Posted by Engineer on January 06, 2012

 

كتب: محمد بيوض .. لكل زعيم أو رئيس أو قائد تقديراته الخاصة قبل إتخاذ أي قرار , خصوصا القرارات المصيرية والتي سيبني عليها مستقبل وطنه بل ومستقبل المنطقة التي يعيش فيها كلها . وبلا شك ومع قرار هام مثل تأميم القناة كان يهمنا ونحن ندرس تاريخ هذه الحقبة المهمة من تاريخ مصر أن نتعرف على تقدير الموقف من جانب رئيس مصر في ذلك الوقت جمال عبد الناصر وكيف كانت حساباته !

وقد وجدنا في مقال نشر في مجلة أكتوبر بتاريخ 18 ديسمبر 1988 م. للمؤرخ العسكري جمال حماد – حصلنا عليه من مركز الأهرام للتنظيم وتكنولوجيا المعلومات ( الميكروفيلم ) – ضالتنا والإجابة .

يقول المؤرخ جمال حماد :

(1- في مساء يوم 25 يوليو 1956 م. فقط إتخذ عبد الناصر قرار تأميم شركة قناة السويس , وكان تقديره أن تدخل فرنسا بعيد الإحتمال لتورطها في مقاومة ثورة الجزائر – ثبت فيما بعد عدم صحة هذا التقدير – كما كان يشك في أن إيدن رئيس الوزراء البريطاني سيتعاون مع إسرائيل في أي عمل لأن هذا سيحطم وضع بريطانيا في المنطقة , ولو أنه كان متأكدا من قيامها بإجراء ما ضد مصر . وكان تقديره أن كلا من الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي ستكون بعيدة عن حلبة الصراع في الشرق الأوسط ) .

لو نظرنا سويا إلى هذا التقدير الأول سنجد أن به أخطاء كثيرة من جانب عبد الناصر :

 


. الأول أن قرار التـاميم من كلام مؤرخنا جمال حماد قد أتخذ قبل خطاب عبد الناصر ب 24 ساعة وهو الخطاب الذي أعلن فيه تأميم القناة من الإسكندرية في مساء 26 يوليو 1956 م . , ومعنى هذا أن القرار كان غير مدروس من جانبه الدراسة الوافية وإن كنا لا ننكر أنه رار وطني وأصيل إلا أن تقدير الموقف كان لابد من دراسته دراسة متأنية .

· الثاني تقديره أن تدخل فرنسا بعيد الإحتمال كان تقدير خاطيء لأنه حدث أن تدخلت فرنسا بالفعل.

· الثالث أنه كان يشك في أنه سيكون هناك تعاون بين بريطانيا وإسرائيل وكان هذا أيضا تقدير خاطيء حيث أنه حدث تعاون وتشارك بالفعل .

· الرابع أن الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي سيكونان بعيدان عن حلبة الصراع في الشرق الأوسط , وهو ماثبت العكس حيث أن الإتحاد السوفيتي قد قدم إنذاره الشهير للدول الثلاث صاحبة العدوان وكان يراقب الموقف عن كثب , كما أن الولايات المتحدة أيضا قد ضغطت على أطراف العدوان للإنسحاب لأن عدوانهم يتعارض مع مصالح أمريكا بالمنطقة . 

 

ويستكمل المؤرخ جمال حماد :

(2- طلب عبد الناصر – قبل التأميم – من المخابرات أن تعد له تقريرا عن أوضاع القوات البريطانية في المنطقة ودرجة إستعدادها , وجاء التقرير في مساء يوم 25 يوليو – بل 24 ساعة فقط من إعلان التأميم – وبعد أن قرأ عبد الناصر التقرير ذيله بالملاحظات التالية بخط يده :-

·   لا تستطيع الحكومة البريطانية أن تتدخل عسكريا ضدنا بالفرقة المدرعة الموجودة في ليبيا لأنه صعب إستعمال بلد عربي كاعدة لغزو بلد عربي آخر – ونفس الشيء ينطبق على فرقة المشاة الموجودة في الأردن – أما القوات في قبرص فهي غير كافية لأي عمليات . 

·   قوات الأسطول عاجزة عن الهجوم أو المعاونة , ويمكن للحكومة البريطانية أن تنسق مع الحكومة الفرنسية لعملية مشتركة , ولكن القوات الفرنسية مشغولة بالجزائر , وعملية نقلها وتعبئتها والإتفاق على عمليات مشتركة تحتاج مابين شهرين وثلاثة على الأقل . 

·   كما أنه مستحيل أن تلجأ بريطانيا وحدها أو بريطانيا بالتنسيق مع فرنسا إلى الإستعانة بإسرائيل في أي عملية ضد مصر لأن ذلك يقلب الدنيا في العالم العربي ضدها , بريطانيا لايمكن أن تدخل في عملية من هذا النوع بالتنسيق مع إسرائيل ولا يمكن لإيدن أن يفعل ذلك بسبب المصالح البريطانية والعلاقات مع الملوك والشيوخ العرب – ثبت فيما بعد خطأ هذا التقدير - . 

  3- ذكر عبد الناصر في خطابه في الذكرى الرابعة لخلع الملك السابق فاروق عن العرش – في 26 يوليو 1956 م. – في الإسكندرية أن شركة قناة السويس أصبحت دولة داخل الدولة , وأن بريطانيا إغتصبت حق مصر فيها وأخذت مايزيد على 44% من الأسهم , وأننا نريد أن نحصل على حقوقنا في القناة لأن الشركة تأخذ 35 مليون جنيه سنويا فلماذا لا ناخذها نحن ؟ وأننا سنبني السد العالي بإرادتنا .

وقال عبد الناصرللجماهير الحاشدة أنه قد وقع بموافقة الحكومة على قرار بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس وأن ينتقل إلى الدولة جميع مالها من أموال وحقوق وما عليها من إلتزامات وحل جميع الهيئات واللجان القائمة حاليا على إدارتها .

كما أعلن عبد الناصر أنه في الوقت الذي يتحدث فيه إلى الشعب فإن بعض إخوانهم المصريين يعملون وينظمون أمور العمل في القناة بعد أن أصبحت هيئة مصرية وليست أجنبية . وقد إتضح أن عبد الناصر كان قد كلف المهندس محمود يونس بتولي رئاسة هيئة القناة وأتم محمود يونس وجموعته مهمتهم بنجاح وبدأو في إدارة القناة بكفائة تامة , وغمرت مصر بل الوطن العربي فرحة غامرة وإزدادت مكانة عبد الناصر وهيبته في كل أرجاء العالم )

إنتهى كلام المؤرخ العسكري جمال حماد , ويتضح هنا ومما سبق تقدير الموقف لعملية تأميم قناة السويس من جانب عبد الناصر , ويتضح معها ماشاب التقديرات من أخطاء أدت بنا إلى الوقوع في براثن العدوان .

لكن وبرغم أخطاء التقدير يبقى السؤال الأهم : ألم يكن من حق مصر أن تأمم القناة ؟ أليس هذا حق أصيل لها ؟

هل من المتصور أن يكون لديك الدجاجة التي تبيض لك ذهبا في تلك الأيام وتتركها لتقترض لبناء السد العالي !! والغريب أن البنك الدولي ماطل في الإقراض ! إذن لم يكن هناك بد من التأميم .. كان لابد أن يحدث وكان لابد أن يحدث أيضا العدوان على مصر كرد فعل من الغرب .