Posted by Engineer on March 12, 2013

 

كتب : قاسم مسعد عليوة .. بدا لى أن ما أكتبه وأنشره وما أقوله فى التليفزيون وعبر المداخلات الإذاعية غير ذى أثر على المشتبكين فى قتال دام بمحيط مديرية أمن بورسعيد. هؤلاء المشتبكون هم شباب بورسعيد الغاضب وقوات الشرطة المستنفرة، فقررت التوجه صباح اليوم الأربعاء 6من مارس 2013م. إلى حيث الاشتباك، الذى لم يتوقف منذ تم ترحيل متهمين فى قضية ستاد بورسعيد الرياضى من سجن بورسعيد العمومى إلى مكان غير معلوم. قررت التوجه لأشارك بأى عمل عاقل فى واقع لا يعترف بغير الجنون.

 

    استقبلتنى الأدخنة قبل وصولى إلى مبنى مجمع المحاكم الواقع على مسافة جنوب مكان الاشتباك. ثمة دخان أسود كثيف ناتج عن حرق لإطارات سيارات شمالى تمثال الشهيد عبد المنعم رياض. "ليه بتحرقوها؟" جاءتنى الإجابة " علشان تصد دخان قنابل الغازات المسيلة للدموع وقنابل غازات الأعصاب". معلومة جديدة لم أكن أعرفها.. شباب وشابات وجوههم غير الوجوه التى ألفتها فى مظاهرات الثورة. أغلبهم صغير السن. قطعة من البلاستر العريض تتوسط جبهة واحد منهم. شاب داكن السمرة ذراعه مربوطة إلى عنقه. طالب جامعى يرتدى تيشيرت أخضر اللون يحمل حقيبة قماشية فوق ظهره، وآخر يوزع الأقنعة الواقية من الغازات على من يعرفهم ويعرفونه. كثيرون يضعون هذه الأقنعة. أنا وعدد آخر أنوفنا وأفواهنا وعيوننا عارية من أى قناع. خل فى أيدى بعضهم، وبعض موتوسيكلات من غير أرقام مرور يقف بها أصحابها خلف الواقفين. فهمتُ أن توقفاً حدث بعد اشتباكات. فالهواء لا يزال حارقاً للجفون والحلوق، لكنه على أية حال هواء محتمل.

 

     حاول بعضهم المروق من بين جنود الجيش الواقفين أمامهم بالشَدَّة   الكاملة والسترات الواقية من الرصاص. قليلون هم.. أربعة أو خمسة. ضابطان  أحدهما عقيد يقف فى المنطقة الوسطى الخالية بين المكان الذى نقف فيه والمكان الذى تحتشد فيه قوات الشرطة المتراصة بالملابس السوداء والخوذات والدروع، والثانى شاب حديث السن لم أتبين رتبته. بنادق بعض جنود الشرطة مزودة بكاسات إطلاق قنابل الغازات، وفى الأجناب أفراد منهم يرتدون خليطاً من الملابس الرسمية والمدنية وبأيديهم بنادق مثبته فيها قنابل الغازات، والمدرعات فهد رمادية اللون مكتملة الأطقم وكامنة إلى اليسار لصق مبنى مديرية الأمن. قال من يجاورنى "دول مش قوات أمن مركزى.. دول قوات خاصة". أمسكتُ بثلاث فتيات وأعدتهم إلى الوراء فاستجبن بلطف. شخص ناضج جاء من خلفى و قادهن حتى تمثال عبد المنعم رياض..

