Posted by Engineer on September 22, 2012

 

كتب السيد الخميسي : الخواجة جورجي

- ابنك ذكي يا محمد

- سأعلمه وسيدخل الجامعة

يضع كمية كبيرة من صفار البيض في "طاسة" كبيرة مع قطعة كبيرة من السمن البلدي

- كل يا ولدي .. كل .. لابد للرجال أن يأكلوا جيدا

يبسط بقايا الدقيق على طاولة العمل الرخامية ، يكتب بإصبعه

- قل ورائي ألف باء جيم البشـروش

*** 

 

 


الجزء الأول : الوطن الجميل

السيد الخميسي

صورة الخواجة في صدر المحل ، تحتها فاترينة تمتد طوليا في المنتصف تماما , فيها أصناف الجاتوه ، وعلى الأرفف زجاجات بأحجام مختلفة وأشكال جميلة مرصوصة بعناية ، بجانب علب الشيكولاتة الفاخرة .

يطل المحل مباشرة على ميدان "المنشية" في حي "الإفرنج" قريبا من قناة السويس .

أتسلق درجتي السلم مستعينا بيديّ ورجليّ ، يساعدني "المحصل" على الصعود إلى المقعد العالي ، أقول باعتداد بلغة ممزقة : "ميدان المنشية" ، يضحك "المحصل" ويقول : يعني آخر الخط ، ولا يأخذ مني نقودا .

هناك خطان للنقل الداخلي ، واحد يسير في شارع "الثلاثيني" والآخر يسير في شارع "كسرى" - أمام بيتنا - ينتهي الخطان إلي شارع جانبي ينفرع من ميدان "المنشية" أمام "كاتدرائيتين" عملاقتين متقابلتين ، أنظر إلى الإعلان الضخم على الناصية .. رجل عملاق ملفوف بالكاوتشوك أمام محل "لهيطة" لبيع إطارات السيارات ، بجواره على اليمين محل الحلويات الذي يعمل فيه أبي .

أصر الخواجة "جورجي" أن أحضرمع أبي كل صباح ، يقول : "العربي" وشه حلو"

وافق أبي أخيرا ، خصوصا بعد تلك الحادثة التي ما زالت محفورة بأعماقي .

 


كان الوقت شتاء ، هبط الليل وأنا أبحث عن محل أبي ، أدور حول الميدان الصامت ، المحلات المغلقة متشابهة ، وكذلك الشوارع المتفرعة عن الميدان ، عدت إلى نهاية خط "كسرى" بين"الكاتدرائيتين" .. لا أثر للسيارات ، فقط الظلام وصوت الريح وهذه الحوائط المرتفعة التى تسد وجه السماء .

سرت قليلا تحت "البواكي" الشاهقة أحتمي من المطر وحبات الثلج الغزيرة المنهمرة ، يسلمني شارع إلى شارع ، و"باكية" إلى "باكية" ، وفجأة وفي وقت واحد تنفتح النوافذ و"البلكونات" ، وتنهمر الزجاجات الفارغة ، وأنا فزع لا أجد تفسيرا لهذا الجنون الذي أصاب الناس مرة واحدة .

ملأني الخوف ، فقدت القدرة على التذكر أو التمييز بين الشوارع ، شلني الرعب ، هول يشبه يوم القيامة ، وحدي بحجمي الضئيل أنتظر أن تنطبق السماء على الأرض ، صوت الرعد ووميض البرق وصوت تحطم الزجاج المنهمر من البيوت على الإسفلت ، وأنا تائه وحيد أرتعش من البرد ، لا أعرف الطريق إلى بيتنا .

وكأنني في حلم رأيت أبي على دراجتنا "الرالي" السوداء الكبيرة , وسط المطر والظلام يبحث عني في تلك الشوارع المجنونة .

قال أبى : وجدته في أول حارة اليهود

بحث أبي في الشوارع المؤدية إلى حارة اليهود ، وبحث عمي في الشوارع المؤدية إلى "القناة" حيث الكباريهات :

"ريتس" "سيسل" "اسبلندد" وغيرها ، كانا يخافان علي من "اليهود" و من جنود الاحتلال السكارى .

شهقت أمي وهي تضمني إلى صدرها في فزع : حارة اليهود ؟

وكأن هذا الرعب الذي واجهتُه - وحدي - في حي "الإفرنج" شئ وما يمكن أن ألاقيه في حارة اليهود شئ آخر .

