Posted by Engineer on September 07, 2012

 

كتب قاسم مسعد عليوة : كانت تعرف بورسعيد فى قديم القديم بجزيرة الطيور. 

اتساع مسطح البحيرة وتنوع بيئاتها بين مياه ضحلة وجزر مغطاة بالنباتات وقنوات مائية ومسطحات طينية جعل لها أهمية خاصة كمأوى لكل أنواع الطيور.

 

من أهم طيور البحيرة: البط الكيش والحمراى والزرقانى والخضارى والشرشير المخطط والبلبول والشهرمان، والغر، ودجاج الماء والدجاج السلطانى، والقطقاط الذهبى والرمادى، وقطقاط الرمل الكبير، والنوارس بأنواعها المختلفة كالفضى والقرقطى وأسود الرأس وصغير الحجم، وكذا البلشون الأبيض والرمادى، والبشاروش، والبجع الأبيض والأوز العراقى.. والقائمة تطول ولا يمكن حصرها تماما. (تسجيل ما أمكن تسجيله وارد فى كتابى المدينة الاستثناء (ص 32).

 

الخريف هو موسم الطيور الذى لا يدانيه موسم، فسماء بورسعيد تكون أثناءه متشكلة من طيور البط المهاجر أسرابا أسرابا.. وكل سرب مكون من قائد وجناحين. سهام قادمة من ناحية البحر وأحيانا من الشرق ويطير باتجاه البحيرة، فنتطلع إليها ونحن مسبشرين بالخير القادم لا محالة إلى مطابح بيوتنا.

 

تكتظ أسواق المدينة بالمصيد منها، ويمشى بائعوها فى الشوارع ويطرقون أبواب البيوت. يباع حيا ومذبوحا. أمى ما كانت تفضل إلا الحى. تذبحه هى وتنتفه هى. تشتريه بالـ"جوز" أو بالـ"طزينة" ـ الدستة يعنى ـ لها طريقة فى الكشف على سلامة البط الذى تشتريه، بنظرة وفركة للريش، ومسحة على الصدر تعرف هل هو طير طيب أم لا. لحمه مر أم سائغ للآكلين. بعد الذبح فى البيت يأتى دور نتف الريش فى الطشت النحاسى الكبير، ثم تصنيف الريش إلى صنفين. كبير خشن يلقى به فى القمامة، وقصير ناعم يحتفظ به وتحشى به الوسائد والشلت الجديدة.

 

أما فما فما ألذه.. غالباً.. ولعله دائما.. ما تحشوه بالمرتة والزبيب.. ومتعة مضغ الفص من صدره لا تدانيها أية متعة، ومذاق شوربة طير البحيرة غير أى مذاق، وكذلك الأرز الذى لا يؤكل طير البحيرة بدونه.

 

وبعد الأكل كأننا تخدرنا يحل علينا النوم اللذيد.

 

تحت بيتنا القديم، بيت الشرنوبى بشارعى المنيا وروس (الأنصار حاليا)، محل بقالة عم "إبراهيم سمك" رحمه الله، واحد من أشهر صائدى البط من بحيرة المنزلة، لديه ملابس صيد كاكية وحذاء برقبة وبنادق صيد بماسورة واحدة وماسورتين، وصناديق للخراطيش، وعلب للرش، وزمامير تخرج أصواتا تشبه أصوات المختلفه، ولديه ما كان يعجبنا ويدهشنا فى نفس الآن دمى بط خشبية.. بط يكاد يطير.. يكاد "يكاكى"، لها نفس تموجات ألوان ريش البط. عيونها هى نفس عيون البط، والأدهى أن رقابها تدور بأى اتجاه يريده عم "إبراهيم سمك".

 

يا خسارة الأيام..

 

البحيرة تقلصت تقلصاً مريعاً بسبب الزحف العمرانى، وتلوثت تلوثا شنيعا بسبب غباء البشر، فقلت أعداد وأنواع الطيور الوافدة، مما اضطر الدولة إلى سن القوانين التى تجرم صيد الطيور.(قال يعنى ستعيد هذه القوانين طيور البحيرة إلى سابق عهدها بها.

 

صيادو الطيور هم والبواردية صاروا قلة قليلة، وما عاد باعتها يمشون فى شوارع بورسعيد، وما عادوا يظهرون ـ بالكثافة التى كانوا عليها ـ فى أسواقها، وصرنا يمر الخريف إثر الخريف دون أن نتمتع بأكلة طير.. اللهم إلا فى القليل النادر.. النادر جداً.


الصورة بريشة الفنان.. ابن بورسعيد.. مصطفى العزبى  .

  

 

 

 

قاسم مسعد عليوة 

                                                                                    أغسطس 2012م.