Posted by Engineer on March 09, 2012

 

كتب محمد بيوض : في هذا الموضوع يشرح لنا الأستاذ جمال حماد المفكر والمؤرخ العسكري في نقطتين كيف تطورت الأحداث منذ أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم القناة في 26 يوليو 1956 وحتى بدء العدوان وهذا التطور يأتي على مرحلتين نستعرض في هذا المقال المرحلة الثانية والأخيرة ، وهي مرحلة التواطؤ .

والنقاط كما يبدأها المؤرخ كما يلي :

1-إيجاد الذريعة لتدخل بريطانيا وفرنسا :

منذ 11 سبتمبر 56 بدأت إسرائيل تثير إضطرابات مقصودة غلى حدود الأردن وإستمرت الإغارات العنيفة على أماكن عديدة بالضفة الغربية طوال شهر سبتمبر والنصف الأول من أكتوبر ، وكان ان طلبت الردن من العراق أن تقوم بمساعدتها ولم تتقدم بهذا الطلب إلى مصر . وفي يوم 12 أكتوبر وجهت إسرائيل تهديدا عديدا إلى الأردن وعندئذ أخطر ممثل السفارة البريطانية في تل أبيب الحكومة الإسرائيلية بان هناك قوات بريطانية على وشك الدخول إلى الأردن لحمايته طبقا لنصوص الحلف البريطاني الأردني . وكانت بريطانيا وفرنسا تهدفان من وراء هذه الإضطرابات المرسومة أن تستفز القاهرة لترسل قواتها إلى سيناء لمؤازرة الأردن التي أعلنت بريطانيا ايضا أنها تنوي الوقوف إلى جانبها . وكانت الخطة الموضوعة أن تركز إسرائيل هجماتها على القوات المصرية بمجرد إتمام حشدها في سيناء وهناك تكون الفرصة قد واتت بريطانيا وفرنسا للتدخل بهدف الفصل بين الجانبين المتحاربين . وبنزول القوات البريطانية والفرنسية في منطقة القناة يتم حصار الجيش المصري في سيناء ثم تدميرة . ورغم دهاء هذه الخطة فإن الفرصة المرتقبة لم تسنح للمتآمرين إذ أن مصر قد فطنت إلى حقيقة المكيدة المدبرة فلم تحشد قواتها الأساسية في سيناء لوم تشن هجوما على إسرائيل وفوتت الفرصة على هذه المهمة والمعروف أن إسرائيل أحجمت بدورها عن الهجوم على الأردن في اللحظات الأخيرة إذ شعرت ان تنفيذ الخطة بهذا الإسلوب سوف يزج بها في موقف غير مأمون العواقب فالعمليات الحربية ضد مصر والأردن وربما ضد العراق وسوريا قد ينهي المؤامرة بنهاية فاشلة كما ان إسرائيل بهذه الطريقة تضع رقبتها بيد بريطانيا التي قد تتردد ولا تهجم في اللحظات الأخيرة لسبب دولي خارج عن إرادتها .

2-تدبير التواطؤ الثلاثي :

في يوم 28 سبتمبر 1956 سافر إلى فرنسا وفد إسرائيلي يتكون من جولدا مائير وزيرة الخارجية وموشي كارمل وزير النقل وشيمون بيريز مدير وزارة الدفاع وموشي ديان رئيس الأركان العامة وأجرى إجتماعات مع الجانب الفرنسي ، وكان أهم ما تحرص عليه إسرائيل هو تحقيق سيطرتها على الشواطيء الغربية لخليج العقبة كضمان لحرية مرور السفن افسرائيلية في ذلك الممر المائي ، وكذا إسقاط نظام حكم عبد الناصر كي يجيء بدلا منه نظام مصري يستطيع إنشاء علاقات سلمية مع إسرائيل . وإغتنم الوفد افسرائيلي فرصة اللقاء وقدم مطالب إسرائيل من السلاح وكانت تتضمن دبابات وعربات نصف جنزير وناقلات جنود تتحرك على الرمال ومدافع مضادة للدبابات وطائرات .