قال عمي : إنه "الكريسماس" ، فيه يسكرون وفي منتصف الليل يلقون بزجاجات الخمر إلى الشارع ابتهاجا بالعيد ، ألم تجد سوى"الكريسماس" لتتوه فيه وأيضا في "الإفرنج" ؟

 


سألته عن حارة اليهود قال أساطير يشيب لها الولدان قال : في بعض أعيادهم يقفون على رأس الحارة ، يخطفون أول من يرونه من أطفال المسلمين أوالمسيحيين يضعونه في "شوال" ويذهبون به إلى المعبد ، يضعونه في كرة كبيرة من الحديد مبطن جوفها بمسامير وسكاكين مسنونة ، يديرونها على محور تحته إناء فضي ، وبعد وقت كاف لتصفية دم الطفل القبطي أو المسلم , يفتحون صنبورا في أسفل الكرة فيمتلئ الإناء الفضي بالدم ، يأخذه الحاخامات ساخنا ، يعجنون به فطيرا يوزعونه على شعبهم في صباح العيد .

ظللت لفترة طويلة أحلم بالكرة الحديدية المغلقة وسكاكين اليهود تمزق لحمي ، وتصفي دمي .. ولازلت ، ظللت لفترة طويلة لا أحب حي "الإفرنج" ولا من يسكنون فيه .. ولازلت .

- لماذا أنت عنيد هكذا يا "محمد"

- أنت وعدتني أن تبيعني المحل

- نعم سأبيعك نصف المحل والنصف الآخر"لأنطونيو"

- لا يا خواجة "جورجي" لم يكن هذا اتفاقنا ، خمس عشرة سنة وأنا أبني هذا المحل ، سنة وراء سنة وأنت تقول لي :

عندما يجيء اليوم الذي أترك فيه مصر هذا المحل لك

- صدقني يا محمد ( انت أسطى حلواني كويس ) لكن إدارة المحل شئ آخر ، ولولا إصرار ابني "ميشيل" على السفر ما تركت مصر .. ما الذي فعله بكم "جمال عبد الناصر" ؟

 

*** 

 نبذة عن كاتب المقال :

- خريج آداب القاهرة 69

- تمهيدي ماجيستير آداب عين شمس 74

- تم تكريمه في مؤتمر أدباء مصر 2000 دورة مرسى مطروح

- تم تكريمه في المؤتمر الأول لأدباء القناة وسيناء في الإسماعيلية 1995

- نشر في الإصدارات الأدبية المتخصصة في مصر وخارجها وفي كثير من كتب المؤتمرات الأدبية

- تناول إبداعاته نقديا معظم كبار النقاد

- عضو اتحاد كتاب مصر

- عضو مجلس إدارة فرع اتحاد الكتاب للشرقية ومدن القناة وسيناء - دورة سابقة

- نائب رئيس مجلس إدارة فرع اتحاد الكتاب للشرقية ومدن القناة وسيناء - دورة سابقة

- أمين عام مؤتمر القناة وسيناء الذي أقيم بالإسماعيلية - دورة سابقة

 

مطبوعاته :

- نصغي ويقول الموج -شعر- المستقبل 87

- الرقص الغجري - شعر- المستقبل 88 - ط 1

- الرقص الغجري - شعر - مكتبن الأسرة 2004 - ط2

- من مقامات الرحيل - شعر - هيئة قصور الثقافة 2000

- طرح الحروف - شعر - دار الإسلام للطباعة والنشر 2010

- البشروش - رواية - طبعة محدودة - مطبعة الشعب ييورسعيد -1997

- الفرائس - رواية- هيئة قصور الثقافة 2000

- سيف المتنبي - مسرحية شعرية - الهيئة العامة لقصور الثقافة - سلسلة نصوص مسرحية 122 -2012

تحت الطبع :

- امرأة الماء - شعر

- شارع التجاري - رواية -

- شعراء وقصاصون - نقد

- عشرون عاما في المسرح المدرسي- مسرح

- عضو أتيلييه القاهرة للفنون والآداب

- ( تحت الطبع ) - أبو المسك كافور المصري - مسرحية

السيد الخميسي

سبتمبر 2012