Posted by رومانسية on December 19, 2009

منقول من الأهرام 9 مارس 2008

دراسة ميدانية وثائقية يكتبها‏:‏ محمود مراد


*‏ان احداث مارس‏1969‏ العظيمة لا تزال في وجداني‏..‏ فلقد كان حظي ان اكون وقتها في الجبهة وبالذات عند موقع عبد المنعم رياض‏..‏ المعدية رقم‏6‏ علي خط النار مع الرجال‏..‏ رفاق السلاح‏....‏ أعيش معهم ساعات ذلك القتال الذي بدأت مقدماته ظهر يوم‏8‏ مارس‏.‏ وقتها كنت أجلس أمام فوهة أحد الخنادق‏..‏ بجواري راديو ترانزستور يذيع موسيقي خفيفة لا تعنيني أن أنصت اليها لكنها بصفة عامة تشيع احساسا بالراحة‏..‏ بينما عيناي تحدقان فيما حولي‏..‏ رمال صفراء تلسعها أشعة الشمس‏..‏ وأشجار تتحدي بخضرتها تربة الصحراء وتعطي الأمل‏..‏ ومن قرب يبدو شريط القناة‏..‏ حزينة مياهها‏..‏ راكدة بغير حراك وهنا وهناك زملاء من المقاتلين‏..‏ بعضهم في نوبات عمل وحراسة وراء مدافعهم أو يمسكون ببنادقهم‏.‏ أو منصتون لأجهزة اللاسلكي أو راصدون لسكنات العدو قبل تحركاته علي الشط الآخر وبعضهم في فترة راحة يخيط ملابسه‏..‏ أو يغسل أوانيه‏..‏ أو يقرأ جريدة‏..‏ أو يداعب قطة لست أدري من أين جاء بها‏..*


 


وفجأة يقطع تأملي أحد المقاتلين‏..‏ وكان من قبل طبيبا بيطريا ومع كلماته المرحة بدا متهكما علي‏'‏ سرحاني‏'‏ يلتقط جهاز الراديو ويعبث في مؤشره باحثا عن أغنية لكنه يتوقف علي صوت مذيعة تعلن من راديو اسرائيل عن تهديد موسي ديان ـ وزير دفاع العدو ـ بالهجوم علي جبهة القناة انتقاما من القناصة المصريين الذين يصطادون أفراد العدو‏.‏

ارتفعت ضحكات المقاتل وهو يقول معلقا‏:
شوف ابن الـ‏..‏ طيب ييجي يورينا شطارته‏.‏
ودخلنا في نقاش ساخن واتسعت دائرة النقاش لتشمل زملاء آخرين‏..‏ ولم ينته النقاش الا بوصول طعام الغداء‏..‏ فقمنا نستعد له‏.‏

وضعنا الطعام أمامنا شهيا لذيذا‏..‏ وقبل ان تمتد اليه أيدينا جاءنا الأنذار بالمعركة‏..‏

علي الفور نهض الرجال كل الي موقعه‏..‏

وبدأ القتال‏..‏ ولعبت المدافع دورها واستمرت حتي هبط الليل ولم تفلح مشاعل العدو التي كان يطلقها في كشف مواقعنا فلقد كان المقاتلون يصطادون المشاعل وهي في الجو‏.‏

ثم فجأة اندلعت النيران بشدة وسط انفجار عنيف في دشمة العدو أمام كوبري الفردان والتي تعتبر جزءا هاما من خط بارليف الذي بناه حصنا يحميه‏..‏ وفجأة أيضا وبروح عالية خرج المقاتلون المصريون من خنادقهم تحت الأرض يهتفون‏:‏

