Posted by رومانسية on December 19, 2009

يوم الشهيد ‏9 مارس‏1969‏ وهو اليوم الذي استشهد فيه الفريق عبد المنعم رياض رئيس أركان حرب القوات المسلحة وهو في الصفوف الأولي لقواتنا حيث كان يتفقد جنوده في معركة الاستنزاف‏,‏ ليمثل استشهاده حدثا نادرا في التاريخ العسكري‏,‏ وليسجل التاريخ شهادة بطل عسكري مصري قدم روحه فداء لبلده ‏، ولتكون شهادته دروسا لأبنائه من ضباط وجنود جيش مصر‏ ، ومثالا للشباب الذي يبحث عن قدوة يحتذي بها‏.

  

حياته
ولد الشهيد عبد المنعم رياض في 22 أكتوبر عام 1919 بقرية سبرباي محافظة الغربية، وكان والده القائمقام (عقيد) محمد رياض عبد الله قائدا لبلوكات الطلبة بالكلية الحربية.

درس الشهيد في كتاب القرية وتلقى تعليمة الإبتدائي في مدرسة السيدة نفيسة بالعباسية ثم بمدرسة العريش الإبتدائية ثم انتقل الى مدرسة الرمل الإبتدائية بالإسكندرية.

 

 

توفى والده عام 1931 وكان عمره وقتها لا يتجاوز الثانية عشر، التحق الشهيد عبد المنعم رياض بمدرسة الخديوي اسماعيل الثانوية وبرغم حبه للجندية الا أنه قدم أوراقه بعد تخرجه في المدرسة الثانوية لكلية الطب وتم قبوله بها ودفع مصروفاتها إرضاء والدته.

وفي نفس الشهر أعلنت الكلية الحربية عن قبول دفعة جديدة، تروى شقيقته السيدة سميحة رياض هذه الواقعة: "دلفت والدته ذات صباح الى غرفته وكان عبد المنعم رياض يقرأ في المصحف ويبكي لدرجة أن دموعه كانت تبلل صفحات المصحف، وعندما سألته عن سبب هذا البكاء قال لها:" أنا أبويا ضابط وأنا عاوز أطلع ضابط مثله وأنا قدمت في كلية الطب وقبلت.. وأنا مش عايز أكون دكتور .. لأن مهنة الطب كلها مرض وأدوية .. وأنا لا أحب هذا المناخ واليوم آخر فرصة للتقديم بالكلية الحربية". فتأثرت والدته بهذا الموقف وأقترحت عليه أن يذهب على الفور لحضور كشف الإمتحان في الكلية الحربية وأوصته أن يخبرهم بأنه أبن القائمقام محمد رياض وفعلا ذهب وأجرى الاختبارات وتم قبوله بالكلية الحربية.

التحق الشهيد بالكلية الحربية في يوم 6 أكتوبر 1936 وتخرج فيها يوم 21 فبراير 1938 برتبة الملازم ثان وكان ترتيبه الثاني على دفعته، ثم التحق بكلية أركان الحرب وحصل على ماجستير العلوم العسكرية عام 1944 وكان ترتيبه الأول على الخريجين.
شارك في الحرب العالمية الثانية عام 1939 بالصحراء الغربية ومرسى مطروح، ثم شارك في حرب فلسطين عام 1948.

تولى قيادة مدرسة المدفعية المضادة للطائرات في مايو 1952 ثم عُين في مايو 1953 قائدا للألآي الأول المضاد للطائرات وفي يوليو عام 1954 عُين قائدا للمدفعية المضادة للطائرات.
سافر الى انجلترا حيث حصل على تدريب خاص في سلاح المدفعية المضادة للطائرات بكلية "مانويير" بانجلترا بتقدير امتياز، ثم استكمل دراسته بأكاديمية "وولتش" العسكرية كما تلقى دراسات بالولايات المتحدة الأمريكية وقضى عدة سنوات في أرقى الكليات العسكرية بالاتحاد السوفيتي حيث أطلق عليه الروس لقب "الجنرال الذهبي".
شارك في حرب السويس (العدوان الثلاثي) عام 1956.

