Posted by Engineer on July 13, 2014

في بورسعيد أصوات الإنذار .. صريخ الصغار .. خوف الكبار .. هرولات للمخابئ .. غاره غاره ..لم يسمع أحد صوت الطائرات  .. فقط فرقعات و فرقعات .. في المخبأ يى البدروم .رائحة مزنخة من رائحة الرطوبه و تراب الأرض .. أفندى ببدلة "دى مدافع م.ط."  !! رد عليه أفندى آخر " فين ال"ط" ؟؟ فين الطيرات ؟؟؟  هو كل يوم من ده !! "

حاجه كبيرة فى السن قاعده على كرسى بحر "سبعه" :- إن شاء الله منتصرين .. الراديوم بيقول اسقطنا 99 طائرة إسرائيلية و جارى رصد خسائر العدو البشرية !!

حمدى حفيد الحاجه و حامل كرسي البحر للمخبأ .. يصيح فرحاً " إمتحان الثانوية حيتأجل .. هيهههه" .. والدته سميره "اسكت يا وله .. إحنا فى إيه و لا فى إيه "

أيام و تظهر النتيجه .. بعد خطاب السيد الرئيس .."لقد أصابت مصر نكسة..  سوف أعود كمواطن بينكم "  .. انفجرت مظاهرات "...... لا تتنحى"  يومي 9 و 10 يونيو  .. و انتهت حرب الستة أيام من 5-11 يونيو  .. وقف إطلاق النار .. ضاعت غزة و الضفة و سيناء و الجولان .. و مات 18500 ضابط و جندى مصري و مازال مفقوداً المئات و كل سلاح الطيران و 80% من المهمات !!

معركة رأس العش  بعد حرب يونيو بأيام .. ضرب مدفعية لمدة يومين بعدها بكام يوم  .. كتيبة صاعقة أوقفت تقدم طابور مصفحات إسرائيلية للسيطره على بورفؤاد من ناحية الجنوب .. من مساكن الموظفين في طرح البحر حيث يسكن حمدى .. غارة على ميناء الصيد في يوليو  .. الدخان و الغبار و القصف .. الفندق العالمي على شاطئ البحر يتخزوق .. و تهرب لنشات الطوربيد ..

فى المخبأ حمدى يتعرف على هويدا .. طالبة ثانيه ثانوي .. في بورسعيد الثانوية بنات  .. من يوم الغاره و يناولها  خطابات غرام  ... حتى في الحرب القلوب الصغيرة مفتوحة للحب لا يثنيها غارات و لا حرب و لا طوابير "الفتوة"  !! 

ينجح حمدى بمجموع كبير لأن تعليمات الإتحاد الإشتراكى التسهيل على أبناء القناة في التصحيح و الغش على ودنه !! .. يدخل كلية الطب ..

في أكتوبر فى أول سنه من الكلية  .. لم تعد أمه و جدته تطيقان سماع أصوات المدافع و لا مناظر خيام المهجرين من سيناء و القوات المصرية المنسحبه حافية  .. تترك الأسره الحى الراقى الشرق بمساكن الموظفين على طرح البحر و يقيمون عند خال حمدى "محمود" في حى العرب .. في ليلة ليلاء .. غارات و إنذار .. و ضرب طول الليل... متحدث عسكرى ... "أغرقنا المدمره إيلات" , أصبح اليوم عيد البحرية المصرية أول مرة بطريق صاروخ بحري ( سطح/سطح)  ...

زيارات حمدي متقطعة لبورسعيد  .. و لكن والد هويدا الموظف بقناة السويس .. بعد انتظار 3 سنوات بكوسه حربيه .. استطاع تركيب تليفون  ... من حظ الحبيبين الصغيرين  .. المشكله أن صوت التليفون الترنك مختلف عن دقة التليفون من داخل بورسعيد !! أم هويدا تشك فى قصصها !! فى الأيام التاليه إسرائيل تقصف السويس و تدمر معمل تكرير البترول كرد على إغراق مصر المدمرة إيلات .. المدمرة التى كانت أختها سفينة حربية مصرية و استولت عليها إسرائيل فى معركه سنة 1956 !

 

سوف تهجر مدن القناة في أوائل عام 1969 .. بالكامل .. أسرتا حمدى و هويدا سوف تُهجر إلى رأس البر ... والدا حمدى و هويدا .. مستبقيان ببورسعيد .. والد حمدى موظف بمديرية التموين .. والد هويدا بهيئة قناة السويس .. 15 يوم عمل ببورسعيد لأهمية عملهما للمجهود الحربي !!     

فى رأس البر .. المصيف الذى اصبح ملجأ لأهالى بورسعيد .. الشوارع الطولية و العرضية توضح مكانتك الإجتماعية بقربك من البحر أو بعدك .. حمدى ساكن فى شارع 51 الواصل من الجربى (شاطئ النيل إلى البحر)  .. أما هويدا فتسكن على شارع 60 فى اللسان بالقرب من فيلا محافظ دمياط ..