الله أكبر‏..‏ الله أكبر‏..‏

واشتد انفعالهم وعلت أصواتهم تملأ الفضاء وهم يشهدون الانفجار الدامي الذي وقع في مخزن رئيسي لذخيرة العدو‏..‏ يحيل ظلام الليل إلي نور بفعل ألسنة اللهب المتشعبة التي تكشف من تحتها أفراد العدو يجرون‏..‏ وبعد قليل رصدت مدافعنا احدي وحدات مدرعات العدو قادمة من المحور الأوسط لتعزيز قواته وترجم الرصد إلي عملية تكتيكية فأطلقت المدفعية قذائفها تفتك بقوات العدو وتدمر بعض مدرعاته وتهرب الأخري عائدة من حيث أتت‏.‏

وتوقف ـ للأسف ـ إطلاق النار‏..‏

وخرج قائد التشكيل من خندق العمليات يجلس علي كرسي وسط الرجال يرشف فنجانا من القهوة ومن حوله جلسنا أو وقفنا نهنئ أنفسنا ونأمل أن يتجدد القتال‏..‏

مضي جزء كبير من الليل‏..‏ وعدنا الي خندقنا وعندما دخلنا تذكرنا الطعام‏..‏ وكم كانت حسرتنا عندما اكتشفنا ان القطة التي يصادقها أحد الزملاء قد دعت في غيابنا بعض أسرتها لالتهام طعام غدائنا وعشائنا‏..‏

ضحكنا‏..‏ وقال واحد منا وصدقنا جميعا علي كلامه‏:‏

اقول لكم الحق‏..‏ أنا شبعت‏..‏ شبعت من السعادة‏..‏ من اللي حصل النهاردة‏..‏

وقال المقاتل‏'‏ الطبيب‏':‏

مش قلت لك‏..‏ ييجي يؤرينا شطارته‏..‏

تفرع النقاش‏..‏ وطال ثم أسلمنا عيوننا للنوم‏.‏

صبح الصباح‏.‏ خرجت الشمس من بيتها تغسل الكون من بقع السواد‏..‏ بقايا الليل‏.‏

حكي لنا الرجال المكلفون بالحراسة ليلا كيف كان العدو ينقل قتلاه وجرحاه ويجمع أشلاءه المتناثرة علي أرض سيناء‏..‏

وبدأ كل واحد من الذين اشتركوا في القتال يروي ما فعل‏..‏

وأكدت أجهزة الرصد ان خسائر العدو أكثر مما أذاعته قيادتنا في البلاغ الرسمي‏..‏ لقد كان التنبيه مشددا بأن تأخذ القيادات المحلية الحذر ولا تبالغ ولا تذكر خسائر العدو الا اذا كانت محققة وأكيدة ولهذا فقد أغفلت البلاغات ذكر خسائر لم يكن التأكد منها ـ وقت الاصدار ـ يصل الي درجة مائة في المائة‏.‏

ومع الحديث عما جري بالأمس نشط الاستعداد لما هو متوقع حدوثه اليوم‏.‏ فاليوم ـ‏9‏ مارس ـ لابد وأن يحاول العدو الانتقام من خسائره أمس‏8‏ مارس‏.‏

وبعد ان عقد قائد التشكيل اجتماعا مع مساعديه استقل سيارته الجيب ليطوف علي الوحدات الرابضة علي شاطئ القناة في دراسة ميدانية لساحة المعركة‏.‏

......







وفي الساعة الثانية ظهرا‏..‏ كان رئيس أركان التشكيل يراجع بعض التقارير‏..‏ وعلي بعد خطوات أمامه وقف رقيب وفي يده دفتر الأوامر انتظارا لتوقيعها عندما دخل المكتب الفريق عبد المنعم رياض‏..‏ ممشوق الجسد يرتدي زي الميدان علي عينيه نظارته الشمسية وفي يده عصاه‏..‏ فوجئ من في المكتب‏..‏ انتفض رئيس الأركان واقفا مؤديا التحية العسكرية‏..‏