في 10 مارس 1964 صدر قرار بتعيينه رئيسا لأركان القيادة العربية الموحدة.
رقي الى رتبة "فريق" في 21/4/1966، ثم عين قائدا لمركز القيادة المتقدم في الأردن ثم عين قائدا للجبهة الأردنية.
التحق بكلية التجارة بجامعة عين شمس عام 1967 رغبه منه في استكمال رسالة دكتوراه كان يعدها في الإستراتيجية العسكرية، ولما أردك أن بحثه لن يكتب له النجاح مالم يستوعب العلوم الإقتصادية قرر الإنتساب للكلية وأدى بعض امتحانات الفرقة الأولى لكنه لم يستكملها نظرا لاستدعاؤه للجبهة الأردنية.

بعد ستة أيام فقط من نشوب الحرب في يونيو 1967 عين عبد المنعم رياض رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة المصرية. وعلى الفور بدأ في عمل وصفه البعض بالمستحيل وهو إعادة بناء القوات المسلحة المصرية ونجح فيه بشكل أسطوري. كما شارك في معارك الشرف والكرامة في رأس العش، وإيلات ومعارك الطيران البطولية في ديسمبر 1967.
وقد أجاد عبد المنعم رياض عدة لغات منها الإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية.

 

إستشهاده:


مع بداية يوم 8 مارس 1969 فتحت المدفعية المصرية نيرانها على مواقع العدو وتحصيناته في إطار حرب الإستنزاف، وعلى الفور قرر الشهيد السفر الى الإسماعيلية لمراقبة الأمور على الطبيعة وكانت اسرائيل قد انتهت في هذا الوقت من بناء خط بارليف، وكان عبد المنعم رياض أحد الذين أشرفوا على تنفيذ خطة لتدمير خط برليف.
وفي الساعة الحادية عشر صباح يوم 9 مارس 1969 غادر الشهيد عبد المنعم رياض مقر قيادة الجيش الثاني بالإسماعيلية بطائرة هليكوبتر لزيارة الضباط والجنود ليناقش معهم بنفسه الدروس المستفادة من معركة اليوم السابق، وفور هبوط الطائرة استقل الشهيد سيارة عسكرية الى الجبهة وأصر على زيارة المواقع الأمامية التى لا يفصلها عن العدو سوى عرض القناة برغم معارضة الضباط له.

 

وفي تمام الساعة الثالثة والنصف وصل الشهيد الى الموقع المتقدم رقم 6 وأخذ يشاهد بمنظاره المكبر الضفة الآخرى المغتصبة والحصون الإسرائيلية، وبدأ القصف الإسرائيلي فجأة مركزا على المناطق المدنية وتقدم الشهيد أكثر وأكثر حتى يتابع سير المعارك وأنطلق يسأل الجنود ويستمع لهم وفجأة أنهالت دانات المدافع بعد وصوله للموقع المتقدم بـ 15 دقيقة وتجددت اشتباكات المدفعية وتبادل الجانبان القصف وراح الشهيد يشارك في توجيه وإدارة المعركة النيرانية والى جانبه قائد الجيش ومدير المدفعية.

وأصدر الشهيد أوامره الى قائد الموقع وضباطه بأن يتصرفوا بسرعة حتى يديروا المعركة وبقى في مكانه يراقب اتجاه دانات المدافع.
وقبيل الرابعة وتحت هدير المدافع الذى يصم الآذان هجم على الشهيد فجأة الضابط المرافق له يجذبه بقوة خوفا عليه الى حفرة قريبة وبعدها بدقائق معدودة سقطت قذيفة مدفعية بالقرب من الخندق الذى يحتمي فيه الشهيد ومعه قائد الجيش ووقع انفجار هائل وانطلقت الشظايا الى داخل الحفرة.
ودار حوار قصير بين القائد والضابط..
قال الضابط: أنا أنصبت يا فندم.
رد رياض: .. وأنا كمان.. لكن بسيطة.

وبعد خمس دقائق أعاد الضابط نفس الكلام، لكنه لم يتلق جوابا، لقد صعدت روح الشهيد الى بارئها وفارق الحياه وهو يرتدي أفرول الزي العسكري خاليا من أي رتبة.
وحُمل جثمان الشهيد في عربة عسكرية الى مستشفى الإسماعيلية ومنها الى مستشفى المعادي العسكري بالقاهرة، وتم استدعاء الدكتور على نصحي زوج شقيقته سميحه لإبلاغه بالأمر وليبلغ أسرته لكنه رفض هذه المهمة متهيبا فقام الفريق محمد فوزي وزير الحربية بزياره منزله بنفسه وأبلغ أسرته في منتصف ليلة نفس اليوم بينما كانت مصر كلها قد عرفت النبأ قبل ذلك بست ساعات!