Posted by Engineer on September 23, 2012

 

كتب السيد الخميسي : هيلا ليصا هيلا

 

قال أبوه : ابق معي وسأحضر لك حصانا من الشيكولاتة

- سأذهب مع أمي

تلك المركب مملوكة لأحد أخواله ، تنقل إلى البلدة الرمل الأصفر وأحجار البناء الحمراء ، وبعض المسافرين .

"النسايمة" واحدة من تلك القرى المتناثرة على تخوم البحيرة , يسكنها صيادون وفلاحون ، تنحدر أمه من سلالة الصيادين .

خرج أجدادي إلى البحر ، داست أقدامهم , تلك الأرض الشاطئية المنعزلة ، قبل أن يشاركهم فيها الوافدون من الأخلاط , والأجانب الغزاة .

يرفع خالي "الحلة" الكبيرة من النار ، "يسمّي" ويغرف من الأرز الأحمرالدسم ، دفن فيه ما قسم الله من أطايب البحيرة .

تقول أمي : لايطبخ أحد "المدفونة" كما يطبخها "المراكبية"

يقول خالي : سمك يخرج من الماء إلى النار ما ذا تنتظرون أن يكون طعمه ؟

يقول المراكبي : الريح "مِنَسّم" وشك حلو يا "عربي" , يملأ الهواء القلوع ، تنساب المركب برشاقة مائلة على جانبها الأيسر ، صوت الارتطام على الجانب الأيمن المرتفع , ورشاش الماء المندهم يدغدغ الحواس ، يرفض أن يبقى في "الخن" أسفل السفينة ، تسلمه أمه لأخيها يمرح على سطح المركب المحدب الخطر .

 


يركب ذراع الدفة الغليظ ، يتعلق بالحبال ، ينبطح على الخشب "الملياط" الذي حال لون دهانه القديم ، يقبض الماء الذي يفر من يديه مخلفا تلك الكهرباء الساحرة في أصابعه وروحه .

- حاسب عروسة البحر تسحبك من يدك وتغوص بك عند أهلها ولا تعود

يحب هذا الخال المراكبي .. عالم من الخيال , وإن شئت الدقة , عالم من الواقع الرحب , معه تتعدى البحيرة مائيتها و"زبدها" و"غَلَتَها" و"حَشَفَها" وطينها ورملها وقواقعها وشواطئها وقمرها وريحها ، تتحول إلي كائن حي , على نحو ما يتحدث ويتواصل ، يكتمل بناسه وأسماكه وجنه وعفاريته ..

مع هذا الخال المراكبي ، تعلمت لغة الكائنات .

لا يتذكر من"النسايمة" سوى بيت خاله المطل على البحيرة ، أمامه مرسى كبير لمركبه الكبيرة , خلفه تمتد حقول الأرز المغمورة بالماء العذب يسبح بين شتلاته البعوض المتوحش ، وتلك الشجرة على رأس "المدق" المؤدي إلى مساكن القرية الريفية ، والذي ينفرع إلى "مدق" آخر صغير يؤدى إلى المقابر .

 


من فوق هذه الشجرة قفز "كمونة" إلى البحيرة مع الأطفال القافزين ، سقط في الماء "الدَرَاك" على رأسه " زرع بصل " ، شج رأسه ، كادت تنقصف رقبته ويموت ، ضج أطفال القرية بالضحك على هذا "البورسعيدي" الغشيم الذي ضحكت عليه "الجنية" .

تحت هذه الشجرة في الغروب نلتف حول خالي ، نستمع إليه وهو يحكي عن"الجنية" التي تسكنها .. تختار من الشباب الذاهبين إلى القرية بالليل أكثرهم فتوة وجمالا , تغريه بوسائلها التي لاتقاوم ، يذهب معها إلى المقابر ، تشرب دمه .. أنظروا يمسك خالي بعود صلب ، ينحت لحاء الشجرة فيسيل ما يشبه الدم .

يقول : إذا جف هذا الدم نعرف أن أجمل شباب القرية سيزور المقابر , وغالبا لا يعود ، وإذا ما عاد يعود "مخاويا" "ممسوسا" , يهيم على وجهه في شوارع القرية بالنهار , ويرجع إلى المقابر بالليل .

- لماذا يعود إلى المقابر يا خال ؟

- أصبح "مجذوبا" .. جذبته الجنية بجمالها

- أريد أن أصبح "مجذوبا" يا خال

يضحك الأطفال من هذا "البورسعيدي" الأحمق الذي يحسد المجاذيب على ذهاب عقلهم .

يقول خالي : في موسم الفيضان تدب الحياة في كل شئ ، تهتز الأرض , تربو ويتفجر خيرها ، حتى الماء في البحيرة يكاد أن يصبح عذبا فراتا , يتقافز فيه السمك الغزير من كل نوع شبعانا دسما , نقبضه بأيدينا من الجحور التي صنعتها أقدامنا في طين البحيرة الخصب ، يختلط "المالح" "بالحلو" والأرض بالأرض والخير بالخير ..

بيت خالي في " مرج البحرين "

في بورسعيد كثيرا ما أذهب في الليل وحدي إلى "المردة" , عند المدخنة الطويلة , أنتظر "العون" الذي وصفه الخال .. لماذا لا يظهر ؟ .. تسحبه الجنية من يده وتغوص به إلى القاع ، عالم ملئ "بالدلافين" المقهقهة , وحوريات البحر ، تلمع زعانفهن وذيولهن في الضوء الأزرق والفضي ، أصداف مذهبة وقواقع من نور ..

يطأ سمكة بنية لزجة ، حصان الشيكولاتة الذي احتضنه ونام تحول إلى فطيرة بنية لزجة ، صوت أبيه وهو يحمله على يديه , يعلمه السباحة في الماء الرائق المنعش : اسمع كلامي ابق معي أحسن لك

 


يقف الهواء تماما ، المركب التي تمخر الماء جذلة مجلجلة أصابها الشلل ، فجأة تقف عاجزة كصخرة ميتة ، انكفأ صدرها في الماء مثل طائر قتيل ، فقط الحر والرطوبة التي " تشر" عرقا من أجسامنا المختنقة . . ينزل الرجال إلى الأرض القريبة يجرونها باللبان .

هيلا ليصا

هيلا

هيلا ليصا

هيلا

صوتهم شجي وعميق .. وحزين

على رأس المركب , يقف الخال ، طويل مثل "إله" فرعوني مهيب ، في يده "مدراة" , طويلة يتحسس بها القاع , الذي يحفظ تضاريسه تماما , يتخذ لمركبه طريقا آمنة , وسط تلك المياه الضحلة القريبة من الشاطئ ، عضلاته التي تلمع في ضوء القمر , أشد صلابة من "المدراة" التي في يده

- الهمة يا رجالة

" هيلا ليصا

هيلا

هيلا ليصا

هيلا " 

*** 

 

السيد الخميسي

سبتمبر 2012