 

     تعالت صيحات من ناحية حديقة الميدان، التفتُ فرأيتُ مجموعة من الشباب قادمين إلينا وهم يهتفون بنا "تعالوا يا جدعان.. عايزنكم فى الجنينة.. فيه كلام مهم.. تعالوا اسمعوه". كثيرون اتجهوا إلى الزحام الذى أشاروا إليه، واتجهتُ معهم. كان على سبايسى كابو ألتراس النادى المصرى واقفاً فوق القاعدة المتبث بها عمود الصارى الذى كان يحمل علم بورسعيد. مدرعات الجيش فى الطرف الغربى لمبنى ديوان عام المحافظة، وعربات الإسعاف متراصة قبالة مدرعات الجيش من ناحية مدرسة بورسعيد الثانوية العسكرية، وثمة مستشفى ميدانى أنشىء فى الجانب الغربى من حديقة الميدان فى مواجهة ذات المدرسة. التقيت فى هذا المكان بالممثل والمخرج المسرحى الشاب أحمد السمان وزميلى القديم فى العمل محمد فكرى، والتاجر بشارع الحميدى السيد عبد السلام. بصوت مبحوح قال على سبايسى كلاماً التقطت منه "احنا واللى بيحبوا بورسعيد نجيب خيام ونعسكر هنا ومانحتكش مع الشرطة"، فهاج كثيرون من المستمعين، وزعق واحد "دا الجيش اللى قال له قول كده". عقب انفضاض الناس من حوله التقيتُ بمعارف فنانين وموظفين وحرفيين وتجار ورجال إسعاف، وتجمع حولنا ناس لا أعرفهم، تكلمت عن رؤيتى وسمعت الكثير عن فواجع اشتباكات الأمس.

 

     قال واحد "مدير الأمن ـ محسن راضى ـ مالوش أمر على القوات اللى بتضربنا لأن أوامرهم بتجيهم من القاهرة"، وقال ثان "أنا كنت مع المفاوضين اللى دخلوا مديرية الأمن علشان نخرج اللى أخدوهم وشوفت القنابل عندهم بالصناديق.. خرَّجنا سبعة مأسورين ولسه خمسة، وقال ثالث " قنابلهم عجيبة وغريبة سودة وبمرواح وكاوتش وممسوحة مفيش عليها أى كتابة ولما حد يمسكها تولع إيده.. الشباب امبارح بقوا يمسكوها بقماش اليفط". وقال رابع " قال انتخابات قال.. هايعملوا انتخابات إزاى؟.. وإزاى المرشح حايحصل على الفيش والتشبيه؟.. دا أودة الكومبيوترات ولعت؟.. وقال خامس "أهوه التراس أهلاوى محاصر مديرية أمن الجيزة، وقبل كده هجم على بيت وزير الداخلية اللى قبل قبل محمد إبراهيم، وحاصر البنك المركز، وهدد البورصة،  وقفل طريق المطار، ده غير توقيفه مترو الأنفاق، كل ده وسى محمد إبراهيم ما هَوِّبْش ناحيتهم، لأ وكمان بيرضيهم ويضرب بورسعيد".

 

     عدتُ إلى حيث كنتُ فى منطقة التوتر أمام مديرية الأمن. ظهرتْ بعض الوجوه شبه المعروفة، ورأيتُ صديقى بطل حرب أكتوبر يسرى عمارة "آسر الضابط الصهيونى عساف ياجورى". كان دائب التحرك بين الشباب ومديرية الأمن، والإجهاد باد على ملامحه. صافحته فقال لى إنه يعمل على تهدئة الموقف، ولهذا هو يتحرك هنا وهناك، رأيتُ شخصاً قصيراً يخرج من صفوف جنود الشرطة ويعبئ بندقيته بقنبلة غاز. أشار إليه شاب "هوه ده اللى كان بيضربنا امبارح"، عاودت النظر إليه كان ثلاثة جنود قد وقفوا بأسلحتهم المجهزة من خلفه. وبدأ المتظاهرون يغنون "الجوز الخيل والعربية، (... ...) يا وزارة الداخلية" ويكررونها. استشعرتُ الخطر فقلت للبطل يسرى عمارة "الجو سخن والانفجار حايدوى دلوقت" رد "إنت شايف كده؟".. "أيوة".. "طيب ياللا بينا.. أنا كمان تعبت".