رد عبد المنعم رياض التحية وسأل‏:‏ انت قائد التشكيل

-‏لا يا فندم‏..‏ أنا‏(....)‏ رئيس الأركان‏.‏

*‏ أمال فين القائد

-‏بيمر علي الوحدات يافندم‏.‏

*‏ طيب انا عايز امر علي الوحدات‏..‏ أقابل الرجال اللي حاربوا امبارح‏..‏

-‏أمرك يا فندم‏..‏ أنا جاي مع سيادتك‏..‏

*‏ لا‏..‏ خليك انت هنا‏..‏ هتبقي انت والقائد مش موجودين‏..‏ أنا عايز أي ضابط ييجي معايا‏..‏

-‏حاضر يا فندم‏..‏ النقيب‏(....)‏ هيكون مع سيادتك‏.‏

*‏ يللا بينا‏..‏

جري الحديث دون ان يجلس عبد المنعم رياض‏..‏ دون ان يستريح لحظة‏..‏ دون أن يتناول حتي رشفة ماء‏..‏

ركب عبد المنعم رياض سيارة جيب يقودها رقيب أول وجلس معه في السيارة رئيس اركان الجيش الثاني وقائد مدفعيته وفي سيارة أخري كان النقيب المرافق سلكت السيارتان طريقهما الي الكتيبة التي يرابط افرادها عند المعدية رقم‏6‏ وما حولها‏..‏ قابله قائد الكتيبة ورئيس عملياتها‏..‏

........‏

ان هذه الكتيبة كان لها الدور البارز في عمليات الأمس‏..‏ تركز عليها هجوم مدفعية العدو بقصف حاد كثيف ورغم ذلك استطاع افراد الكتيبة أن يردوا علي هذا الهجوم وان يدحروه‏.‏

أيضا فان هذه الكتيبة كانت سبب المعارك‏..‏ قبل يومين‏.‏

يوم‏6‏ مارس اصطاد قناصة الكتيبة ثلاثة من جنود العدو‏..‏ وفي ذات اليوم فلح قناصة العدو في اصابة جندي مصري‏..‏

وفي اليوم التالي‏7‏ مارس وانتقاما لهذا الجندي المصاب ورغم قتل‏3‏ من جنود العدو تربص قناصة الكتيبة حتي شاهدوا‏7‏ ضباط للعدو لابد أنهم جاءوا للمعاينة ورسم خطة وخلال نقاشهم من حول خريطة ميدانية بين حراسة عدد من الجنود انطلقت بنادق القناصة المصريين فأصابت‏4‏ منهم تكوموا علي الأرض بينما فر الثلاثة الآخرون‏.‏ وعندما حاول بعض الجنود سحب الأربعة في حماية احدي المدرعات انهمر عليهم الرصاص المصري فأصاب بعضهم‏..‏

هذا الحادث يجعل للكتيبة مكانة خاصة‏.‏

وهو أيضا السبب الذي دفع ديان الي اعلان تهديده ـ والي بدء معركة الأمس‏8‏ مارس التي تكبد العدو فيها خسائر لم يكن يتوقعها‏.‏

لهذا السبب أيضا اختيرت الكتيبة ليزورها رياض فلقد كان هو مصرا علي أن يلتقي بالمقاتلين أينما كانوا‏.‏ وعندما طلب هذا من قائد الجيش عند لقائه به في موقع خلفي اقترح قائد الجيش أن يزور الفريق رياض موقعا للمدفعية ضحك رياض الذي كان من قبل قائدا للمدفعية‏:‏

أفضل أن أزور وحدة مشاة من التي اشتبكت أمس‏..‏ فلهذا السبب جئت وأيضا لا أحب أن أبدو متعصبا للمدفعية‏.‏

وعاد قائد الجيش يقترح وحدة أخري لأن وحدة المشاة التي قاتلت موجودة علي شط القناة مباشرة وعاد رياض يصر قائلا ان مكان القادة بين جنودهم في الميدان ولهذا فسوف يذهب حتي ولو قطع الطريق الي المقاتلين زحفا‏.‏