البورسعيدية أهل عاشقون و حساسون و لكنهم أكثر شطارة كعزّال بصاصين.. و لكن كتعليمات الإتحاد الإشتراكي .. تم إرخاء عمل شرطة الأداب و مباحث التموين للتخفيف على "المهجرين" .. و هو إسم اللاجئين الداخليين .. فهم ليسوا مهاجرين .. و لكن مهجرين !! ..

اللقاء في أيام الصيف بين حمدى و هويدا سهل على البحر .. و خصوصًا في 15 يوم التى يعمل والدها ببورسعيد ..أيضا .. والد هويدا استطاع تركيب تليفون .. و أصبح امينًا عامًا مساعدًا لوحدة الإتحاد الإشتراكي برأس البر .. على كلٍ ترتيب هل كان المنصب أولا أم التليفون أولا متروك لعنايتكم ! .

مشكلة حمدى إيجاد تليفون آمن و حوله خصوصية للحديث إلى هويدا  .. ظهرت نتيجة الثانوية العامة 1969/1970 و دخلت هويدا كلية التجارة ..فهى تريد أن تصبح مديرة بالتوكيلات الملاحية و تصعد إلى سفن العالم التى تقف في قناة السويس بعد النصر طبعاً .

سافر والد هويدا معها إلى القاهره للتقديم للكلية و تأكد من المدينة الجامعية الجديدة المخصصة لأبناء المهجرين من مدن القناة و خاصة بورسعيد  .. و لكن فيلم "أبى فوق الشجرة" بطولة عبد الحليم حافظ و نادية لطفي ألهب مشاعر الشباب ..و  في القاهرة .. هرب حمدى و هويدا من البورسعيدية العوازلية كثيري الكلام و جلب سير الناس و المحبين .. و تقابلا في الماتينيه للمره العاشرة لمشاهدة الفيلم "أبى فوق الشجرة"  .. تناوب المحبين مشاهدة أبى فوق الشجرة و إحصاء عدد القبلات به .. و بين رؤية الفيلم الهندى "سانجام"  .. ففيه مشاهد لحرب .. و بطل الفيلم تسقط طائرته فوق جبال كشمير المغظاة بالثلوج و يصبح مفقودا .. و تتزوج حبيبته من آخر ..

أمسك حمدى بيد هويدا أول مرة في رأس البر .. و قبّل يدها أول مرة فى القاهرة .. و لكن بعد أبي فوق الشجرة  .. عمل جمعية مع زملائه و استطاع أن يدعوها على عصير مانجو وقصب فى كازينو قصر النيل بالجزيرة ..و أن يدفع ثمن صورة لهما من المصور المتلصص للزبائن بين الكازينو و الشارع الواصل لمجلس قيادة الثورة !! . تكلفة الفسحة مع المركب النيلى كانت 5 جنيهات !! نصف مصروفه الشهرى !! و لكن الفسحة كانت تستاهل .. فلقد التهم شفتاها في ظل شجرة على كورنيش النيل فى الجزيرة  .. الجزيرة التى كان شمالها مسكن الباشوات و أصبح جنوبها مجتمع قادة يوليو 1952 .

في سبتمبر 1970 .. و قبل أن تبدأ هويدا دراستها رحل الزعيم الخالد جمال عبد الناصر !! و تسارعت الأحداث .. الرئيس الجديد السادات يوقع معاهدة صداقة مع السوفييت في يناير 1971 ... و الشعب المصري  بعد إفتتاح السد العالي .. يتوقع عقودا من الإشتراكي’ و و ترتبك النخبة أكثر .. فيخرج فيلم " حمام الملاطيلى "  .. و يصبح أشهر فيلم عربي للكبار فقط !! .

أثناء الإمتحانات الشفاهية مايو 1971 ..المعهودة في كلية الطب .. يفاجأ الجميع أن السادات قلش كل الفطاحل .. و تأجلت بقية الإمتحانات ليتفرغ الجميع لسماع بيانات السادات التى لم يكن أحد يطيق سماعها في الأول .. ثم تفاجأ الناس جميعا لأن الرئيس أبو "زبيبه" .. لعيب و سُهن.. في ضربة واحدة ..تم تعبئة نائب رئيس الجمهورية  و وزير الحريبة و الداخلية و الإرشاد و ثلاثة وزراء آخرين في شكاير إلى السجن الحربى  ..و أتم تغيير اللجنة المركزية العليا للإتحاد الإشتراكي .. و  أكثر وجوهها الجديدة لعبت دورا لما بعد السادات ( فتحى سرور – كمال الشاذلى- مفيد شهاب-حسين بهاء الدين و غيرهم ) ..

في صيف 1971 .. على شاطئ رأس البر .. تصالح الجميع مع المشهد .. قصة حب حمدى و هويدا .. واقع على الجميع التعامل معه .. مثل "المتغييرات الدولية" التى يسوق لها السادات و الأستاذ هيكل على صفحات الأهرام  .. الجمهور البورسعيدي  المهجر .. و الدمياطي من الأنصار يلتزمان الصمت.