 

     وجاءنا الشاب الأسمر مربوط الذراع إلى عنقه ومعه مجموعة من الشباب. قال "سحلونى مرتين وكسروا دراعى، وأخدوا بطاقتى.. هاتوا لى بطاقتى من الظابط" سألته "اسمك إيه؟" فقال لى اسما طويلا لا أذكر منه سوى علاء مصطفى محمد. فى هذه اللحظة بالضبط تدافعتْ أصوات طلقات القنابل، فجرى الشباب وجرينا، وإذا بقنابل الغازات المسيلة للدموع وقنابل غازات الأعصاب تتساقط من حولى وسبقتنى وتدحرجت أمامى خمس قنابل. إنها القنابل الجديدة السوداء المطاطية ذات الزعانف المروحية. أغرانى منظر واحدة بالكاد خرج دخانها، فهممت بالإنحناء عليها والإمساك بها لأردها إلى مرسليها، لكننى توقفت لأمرين أولهما أنها لم تسكن بعد الدحرجة، وإنما ظلت تتلوى وتتحرك حركات زجزاجية كثعبان متعجل فوق الأسفلت؛ وثانيهما تذكرى للمعلومة التى قيلت بأنها تحرق يد من يُمسك بها. فتجاوزتها وغيرها. هذا الأمر كله لم يتجاوز الدقيقتين. فى هاتين الدقيقتين كانت خمس عشرة قنبلة قد سقطت. عدتُ مع العائدين معتبراً ما أنا فيه فرصة لى كأديب وموثق، فرأيتُ البطل يسرى عمارة عائداً من سيارة الإسعاف "خير يا عم يسرى؟".. "القنبلة انفجرت تحت منى وبين رجليا، فجريت على الإسعاف علشان يعالجونى".

 

     وبدأتُ أرى لأول مرة رشق المتظاهرين لرجال الشرطة بالطوب.

 

     فى هجمة شُرَطـِّية فررنا أنا ويسرى عمارة من أدخنة القنابل لتخفيه عنى غيمة متكاثفة. سال المخاط من أنفى، وعيناى التهبتا، وزورى احترق. كان نصفى العلوى طافياً فوق سحابة ونصفى الأسفل مختفياً تحتها، فجريتُ. فى جريى ارتطمتْ إحدى قدمىّ بالرصيف الذى لم أره وكدتُ أسقط، وأخذتنى نوبة سعال.  لمَّا أزاحتْ الرياح أغلب السحب، وباتت الرؤية ممكنة، رأيتُ عقيداً من الجيش، لحيم، بلا كاب، يجلس على بردورة الرصيف محاولاً التقاط أنفاسه، وإلى جواره عدد من جنود الشرطة العسكرية والأهالى الذين أنهضوه وأخذوه إلى المكان الذى تقف فيه عربات الإسعاف لإسعافه.

 

    قالت لى البنت الصغيرة "خد اغسل وشك يا حاج" وقدمت لى قنينة الخل.

 

    وإذا بضجيج أتى من غرب الميدان، من ناحية مدرسة أشتوم الجميل، سرعان ما أسفر عن اشتباكات بين المتجمعين من الأهالى هناك والمهاجمين من رجال الشرطة، وسمعت صونا يجأر "خرطوش.. خرطوش".

 

     البنت اختفت من جوارى. بحثت عنها فرأيتها تهرول مع مهرولين باتجاه مدرسة القناة الإعدادية. نادى علىّ ولدٌ صغير "اتدارى يا عمو". لم يكن المكان آمنا بالفعل فتحركت خلفه، فجأة تذكرت زوجتى. استطلعتُ الساعة فى تليفونى المحمول. ياه.. الرابعة والنصف. أكثر من خمس ساعات وأنا فى هذه المعمعة؟..

    

قاسم مسعد عليوة

                                                                                                          الأربعاء 6 مارس 2013م.