هكذا تحدد خط سير الزيارة

وكم كان الفريق رياض سعيدا وهو يزور الكتيبة التي استبسلت في معركة‏8‏ مارس‏..‏ وطلب أن ينتقل علي الفور الي مواقع المقاتلين وكما فعل في قيادة التشكيل فعل هنا طلب من قائد الكتيبة أن يبقي في غرفة عملياته انتظارا لأي طارئ واصطحب معه الرائد‏(....)‏ من الكتيبة‏.‏

قال الرائد‏:‏ سيادة الفريق‏..‏ الي اين تريد أن تتوجه سيادتك

ورد رياض‏:‏ الي أي موقع أمامي‏..‏

..‏ الرائد‏:‏ أمامنا أكثر من موقع‏..‏

قال رياض‏:‏ اذن نزور أكثرها تقدما في الامام‏.‏

بالفعل توجه الفريق عبد المنعم رياض الي المواقع الأمامية يلتقي بجنودها يناقش قادتها يدخل الخنادق فاحصا مدققا يسأل الأفراد عن معركة الأمس وكيف جرت ينتقل خلف السواتر رشيقا باسما‏..‏

ورغم أن عبد المنعم رياض هو رئيس هيئة أركان حرب القوات المسلحة بكل ما يتضمنه معني المنصب من مهابة الا أنه أشاع البسمة والراحة‏..‏

لم يشعر أحد بالخوف‏..‏ لم يتلكأ لسان أحد بالحديث‏.‏ وهنا قال الرائد‏:‏

-‏سيادة الفريق‏..‏ هل تحب أن تري بقية جنودنا في حفر مواقعنا

وببسمة مشرقة اجابه عبد المنعم رياض باللغة الانجليزية التي كان يجيدها مع الفرنسية والروسية‏ yes, by all means‏‏

أي‏:‏ نعم وبكل وسيلة‏.‏

اتجه الفريق رياض ومن معه وسط طريق مرصوف ضيق يخترق حديقة اشجار نادي هيئة قناة السويس الي الموقع نمرة‏6.‏

هذا الموقع تابع لكتيبةالمشاه وكانت فيه وقتها مدافع‏85‏ مم‏.‏

صافح رياض الجنود واحدا واحدا‏..‏ مر عليهم في مواقعهم‏..‏ ناقشهم وناقشوه‏..‏ ضحك معهم وضحكوا معه‏..‏ شعر كل منهم انه امام أخ أكبر‏..‏ أما أب‏..‏ أمام استاذ قبل أن يسقيهم العلم يحتويهم بالحنان‏..‏

هذا‏..‏ في موقع بينه وبين العدو علي الشط الشرقي نحو‏150‏ مترا فقط‏.‏

ولقد كان عبد المنعم رياض يدرك خطورة هذه المواقع ويدرك أيضا أن العدو بغير شك يستعد لينتقم من معركة الأمس‏.‏ لكنه قبل ذلك كان يؤمن وينادي بضرورة أن يحارب القادة من قلب الميدان ذاته لا أن يديروا المعارك من مكاتبهم‏.‏

كان عبد المنعم رياض دائما يؤمن ويقول‏:‏

'‏ ان مكان الجنرالات الصحيح وسط جنودهم واقرب الي المقدمة منه الي المؤخرة ابهذا المفهوم الصحيح أعاد رياض الي العسكرية المصرية شرفها وقدرتها‏..‏

وبهذا المفهوم كان لقاؤه بالمقاتلين علي بعد‏150‏ مترا فقط من العدو‏.‏

وبهذا المفهوم أيضا قام رياض بهذه الزيارة رغم الجهد الذي بذله في بغداد حيث كان مؤتمر رؤساء هيئة اركان حرب جيوش دول المواجهة‏.‏ ورغم انه عاد من بغداد صباح يوم‏9‏ مارس نفسه الا انه اتجه علي الفور من المطار الي مكتبه بالقيادة العامة ليقدم تقريره ويناقش تقريرا عن معارك يوم‏8‏ مارس ثم علي الفور غادر مكتبه الي حيث ركب الطائرة الي الجبهة يلتقي بالرجال‏.‏

