Posted by Engineer on December 14, 2009

أشار عبدالناصر فى كتابه 'فلسفة الثورة' الى أن درس التاريخ يتطلب من مصر أن تضطلع بدور خارجى نشط ، وأن هذا الدور ينحصر فى ثلاث دوائر أساسية هى بالترتيب الدائرة العربية ، والافريقية ، والاسلامية.ومن الناحية العملية ، فقد ارتبط الدور المصرى بالدائرة العربية بالأساس ، وشكلت الدائرتان الافريقية والاسلامية المرتبة الثانية بعد الدائرة العربية وبمسافة بعيدة.

وفى دراسة حول تكرارات إشارات عبدالناصر للدور الخارجى طوال سنوات حكمه ، اتضح أن 43% من تلك التكرارات تتناول الدائرة العربية والصراع العربى الاسرائيلى ، ويلى ذلك الاشارة الى الدور المصرى العالمى -33%-.والواقع أن تركيز عبدالناصر على الدور المصرى فى المنطقة العربية كانت تفرضه اعتبارات الأمن الوطنى المصرى كما تصورها عبدالناصر.فالدور العربى فى تقديره كان أداة دفاعية ضد المحاولات الاستعمارية المعادية لمصر ، وأداة لحماية الاستقلال الوطنى المصرى.ذلك أن هذا الدور العربى النشيط من شأنه أن يجبر المعتدى على توزيع قواته على جبهات عربية متعددة وبالتالى تتشتت قواه.


ويتحدد الدور الخارجى للدولة وفقاً لعدة اعتبارات موضوعية ، أهمها المقدرات القومية للدولة وثقافتها السياسية ، والنسق العقيدى الوطنى ، وشكل النظام السياسى.وفى إطار هذه المحددات ، تلعب الخصائص الشخصية والدوافع الذاتية والبيئة النفسية للقائد السياسى دوراً هاماً فى تحديد الدور الذى تقوم به الدولة.كما أن شكل النظام العالمى والنظام الاقليمى يؤثر فى نوع الأدوار التى تقوم بها الدولة.فقد كان هذا الدور فى ظل ثورة يوليو يتم فى إطار نظام دولى ثنائى القطبية ، يسمح بالمناورة السياسية بين القطبين والاستعانة بأحدهما ضد الآخر ، مما سمح لثورة يوليو بتبنى العديد من الأدوار على المستويين العالمى والاقليمى.

كذلك فقد كان الدور المصرى يتم فى سياق واقع إقليمى عربى ـ افريقى يتسم بوجود الاستعمار التقليدى ، أى الاستعمار فى شكله المباشر ، ومن ثم اتسم هذا الواقع بوضوح وتحديد العدو السياسى ، كذلك تم الدور المصرى الخارجى فى ظل تمتع مصر بموارد اقتصادية وفيرة ، بالمقارنة بالدول العربية الأخرى ، مما سمح لها بالقيام بدور اقتصادى مسيطر فى المنطقة العربية ، كما كان هذا الدور يتم فى ظل زعامة كارزمية مصرية تستند الى مشروع قومى عربى.وقد شكلت هزيمة 1967 ضربة كبرى للدور المصرى الخارجى فى ظل ثورة يوليو ، وهو ما يفسر تراجع الاشارات الى الدور المصرى فى أحاديث عبدالناصر بعد هزيمة يونيو.وقد ازداد تراجع الدور المصرى خلال السبعينات ، حيث رأى السادات أن مصر لا تستطيع تحمل تكاليف أداء هذا الدور.

ورغم تغير الظروف التى تم فى سياقها دور مصر فى ظل ثورة يوليو ، سواء على المستوى العالمى أو الاقليمى ، فإن مقولة ثورة يوليو عن أهمية اضطلاع مصر بدور خارجى نشط ، تظل مقولة صحيحة ذلك أن أداء هذا الدور بشكل جيد من شأنه أن يؤثر ايجابياً على المصالح المصرية ، كما أن عدم القيام بهذا الدور من شأنه الاضرار بتلك المصالح.ولكن بطبيعة الحال ، فإن مجالات هذا الدور وأساليب إدارته لابد أن تكون مختلفة.ونقطة البداية فى نجاح أو فشل الدور المصرى الخارجى ، كما توضحه خبرة ثورة يوليو ، تكمن فى توافر قاعدة داخلية قوية ومقدرات اقتصادية وعسكرية ، بما يحقق المصداقية للدور المصرى الخارجى.ومن ثم تبدو أهمية الاستفادة من خبرة ثورة يوليو فى بناء نموذج تنموى شامل وحقيقى ، بالاضافة الى استمرار العمل على تفعيل دور مصر كقائد اقليمى فى المنطقة العربية ، ودورها الفاعل لتسوية الصراع العربى الاسرائيلى.وبالاضافة الى ذلك ، فإن دور المستقل النشيط على المستوى العالمى مازال صالحاً للأداء فى أوائل القرن الحادى والعشرين. ذلك أنه من الضرورى المحافظة على هامش من المسافة النسبية ، وألا تبدو مصر وكأنها تضطلع بدور لحساب قوة دولية معينة.