما سبق وأن أشرنا هي أن يرسل جميع الخطابات جملة واحدة !!

 

في اليوم التالي جاءت له نفس الإشارة في تأكيد لإرسالهم ، وعلى الفور بدأ ( لوتز ) في إرسال الخطابات وذلك بالتجول بسيارته في الجيزة يرسل من صناديق بريد متعددة كل الخطابات بعد أن لصق عليها وهو يلبس قفاز في يده طابعين بريد على كل منها ..

 

 

 

بعد أن أرسل الخطابات جميعها ، عاد إلى فيلته في الهرم وأرسل منها إشارة تفيد بأنه تم إرسال كل الأحذية وكله تمام ..

 

 

 

وإنتظر ( لوتز ) ما سيحدث بعد إرسال هذه الخطابات .

 

 

 

في اليوم التالي مباشرة 21 سبتمبر 1964 وصل خطاب من هذه الخطابات إلى العالم الألماني ( كير مايير مارتن ) ولكنه ومن الجو الإرهابي الذي كانوا يعيشون فيه شك في الخطاب وعلى أثر هذا أبلغ سلطات الأمن والتي بدورها تعاملت مع الخطاب وفتحته بطرقها الخاصة ، وكان لحسن حظه من النوع الذي يحمل شحنة متفجرات ولم يكن من خطابات التهديد ..!!

 

 

 

وفي اليوم التالي 22 سبتمبر وصل خطابان أحدهما للعالم الألماني ( جوزيف هايزج ) والآخر للعام الألماني ( أرنست شتانج ) وقاما بفتحهما وكان للطف الله من النوع الذي يحمل تهديداً .. !!

 

 

 

وبقى إلى هنا خطابان .. الأول يحمل تهديداً والآخر يحمل متفجرات ، بالنسبة للأول فقد أرسله ( لوتز ) لصديق له ألماني الجنسية ولكن لا يعمل مع العلماء ، ولكنه أرسله له ليعرف منه رد الفعل على صديقه الألماني ، أي أنه خطاب إختبار ، أما الآخر ذو الشحنة المتفجرة فكان له شأناً آخر ..!!

 

 

 

هذا الخطاب الثاني تحديداً ضل طريقه ، فالعنوان الذي أرسل إليه كان عنوان خاطيء ولم يكن عنوانه معلوماً جيداً لدى الموساد ، وعندما ذهب به ساعي البريد إلى 10 منزل 71 بالمعادي ، وجد أن العنوان خطأ ، وكان هذا في مساء 21 سبتمبر 1964 ، فما كان من ساعي البريد إلا أن عاد به للمكتب على أن يفحصه في اليوم الثاني وكيل المكتب لكي يتخذ فيه قرار ..!!

 

 

 

في اليوم التالي وفي الساعة الثامنه والنصف صباحاً كان وكيل المكتب محمد رجب بدران يجلس على مكتبه وأمامه كومة من الخطابات ، وفي نفس الوقت كان الشرطي محمد عبد الرحمن يقف أمام مكتب الوكيل يستحثه على أن يسحب له خطاب من صندوق خطابات المكتب كان قد أرسله بالأمس ليلاً ، ويريد أن يسحبه لعدم حاجته إلى إرساله ، ودار الحوار التالي :-

 

 

 

  - الشرطي للوكيل : صباح الخير يا حضرة الوكيل

 

** الوكيل : ........

 

- صباح الخير

 

** نعم ...

 

- أنا عايز أرجع الجواب ..

 

** ..........

 

- يا حضرة الوكيل أنا عايز أرجع الجواب ..

 

** جواب إيه ؟؟

 

وقبل أن يكمل الشرطي حديثه ويجواب على سؤال وكيل المكتب البريدي حدث إنفجار شديد ، وسقط وكيل المكتب البريدي تحت مكتبه والدم الغزير ينزف من وجهه ، وإنكفأ الشرطي على الأرض ، وتناثر الزجاج ، وعمت الفوضى ، وجاء موظفون المكتب يستطلعون الأمر ، وتم نقل وكيل المكتب لمستشفى مبرة المعادي ، والذي شوه الإنفجار وجهه ، وكاد يفقده عينيه ، وبالفعل أثر الإنفجار على نظره خصوصاً في عينه اليمنى ..

 

 

 

كل هذا و ( لوتز ) لم يكن يعرف أي شيء ولا يرى أي رد فعل عما أرسله إلا عن طريق جريدة الأهرام والتي نشرت تحقيق صحفي عن بعض الخطابات التي ترسل إلى العلماء الألمان ومنها عرف أن هناك واحد قد ارسل بطريق الخطأ وإنفجر في وكيل مكتب بريد المعادي ..

 

 

 

كان ( لوتز )  قد أنهى برقيته الأخيرة للموساد بعبارة سأوافيكم بالمزيد ..