ولقد شعر الرجال بسعادة غامرة وهم يرون القائد بينهم في أكثر المواقع الأمامية المتقدمة علي مسافة أمتار من العدو‏.‏

**‏ قال العريف عوض‏:‏

'‏ التقيت به‏..‏ صافحني‏..‏ شد علي يدي‏..‏ ربت علي كتفي‏..‏ هنأنا علي معركة الأمس‏..‏ ثم قال لنا بروح عالية‏..‏

'‏ أنتم بخلاء واللا ايه‏..‏ متعملوا لنا شاي‏..‏ واللا معندكوش‏'‏

وضحك‏..‏ ضحكنا معه من القلب‏..‏ وبدأنا في اعداد الشاي‏.‏

وقال المدفعجي سيد‏:‏

'‏ شعرنا وأيدينا بين يديه انه اب لنا‏..‏ كان حديثه معنا كلمات أب حنون عطوف‏..‏ سألنا وأجبناه‏..‏ لم نشعر برهبة الخوف‏..‏ لكن غمرتنا السعادة والراحة‏'..‏

وقال الجندي محمد‏:‏

'‏ لقد تنقل سيادة الفريق بيننا‏..‏ يصافحنا ويتباسط معنا‏..‏ وأعطانا تشجيعه طاقات هائلة من القوة‏..‏ لقد ملأنا بالارادة والعزم‏..‏

ولقد كان الجنود يسألونه بالأمل كله‏:‏

-‏سيادة الفريق‏..‏ امتي يا فندم نطهر أرضنا‏..‏ احنا عايزين نشتبك مع العدو

وكان هو بحكمة القائد وتصميمه يرد‏:‏

بكره مش تشتبك معاه وبس‏..‏ بكره باذن الله‏..‏ تعدي الميه دي‏..‏ وتدوسه برجليك‏.‏

هكذا كانت زيارة رياض للموقع الأمامي ذات طعم خاص‏..‏ اعطي خلال فترتها القصيرة دروسا عديدة للضباط والجنود‏..‏ لم يكن في زيارة تقليدية‏..‏ وانما كان في‏'‏ مهمة عمل‏'‏ بين مقاتليه يمسك بنظارة الميدان يراقب ويستكشف‏.‏

فجأة فتح العدو نيرانه‏.‏ تجددت المعركة والتفت الفريق عبد المنعم رياض الي الرائد‏(....)‏ الذي كان مكلفا بمصاحبته من الكتيبة وقال‏:‏

روح أنت‏..‏ اذهب‏..‏ حارب في كتيبتك‏'‏

عاد الرائد فورا الي موقع واجبه بينما قفز هو ـ الفريق رياض ـ الي حفرة حدثت نتيجة قذيفة منذ فترة وبقي فيها مع رئيس الأركان‏..‏ وقفز قائد مدفعية الجيش في حفرة مجاورة‏..‏ ومن الحفرة بدأ رياض يراقب المعركة ويدرسها متتبعا سيرها‏..‏ واقفا علي مدي كفاءة رجاله‏.‏

وخلال ذلك سقطت دانة غادرة شريرة تسببت في اصابة الفريق رياض ورئيس الأركان اللواء سعدي نجيب‏..‏

ورغم ان ما حدث لرياض كان صعبا وقاسيا الا انه لم يشأ ان ينادي أحدا‏..‏ واغلب ظني واعتقادي انه ـ بشهامته وبعسكريته الحقة ـ كتم آلامه في صدره دون أن يشرك أحدا فيها حتي لا ينشغل به الرجال عن معركتهم مع العدو‏.‏

لقد كان في مقدوره أن ينادي أحدا‏..‏ أن يصرخ فيتجمع من حوله العشرات‏..‏

ومثلا كان في مقدوره ان يعود الي الوراء ولو زحفا حتي يصل الي سيارته فتحمله الي نقطة اسعاف او مستشفي لكنه ـ في اغلب ظني ـ ابي حتي لا يراه احد من الرجال فيدب الذعر في الموقع وينجح العدو في اصطياد اكبر عدد من المقاتلين‏..‏