حمدى ... يرى أن طعم السمك المشوي وخصوصا البوري الذى يشتريه من عزبة البرج ينصلح طعمه لما يُلف فى جريدة الأهرام و مقالة الأستاذ "بصراحة" أمام أعين السمك المشوي !!

كانت شركة شرق الدلتا للنقل تخصصت في نقل و تعذيب المسافرين عموماً .. و المهجرين خاصة .. كان الأتوبيس من رأس البر إلى القاهرة يستغرق 4 ساعات كاملة  .. و كانت هناك مواعيد خاصة للطلبة من رأس البر إلى القاهرة (مصر)  ... رغم الأسماء الرسمية الأتوبيس يعلق لوحة مكتوبة بخط بجميع الألوان " رأس البر-دمياط-مصر و العكس" !!

كان عام 1972 هو عام الحسم كما صرح الرئيس السادات ..الذى خرجت ضده أول مظاهرات فى 1972  .. لم تكن لفظة "فلول" قد استخدمت سياسياً بعد  .. و لكن أطلق على اليساريين و الناصريين "مستخدمى قميص عثمان"  .. و عثمان ذاك غير صهر الرئيس السادات عثمان أحمد عثمان !

لم يكن حمدى تستهويه السياسة و لا الحرب ... كان يرى أن دوره ينتهى بالخدمة في تكليف الأطباء .. أما هويدا فكانت تتمنى أن تصبح الخدمة العسكرية ملزمه للإناث أيضا !! و أن برنامج الخدمة العامة للإناث بدلا من الخدمة العسكرية هراء و لهو !! .

بعد أجازة نصف العام و في الجمعة 18 فبراير 1972 .. يقوم حمدى مبكرًا ليحجز كرسي بنفسه في الأتوبيس الذى سوف يسافر هو و هويدا و غيره من طلاب بورسعيد إلى جامعاتهم بالقاهرة ..فالطريقه الوحيدة هى ركوب الأتوبيس من الجراج و إعطاء السايس 25 قرش حلاوة .. ثمن التذكرة المخفضة من رأس البر إلى القاهرة 37 قرش ... و لكن لا ضمانة فيها لكرسي .. فالوقوف طول المسافة كان الغالب !! ..

في الساعة العاشرة يتحرك الأتوبيس و يهدى حمدى كرسيين إلى حبيبته هويدا وزميلتها و يقف حاجزا عن المتطفلين على جانب الكرسيين  .. سعة الأتوبيس ماركة "نصر" 45 مقعدا .. بعد محطة التحميل الثانيه في دمياط الأتوبيس يحمل 80 راكبا .. من خلاصة المجتمع البورسعيدى المهجر ..النساء و الشيوخ جلوسا و الشباب و الرجال وقوفا  ..

على الطريق الزراعي من دمياط إلى بنها يتمايل الأتوبيس براحته يمينا و يسارا مفاديا للسيارات الدودج التاكسى و الكارو الذى يحمل التبن و البرسيم و القش .. و عبور حيوانات الحقل بصحبة أصحابها أو بغيرهم ..الجو بارد .. و لكنه يشتعل بحرارة ركاب الأتوبيس من الزحام و الإرتطام و التلاحم .. سائق الأتوبيس يدخن بشراهة .. و فيفتح نافذته .. فيصرخ البعض لطفا من البرد و يتنهد البعض الآخر على نسمة خالية من الدخان  .. وسط اللحم المتلاصق ... كمسارى ممتلئ الجسد و بكرش ممتلئ و بزبيبة مثل السادات و بصلعته يتحرك بين الركاب بخفه لقطع التذاكر و التأكد أن الجميع يدفعون ثمن النقل !!

أعلى الكرسى أمام هويدا ... مقبض حديدي .. يمسك به حمدى أحيانا و الأغلب الأعم تمسك به هويدا حتى لا يصطدم وجهها بالكرسى المقابل أثناء فرملة الأتوبيس المتكرره لتفادى أخطار الطريق ..

بعد كل فرملة يشهق الجميع زفيرا " ربنا يستر" و "جت سليمه" .. و فى هذه الأثناء تتقابل أصابع حمدى و هويدا لطفا و استهلالاً على المقبص الحديدى .

قبل كفر شكر (بلد خالد محى الدين ) ..ينفجر الإطار الأمامى للأتوبيس المتهالك المحمل فوق طاقته .. فيسقط في الهويس في ثوانى معدوده  .. 77 غريق قتيل  .. و ثلاثة ناجين فقط !!

يمسك حمدى يدى هويدا ..للمرة الأخيرة في هذه الدنيا .. و حتى نهاية العالم .. عشاق محبين شهداء بكر عذارى ...و تبقى هى كذلك صورتهما إلى يوم الدين .

حادثة الأتوبيس حقيقية في 18 فبراير 1972 .. حمدى و هويدا نسج خيالي و لكن كان هناك 50 طالبا و طالبة من طلاب الجامعات البورسعيدية من الغرقى يومها !!