Posted by Engineer on March 10, 2012

كتب محمد بيوض : في هذا الموضوع نوضح من دراسة خطط العدوان وتطورها منذ يوم 27 يوليو 1956 يتضح انه – قبل مرحلة التواطوء مع إسرائيل – تم وضع ثلاث خطط إستراتيجية للعدوان على مصر وهي : الخطة 700 والخطة هاميلاكار والخطة موسكتير الأولى، وهذه الخطط جميعها سوف نتعرض لها بالتفصيل في موضوعات منفصلة بكل خطة على حدى.

 

تخطيط العدوان :

بدأ التخطيط البريطاني للعدوان من صباح يوم 27 يوليو ( اليوم التالي لإعلان مصر تأميم القناة ) فقد أصدر أنتوني إيدن رئيس الحكومة البريطانية أمره لرؤساء اركان حرب الإمبراطورية ( بإعداد خطة لعمل عسكري يستهدف غنتزاع القناة من مصر ) وكانت إستراتيجية بريطانيا وقتئذ تستهدف العمل وحدها ضد مصر بإشراك قوات مصرية من فرنسا وكانت تأمل أن تؤيدها الولايات المتحدة بقيام الإسطول السادس الأمريكي بالبحر المتوسط بتأمين عملها العسكري ضد إحتمالات التدخل النووي السوفيتي ، ولكن حدث بعد ذلك أمران هامان أثرا على التخطيط البريطاني فقد عرضت فرنسا عن رغبتها في الإشتراك بالكامل وانها مستعدة لتقديم قوات بنسبة 3 : 5 في الوقت الذي أبدت فيه الولايات المتحدة رفضها افشتراك في أعمال عدوانية ضد مصر أو حتى مجرد تقديم مساندة إستراتيجية وسياسية للعملية . وكانت الظروف المحيطة بالموقف تلزم العسكريين بشن حرب محلية تتسم بعامل السرعة والحسم فلكي تحقق الحرب المحلية أهدافها ينبغي أن توجه بسرعة ضد مصر ولكي لا تتحول غلى حرب شاملة ينبغي أن تحسم الأمور بسرعة كبيرة ، وكان هذا يقتضي أمرين : أولاهما السرعة في التحضير أي توجيه الحملة خلال بضعة أيام ، وثانيها السرعة في الحسم عن طريق توجيه قوات متفوقة تحقق هدفا مطلوب دون مقاومة كبيرة من مصر ودون إتاحة الفرصة لدول اخرى بالتدخل.

ولكن سرعان ما تبين للعسكريين البريطانيين ان عاملي السرعة والحسم لا يمكن تحقيقهما بسهولة لسببين رئيسيين :

1-   عدم وجود قوات غزو جاهزة ومستعدة بسبب توزيع القوات البريطانية على جهات مختلفة من العالم . كما أن المسافة بين مصر وأقرب قاعدة بريطانية كبيرة وهي مالطا تبلغ 936 ميلا بحريا ( تقطع في حوالي أربعة أيام ) .

2-   نظرا لأن القوات المصرية في حوزتها عدد معقول من الطائرات النفاثة الحديثة وكذا من الدبابات الحديثة فقد لايمكن الحصول على الحسم المطلوب إلا بتوجيه قوات كافية إلى الغزو مدعمة بالدبابات مع تغطيتها بمظلة جوية توفر لها سيطرة جوية كاملة في المعركة ( وكان هذا يعني ضرورة توجيه عملية غزو بحري كاملة ضد مصر ) .

 

مكان الغزو :

كان أمام القوات المهاجمة أن تختار بين مكانين للغزو البحري : الإسكندرية أو بورسعيد .

·         مزايا غزو الإسكندرية :

1-   أفضل مكان للغزو الساحلي فهي ميناء صالح مجهز وبه إمكانات وإتساع للتحميل والتفريغ وبمجرد أن تحصل القوات المهاجمة على منطقة رأس شاطيء به يمكن إدفاع باقي قوات الغزو خلاله .