كان يمكن ان يفعل ذلك‏..‏

وليته فعل‏..‏

دارت المعركة‏..‏ وانخلعت قلوب الرجال‏..‏ لم تنسهم النيران ولم تشغلهم علي ان يسألوا ويتساءلوا‏..‏ ويأملوا‏..‏ اين هو‏..‏ اين رياض

وتحت حمم الدانات‏..‏ ولقد سقطت في المواقع اكثر من مائة قنبلة ثقيلة ـ انتشر عدد من الرجال بحثا عنه‏..‏

من هؤلاء الرجال‏..‏ رقيب وصل الي الحفرة علي صوت انين خافت من اللواء سعدي الذي قال‏:‏

.‏ اسرع‏..‏ ادرك سيادة الفريق‏..‏ واتركني انا فان اصابتي ليست الا كسرا في ساقي ويدي‏'‏

لكن رياض كان قد استشهد‏.‏

كان راقدا في رجولة‏..‏ تقلصات ألم صامت تشد تقاطيع وجهه‏..‏ وخيط رفيع من الدم ينساب هادئا من بين شفتيه‏..‏ ينزل قطرة قطرة علي زيه العسكري الميداني يرصعه بأعلي درجات الأوسمة والنياشين‏..‏

كان قائد التشكيل في غرفة العمليات تحت بطن الأرض بين مجموعة من مساعديه وخرائط ميدانية وعديد من اجهزة اللاسلكي والتليفونات‏.‏ تلقي القائد الخبر‏..‏

سقطت سماعة التليفون من يده‏.‏

وجم من حوله‏..‏ ساد الحزن وهم يشاهدون القائد ساكتا هامسا‏..‏ والسماعة تترنح مدلاة بحبلها الاسود ومنها ينبعث صوت كسير متقطع‏:‏

-‏الو‏..‏ سيادة القائد‏..‏ الو‏..‏ الو‏..‏

بعد لحظات استجمع قائد التشكيل شجاعته امسك بسماعة التليفون وهمس‏:-‏طيب‏..‏ طيب‏..‏

ثم ودون ان يلتفت لاحد قال لمن حوله‏:-‏اللواء رياض‏..‏ وسكت‏..‏

-‏ماله‏..‏ ماله‏..‏ خير‏..‏ حصل ايه‏..‏ اتكلم يا فندم‏.‏

-‏استشهد‏.‏

ساد الصمت‏..‏ علت اصوات بكاء‏..‏

-‏يا رجاله لازم نواجه الموقف بشجاعة‏..‏ احنا في معركة‏..‏

بالفعل واجه الرجال علي طول خط النار وفي عمق الجبهة المصرية كلها الموقف بشجاعة فائقة‏..‏ واصبح استشهاد عبد المنعم رياض ـ الذي رقي بعد استشهاده الي رتبة فريق ـ رمزا لشخصية المقاتل المصري قائدا وجنديا‏..‏

وفي اليومين التاليين‏..10‏ و‏11‏ مارس‏..‏ وبالذات يوم‏11‏ مارس لقن المقاتلون المصريون‏:‏ عدوهم الاسرائيلي درسا فادحا فخسر‏:‏

خمس طائرات مروحية كان يستخدمها في تصحيح نيرانه و‏22‏ دبابة و‏10‏ بطاريات مدافع ذاتية الحركة وهاون و‏10‏ مواقع صواريخ غير قتل وجرح عدد كبير من ضباطه وجنوده‏.‏

......‏

هكذا كانت عمليات مارس بداية مرحلة جديدة من مراحل المواجهة مع العدو وهكذا كان استشهاد عبد المنعم رياض الذي أصبح تاريخ رحيله هو‏'‏ يوم الشهيد‏'..‏

ومضت الاحداث تؤكد بسالة الرجال‏..‏ وتتصاعد بالقتال الي عمليات عبور القناة لتلاقي العدو وسط مواقعه ولتحقيق النصر في أكتوبر المجيد‏..