Posted by Engineer on October 10, 2012

 

كتب السيد الخميسي :

- الكهرباء مقطوعة .. َضربوا " وابور النور"

- ضربوا أيضا محطة المياة

- من أين تشربون ؟

- ما جمعناه من " تصافي " المواسير

حملت "آنية" كبيرة من المحل وخرجت ، لن أنسى نظرتهم وأنا مقبل عليهم و"الآنية" على رأسي تترجرج , والماء يتساقط من شعري وملابسي .

نتنافس يوميا أنا و"فهمي قلفوط" في تنظيف شارع "كسرى" ، أكنس أمام محلنا وهو يكنس أمام القهوة ، ثم نحضر خراطيم المياه , ونظل نطفئ إسفلت الشارع الملتهب .

حينما تنقطع المياه ويأتي عم "قلفوط" ، أظل أضحك وهو يجري وراء ولده ، يقذفه بكراسي القهوة ويقول : أنت "لعباتي" وكسول كان يجب أن ترش الشارع قبل أن تنقطع المياه ، انظر إلى "العربي" ولد ناصح ونشيط .

بدأت الحكاية صدفة ، جوارنا تماما , على ناصية الشارعين ، محل "محمد الجيار" البقال ، أمامه على الرصيف يقف عم " السعيد " بائع "الطعمية" ، لا يفتح إلا بالليل .

يتزاحم الناس . يتخاطفون "الطعمية" اللذيذة ، المحشوة بالبصل البني , والمكسوة بالسمسم الذهبي ، يشترون أيضا الباذنجان المقلي المنقوع في الخل والثوم والطماطم ، يقف عم "السعيد" على غطاء "بلاعة" حديدي ومستطيل .

حينما وقع مني "الريال" الفضة ، رأيته يتدحرج ويسقط داخل " البلاعة " تحت قدمي عم "السعيد" ، لم أتكلم ، أعطاني أبي "ريالا" آخر .. ظللت آكل الطعمية الشهية بلا شهية .

 


في الصباح الباكر , قبل أن يفتح عم "محمد الجيار" دكانه , أزحت غطاء البلاعة الحديدي ، مددت يدي في الماء ، الذي تفاجأت بأنه نظيف , أخرجت "ريالي" ومعه بعض "الفكة" ، خمسات قروش فضية عشرات قروش عليها صورة الملك على رأسه الطربوش قطع مربعة من الفضة بقيمة قرشين ونصف وبقيمة قرشين وأخرى نحاسية بقيمة نصف القرش وقليل من "الريالات" الفضية و"الملاليم" النحاسية وأنصاف الملاليم , كنز من العملة الصغيرة والمتوسطة , ظللت لفترة طويلة متحيرا هل أخبرعم "السعيد" ؟

أخيرا توصلت لقرار جرئ ومنطقي ومريح , على الأقل بالنسبة لي .. هذا رزق ساقه الله , وحرام أن "أرفص" النعمة بقدمي .. أو حتى بيدي , فعم "السعيد" رجل يخاف منه الأطفال ، ولا يعطي "طعميته" اللذيذة إلا لمن يحمل نقودا , ولم أره في يوم من الأيام يعطي أحدا شيئا بلا ثمن , لصغير أو لكبير , لغني أو لفقير ، كما إنه لايقف على "أملاك أبيه" , إنه واقف على رصيف عم "محمد الجيار" وفوق "بلاعة الحكومة" .. هي نقود سقطت من أطفال خائبين ، وربما ضرب بعضهم بسبب وقوعها "علقة" ساخنة ، فليس كل الآباء مثل أبي ، وليس كل بائعي "الطعمية" مثل عم "السعيد" .

قال أبي : هذه مياه نظيفة تتسرب من "محبس" حنفية "المطافي"

.. كانت المياه ساعتها مقطوعة عن البيوت

في الأيام التي تنقطع فيها المياة كنت أتسحب إلى "البالوعة" , حتى لا يراني ابن "القهوجي" ، أرفع الغطاء الحديدي ، أفتح المحبس قليلا ، "أنزح" الماء وأرش الشارع ، وعندما يأتي عم "قلفوط" , أظل أضحك وهو يجري وراء ولده , يشتمه ويكسر على رأسه كراسي القهوة , "وفهمي" ينظر إلي بعينين يتطاير منهما الشرر .

صوت عم "قلفوط" وهو واقف على رأس "حنفية المطافي" ينظم الطابور : بالدور .. كل واحد سيأخذ نصيبه

"صوت عبد الناصر" في الراديو : سنقاتل .. سنقاتل حتى آخر قطرة من دمائنا

ينظر أبي إلي .. يضع كفه الكبيرة فوق كتفي .. ما أرق هذه الكف الكبيرة .. القوية .

 

 

 

 

*** 

 

السيد الخميسي

أكتوبر 2012