وفور عودة الوفد الإسرائيلي دعا موشي ديان رؤساء الأفرع برئاسة الأركان وأصدر لهم الأمر الإنذاري الأول وأبلغهم بإحتمال القيام بعمل مشترك مع بريطانيا وفرنسا ضد مصر وأن الأمر بالتعبئة العامة لن يصدر في هذه المرحلة ولكن الترتيبات للتعبئة يمكن ان تبدا من الآن وفي النصف الأول من أكتوبر كما عقد ديان إجتماعا لقادة القوات الإسرائيلية وعرض خلال الإجتماع خطة العمليات الحربية ضد مصر في سيناء التي إختار لها الإسم الرمزي ( العملية قادش ) وفي ليلة 18 أكتوبر وصلت برقية من جي موليه رئيس وزراء فرنسا يدعو فيها بن جوريون لإجتماع في باريس وبدات المباحثات في مساء 22 أكتوبر بقرية سيفر في ضواحي باريس واشار بينو وزير الخارجية الفرنسي إلى ثلاثة عوامل تؤيد ضرورة الحركة بسرعة وهي :

•العامل الأول :

بعد شهر اكتوبر سيبدا الموسم العاصف في البحر المتوسط وتصبح عمليات الإنزال مستحيلة.

•العامل الثاني :

إستغلال فرصة إنشغال الولايات المتحدة بإنتخابات الرئاسة في أول نوفمبر .

•العامل الثالث :

إنشغال الإتحاد السوفيتي بالقلاقل داخل أوروبا الشرقية وبالذات داخل بولندا مما يقيد حركته.

وبوصول وزير الخارجية البريطاني سلوين لويد إلى فرنسا تم التنسيق بين الطراف الثلاثة ، وكانت نصوص الإتفاق الذي توصلوا إليه :

•في مساء يوم 29 أكتوبر تقوم القوات الإسرائيلية بشن هجوم واسع النطاق على القوات المصرية بهدف الوصول إلى منطقة قناة السويس في اليوم التالي.

•بعد معرفة الحكومة البريطانية والفرنسية بهذه التطورات توجهان يوم 30 اكتوبر نداء مشتركا إلى الحكومتين المصرية والإسرائيلية بطلب وقف إطلاق النار وسحب القوات الطرفين إلى مسافة 10 أميال بعيدا عن قناة السويس وقبول الإحتلال المؤقت للقوات البريطانية والفرنسية للمواقع الإسرائيلية على القناة وذلك لضمان حرية الملاحة في قناة السويس وإنتظامها إلى حين الوصول إلى الترتيبات النهائية وإذا لم تستجب الحكومة المصرية إلى ما جاء في النداء في الموعد المحدد تقوم القوات البريطتنية والفرنسية بهجوم على القوات المصرية في الساعات الأولى من صباح يوم 31 اكتوبر ويمكن للحكومة الإسرائيلية أن تبعث بقواتها لإحتلال الشواطيء الغربية لخليج العقبة وجزر تيران وصنادر لضمان حرية الملاحة في الخليج . 

وبمجرد عودة بن جوريون إلى إسرائيل يوم 25 أكتوبر روجعت الإجراءات العسكرية ووضعت اللمسات الأخيرة التي أدت إلى القيام بالعدوان الإسرائيلي على سيناء يوم 29 أكتوبر . وفي بريطانيا وافق مجلس الوزراء في جلسته يوم 25 أكتوبر على المباديء والخطط التي تم الإتفاق عليها في باريس . وصدر الأمر إلى السفن التي تحمل الوحدات البرمائية لقوات الهجوم الفرنسية بالإبحار من ميناء بون يوم 25 أكتوبر وفي نفس اليوم صدرت الأوامر إلى لواء الكوماندوز البريطاني المعسكر في مالطا بالإستعداد للتحرك . كما وصل إلى إسرائيل في ذلك اليوم الفنيون الفرنسيون المكلفون بصيانة طائرات الميستير التي ستقوم بواجب المظلة الجوية للقوات الإسرائيلية أثناء زحفها في سيناء . وقد إتضح أن الإدارة الأمريكية كانت تعلم أن العدوان يوشك أن يحدث فقد أرسل الرئيس الأمريكي أيزنهاور في 27 أكتوبر إلى بن جوريون برسالة يطلب منه فيها أن يتحاشى تعكير صفو السلام في الشرق الأوسط ، وتبعها برسالة أخرى يوم 28 أكتوبر ، ثم دعت وزارة الخارجية الأمريكية الرعايا الأمريكين إلى مغادرة الشرق الأوسط .

 

محمد بيوض

                                                                                    مارس 2012م.