Posted by Engineer on November 02, 2012

 

كتب السيد الخميسي :

يخرج الضفادع الميتة المنتفخة ويبكي ، وضعها كمونة في حوض الغسيل الكبير ، المبني من الطوب الأحمر ، تحت حنفية المياه الضخمة ، في مدرسة "أجا" الإبتدائية .

أقمنا في مبنى المدرسة ، يقتسم "الفصل" عائلتان , أخذ أبي فصلا كبيرا , لنا ولعمتي وأولادها

- لماذا يفعل ذلك يا أمي ؟

- مسكين "كمونة" قلبه غير رحيم

بامر الحكومة تتجه اللنشات والمراكب إلى المطرية ، ومنها يتم توزيع المهاجرين على كافة محافظات مصر .

استقبلنا الفلاحون أولا بالطعام والعطف ، يتسابقون في إكرامنا وإنزالنا من السيارات الضخمة التي أتت بنا من المطرية .

مع الوقت لم نعد ضيوفا صرنا "مهاجرين" ، كلمة جديدة في قاموس الشعب المصري , ذكرتنا بكلمة "لاجئين" التي نسمعها فتثيرفي نفوسنا الشفقة على إخواننا الفلسطينيين ، آه من هذه الشفقة القاسية .

 

ظل الفلاحون ينظرون إلينا باندهاش وحذر ، عاداتنا لها طعم البحر كما إننا لم نتقبل بسهولة , هذه الحياة الريفية التي تنام من المغرب .

جاءنا أبي مصابا بشلل في وجهه , يغطيه "بتلفيعة" كبيرة حتى لا نرى فمه المشدود جهة اليسار قال الطبيب : لفحة برد شديدة .. علاج بسيط ويشفى إن شاء الله

يفرش أبي فرشته على البلاط , وينام بجوار باب الفصل حتى يحرس الجميع , في "بورسعيد" ينام على سرير ضخم بأربعة عمدان حديدية , ومراتب تحرص أمي أن تضعها في الشمس كل صباح ، خرجنا من " الدار للنار " .. كان يجب أن نبقى في بورسعيد .

أصبح عمي عصبيا ، كثرت احتكاكاته بشباب الفلاحين ، نذهب يوميا أنا وهو إلى "المنصورة" , لعمل جلسات الكهرباء على وجه أبي ، لم أفهم كيف تشفي الكهرباء الوجه المشلول ، نركب قطار"الدلتا" الصغير البطيء الذي يشبه اللعبة ، يتهادى وسط الحقول الخضراء وعلى كوبري "أجا" الرفيع الذي رأيت المياه وقد جفت تحته , والفلاحون يقبضون الأسماك الحية من الطين "الرائب" بأيديهم ، ورأيتهم يتنقلون بين الضفتين البعيدتين على أرجلهم , خائضين في الطين الأسود ، تعجبت يومها , كيف أصبح الكوبري بعيدا جدا ومرتفعا ، رأيت أيضا الماء البني يتدفق في دوامات عكرة , مسرعا ومحتدما , وله هدير يشبه هدير بحرنا في يوم هائج .

أسير على حافة النهر ، أتعلق بهذه الأشجار التي ترسل أحبالها إلى الماء ، أقذف ثمارها التي تشبه قرون الخروب الكبيرة ، لم تعد هناك قرون في متناول الشاطئ ، القرون الكبيرة وحدها بعيدة ومتحدية ، أضربها فتسقط في الماء المندفع الغاضب ، أتتبعها إلى أن تقترب من الشاطئ ، أحاول انتشالها بأطراف أصابعي ، أنجح قليلا وأفشل كثيرا ، أجد عمي جالسا تحت شجرة ، ينظر إلى الماء وهو شارد ، يرسم "الضامة" في الأرض الرملية المنبسطة ، يعلمني كما كان يفعل على رمل"بورسعيد" الناعم ، يراقب عن بعد بناتنا عصرا , وهن متجمعات تحت الأشجار , قريبا من الماء ومن باب المدرسة ، يحكي لي أخبار بورسعيد ، كيف اختطف الفدائيون "مورهاوس" وكيف فجر "عسران" "ويليامز" .

في الليل أرى نفسي راكبا دراجتنا "الرالي" السوداء الكبيرة , مستدرجا "مورهاوس" إلى كمين الفدائيين .. ليتنا لم نهاجر .

أحمل فانوسا صغيرا ، أخرج إلى الحقل القريب أريد الهواء ، مزق البعوض جلدي ، ليل الريف أسود وثقيل ، الأرض نائمة ، الأشجار نائمة ، لا يصحو في ليل الريف سوى الضفادع المسكينة ، وهذا البعوض المتوحش ، سماء الريف مظلمة ليس فيها نجوم ولا قمر .

تحتبس الصرخة في حلقه قليلا قبل أن تخرج منشرخة مثل سهم أفلت وتره ..

- لماذا عيون الكلاب هنا مخيفة ياأمي ؟

- حمدا لله على سلامتك .. إنه ذئب

- ذئب ! .. لماذا خلق الله هذه المخلوقات المتوحشة في صورة الكلاب ؟

 

 

 

 

*** 

 

السيد الخميسي

نوفمبر 2012