2-     النزول في الإسكندرية يحقق إمكان التعاون مع الفرقة العاشرة المدرعة البريطانية الموجودة في ليبيا .

3-     الإستيلاء على الإسكندرية يوفر طريق غقتراب مفتوح نحو العاصمة مباشرة .

·         عيوب غزو الإسكندرية :

1-     المنطقة بعيدة جدا عن القناة في حين أن الغرض العسكري من الحملة هو إحتلال القناة .

2-   التقدم من الإسكندرية إلى القناة يعني إجتياز منطقة الدلتا الزراعية ذات الكثافة السكانية مما قد يعرض لبقوات المتقدمة لخطر العصابات .

3-   إذا إستطاعت القوات المهاجمة أن تتقدم في الصحراء غرب النيل وتتفادى الدلتا في طريقها إلى القاهرة مباشرة فإنها سوف تصطدم بعد ذلك بالنيل كمانع في طريق تقدمها .

4-   إذا لم تستطع بريطانيا إستخدام قواعدها في ليبيا في غزو مصر – بسبب المعارضة الليبية المتوقعة فسوف تحرم قوات الغزو من إشتراك الفرقة العاشرة المدرعة عن طريق تحركها على الطريق البري الساحلي إلى الإسكندرية .

·         مزايا غزو بورسعيد :

يحقق النزول في بورسعيد للقوات المهاجمة هدفها مباشرة إذ ستستولى القوات على مدخل قناة السويس من هناك تستطيع أن تتقدم صوب مدينة السويس مما يحقق لها ميزة شطر القوات المصرية في المنتصف .

·         عيوب غزو بورسعيد :

1-   لاتعتبر بورسعيد ميناء بالمعنى الحقيقي فهي مجرد مكان لإصطفاف القوافل قبل عبور القناة كما أن المرسى الصغير الخاص بها غير مناسب لأعمال التحميل والتفريغ والنزول إلى المدينة ويتطلب الإستيلاء على بورسعيد ضرورة توفير كل التسهيلات والإمكانات المفتقر إليها من عمال ومعدات وأجهزة بحيث تتواجد مع القوات المهاجمة منذ اللحظات الأولى لعمليات إنزال .

2-   موقع بورسعيد الجغرافي مليء كثيرا بالعقبات أمام القوات المهاجمة فالمدينة تحيط بها بحيرة المنزلة والقناة والمستنقعات من كل جانب ما يجعلها أشبه بجزيرة منعزلة والطرق الرئيسية المؤدية إليها قليلة ومكشوفة وتمر في عنق زجاجة ضيق يمتد مسافة 35 كيلو متر من بورسعيد إلى القنطرة وفضلا عن ذلك يوجد جسران أحدهما للسكة الحديد والآخر للطريق البري . ولو دمر أو هدد بالنيران والألغام وكمائن الدبابات والمدافع المضادة للدبابات لوقعت القوات المتقدمة من بورسعيد إلى الإسماعيلية في مازق خطير .

3-   يعتمد مصدر المياة الرئيسي بالمدينة على الترعة الحلوة التي يمكن قطعها علاوة على ضخامة أعداد الشئون الإدارية المختلفة لإعاشة جنود الغزو وأهالي المدينة .

4-   عملية الهجوم على القناة سوف تثير لغطا سياسيا وسخطا في الراي العام العالمي وسوف تتهم بريطانيا أنها هاجمت القناة وإعتدت عليها بدلا من أن تحميها .

 

الخلاصة : إستبعدت عملية النزول في بورسعيد وإتجهت الأنظار إلى الإسكندرية ووضعت خطة الغزو الأولى على اساس أن يوجه الهجوم إلى الإسكندرية .

 

المصدر : حديث اللواء جمال حماد لمجلة أكتوبر بتاريخ 18 ديسمبر  1988

محمد بيوض

                                                                                    مارس 2012م.