 

 

 

في حقيقة الأمر كان كاذباً على رؤسائه ، وحذراً وحويطاً .. كان كاذباً لأن خطاباته لم يكن لها أثر كبير في زعزعة العلماء الألمان وهو ما كان يحاول أن يزعم عكسه في رسائلة للموساد ..

 

 

 

وكان حذراً لأنه ترك الباب مفتوح ، فلا هو قال فشلت ، ولا هو قال نجحت ..

 

 

 

وكان حويطاً ولكن حيطته قد خانته لأنه كتركيب جسماني وبرغم كل شيء كان مع المواقف التي فيها ضغط نفسي لم يكن ليستطيع أن يخفي إحمرار وجهة ولا حتى بزجاجات الشامبانيا التي كان متخصصاً فيها !!

 

 

 

ولم يكن يدري مع كل حيطته أن عيوناً ألمانية كانت ترقبه وتراقبه !!!

 

 

 

في القاهرة تزامن وجود ( جيرهارد باوخ ) مندوب أو ممثل مخابرات ألمانيا الغربية المقيم وكان متستراً تحت وظيفة مدير إحدى الشركات التجارية مع وجود ( لوتز ) ونشاطه في القاهرة أيضاً .

 

 وكان من الطبيعي بجانب تجسسه على مصر ، أن يرصد تحركات الأجانب أيضاً ، وخصوصاً الألمان أبناء بلده ، وبالتأكيد كان يضع الخبراء والعلماء الألمان تحت المجهر مع الإضطرابات التي كانت حادثة أيامها من تفجير وإرهاب وتهديد ..

 

 وبالتأكيد تم رصد ( لوتز ) من ناحيته ، والذي لفت نظره أنه يهتم بأشياء أخرى أيضاً بخلاف هوايته الأساسية وهي الخيول ، ووجد كثير من الثغرات ليمر بها في شخصية ( لوتز ) وأخذ في السباحة بدون أن يدري الآخر !!

 

 وبالتأكيد أرسل ( باوخ ) لرئاسته يستعلم عن شخصية ( لوتز ) وهل هي حقيقية أم لا ، ولكن لم يأتي رد ، أرسل مرة أخرى ثم مرة أخرى ولكن بدون مجيب ، وهذا يفسر قمة التعاون بين الموساد والمخابرات الغربية ..

 

 

 

كان ( لوتز ) في نهاية سبتمبر 1964 في قمة التوتر بعد أن فشلت مهمته فشلاً زريعاً ، وبدأت أعصابة في الإنفلات ، وبدأ يكثر من الحفلات الصاخبة الماجنة التي كان يدعوا لها أصدقائه في محاولة منه لنسيان ما حدث له ، مع كئوس الشامبانيا والتي لم تفلح في إزالة هذه الآثار عن نفسه !!

 

 

 

في هذه الأثناء وصلته رسالة مفاداها أن يبدأ في تنفيذ عملية حقيبة المتفجرات ..

 

وحقيبة المتفجرات هذه كانت حقيبة مليئة بالهدايا مثل الأقلام التي تنفجر عند فتحها ، والأجندات المفخخة ودفاتر للكتابة أنيقة كلها تحمل إسم ( مكتبة النهضة المصرية ) وهذا طبعاً كان بالتزوير ..

 

كان من المفترض أن يتم إرسال هذه الهدايا إلى العلماء الألمان في 24 ديسمبر وفي 31 ديسمبر بمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة ..

 

 

 

( لوتز ) قرر منفردأً أن يتخلص من هذه الشنطة ، وهو ما يؤكد إنهيار أعصابه ، أخرج الشنطة من مخبأها السري ، وإستقل سيارته الفولكس واجن هو وزوجته ، وتوجه بها من شوارع الجيزة إلى صحراء الفيوم على الطريق الواصل بين الفيوم والقاهرة ، وبعد عدة كيلو مترات أوقف سيارته ونزل منها ومعه الحقيبة ، وتوغل في الرمال بعيداً وزوجته تجلس في السيارة تراقبه ، ودفن الحقيبة بما فيها وعاد مسرعاً إلى السيارة والتي عاد بها أدراجه ..!!

 

 

 

بعد ثلاثة أشهر من أكتوبر ومع عوامل التعرية والعواصف الرملية ، ظهرت الحقيبة أو أجزاء منها ، وتصادف مرور العامل المصري البسيط ( عبد النبي مناع ) ( 30 سنة ) وهو في طريقة للمحجر الذي يعمل به ، ويشاء القدر أن يعثر عليها ، فرح جداً وتهلل وحملها إلى منزله بقرية كفر الجبل وبدأ فتحها وبجانبه أخوه ( عبد السلام ) ، وما أن بدأ يعبث بالهدايا حتى إنفجرت به هو وأخاه وأصابتهم إصابات متفرقة .

 

 

 

في هذا الوقت كانت عيون حادة تراقب ( لوتز ) وزوجته وآذان تصغى لكل كبيرة وصغيرة وعدسات تسجل كل تحركاته .. 

محمد بيوض

أخترنا لك: 

أضف الموضوع إلى صندوق أخترنا لك