Posted by Engineer on July 27, 2015

كتب شريف العصفوري :

إقترابي ليس محاولة لكتابة تاريخ تسجيلي !! فأنا أفتقد الحيدة العلمية لقربي الشديد من أبطال القصة ..

و لكن القصة بمنتهى الأمانة تحكي ضمن ما تحكي قصة مصر في إفاقتها من غفوة حضارية طالت ، و أمام بعث جديد لأمة عظيمة نالها ما ينال الأمم العظيمة من محن جلل !

 

جدي الأكبر أحمد عبد الفتاح من مواليد قرية العصافرة مركز المطرية بمحافظة الدقهلية ربما في العقد الرابع من القرن19 !  كان أحمد من طين الدلتا المصرية قلباً و قالباً .. سمرة جلد مصرية و قوام ممشوق من الصخر طوال حياته ، فلا مأكل فوق الشبع و لا راحة دون شاق العمل . إصطفاه والده للعالمية الأزهرية بعد تفوق في كُتاب العصافرة و حفظ للقرآن و إلمام بعلوم الدين . في الأزهر كان طلاب العلم من الفلاحين و كانت أسماؤهم كلها كالحديث الشريف ( الذي سمعته من جدي و لم أتحقق منه ) : "خير الأسماء ما حُمّد و عُبّد " !! .

 

 

جدي الأكبر على اليسار جالسا و جدي محمد في المتتصف و عمي أمين في المنتصف واقفا

 

كان طلاب العلم القرويين كل أسماؤهم "حُمد" و "عُبد" و كان لابد للمعلمين من التفريق بين طلبتهم ، فكانوا يسألون : " من اين أنت يا أحمد ؟؟" فيجيب : "من طنطا" فيسبغ عليه المعلم : " من الآن فصاعداً أنت الطنطاوي " !! و هكذا حتى جاءت أسماء القناوي و السمالوطي و الجيزاوي و الدمنهوري و الدسوقي ! .

جدي الأكبر أصبح "أحمد العصفوري" قبل أن يبلغ العشرين من عمره و قبل أن ينال العالمية !! و حملنا الإسم من بعده نحن أحفاده حول الدقهلية و دمياط و بورسعيد و الإسكندرية و القاهرة .. من أصل واحد على ضفاف بحيرة المنزلة و ليس ببعيد عن نهر النيل و ترعه ، و على مقربة من البحر الأبيض المتوسط .

عاش جدي أحمد ، معلمًا للغة العربية و مدرساً للدين ، و بنزعة إستقلالية أسس مدرسة في دمياط بإسم "روضة العلوم" لأداء نفس الغرض في العقد التاسع من القرن، تزوج جدي أحمد ربما مرتين ، الثانية بعد وفاة الأولى ، كعادة فلاحين مصر في الإقتران و الإنجاب و كان له من الأولاد الأحياء ثمانية .

إقترن جدي أحمد بنزعة وطنية أورثها لذريته ! فكان يرى أن المصري يجب أن يقارع الأجنبي ، و أن تقوم المدارس الوطنية بإحتلال مكانها المناسب في تعليم أبناء البلد بمثل أو أحسن من المدارس الأجنبية التي فتحت أبوابها في ربوع مصر من الإسكندرية حتى أسيوط  ! كان التعليم مجاناً للفقراء و ربما دُفعت نقودً لتشجيع المصريين على إرسال بناتهم للحصول على التعليم الأولي الأساسي .( تاريخ مدارس البنات في الصعيد من 1870) .

 

سمعت الرواية من جدي محــمد أحمد العصفوري (1879-1975) !! أن جدي أحمد كان يقيم معه أصغر أولاده محمــد !! و في يوم من الأيام التالية لثورة 1919 ، رأى جدي الشيخ أحمد رؤية من شيخه و معلمه يرشده لبناء مدرسة في بورسعيد . حمل جدي الأكبر متاعه و معه جدي محـمد و زوجته حميدة الحويلي و وليده الباقي أمين (مواليد 1912) و هاجروا هجرة دائمة لوجه العلم إلى بورسعيد .و انقطعت علاقتهم بدمياط إلا من إيتاء ذي القربى.

 

 

جدي في المنتصف (رجل على رجل) المدرسة سنة 1919

 

و هكذا تأسست مدرسة " العصفوري الإسلامية" سنة 1919 بشارع الجعفرية بحي العرب في بورسعيد و كانت بضعة فصول في الدور الأرضي و مكتب في الدور الأول ثم مسكن للعائلة التي أنعم الله بها على جدي .

راعني أن المدرسة كانت تراعي النشاطات المدرسية مثل الكشافة ( حتى للبنات) و الرياضة عمي أحمد ( 1923-1995) بطل ملاكمة و عمي زكريا (1921-2013) أول الجمهورية في نماذج الصواريخ للمدارس سنة 1936 ، و ظلت المدرسة فخر لحي العرب لأجيال عديدة .

 

توفي جدي الأكبر أحمد و دفن ببورسعيد سنة 1933 ، و تابع جدي مهمته حتى منتصف الخمسينيات.

 

 

كشافة بنات سنة 1920

 

عمي الأكبر كانت تجري في عروقه اللغة العربية و النزوع الإسلامي و استكمل رسالة التدريس و المدارس مستقلا من نهاية الأربعينيات . كان عمي أمين يجمع بين ذكاء الفؤاد من الحويلي و صلابة الإرادة و الوجود الطاغي من أحمد عبد الفتاح .

 

بعد ثورة 1952 كان هناك إلتزام بتوسيع قاعدة التعليم و مد يد المساندة من الدولة للمدارس الخاصة ليصل التعليم إلى كل طفل مصري ، بالتوازي لم يعد لأصحاب المدارس التدخل في المنهج الدراسي و كان لزاماً عليهم التقيد بالمناهج الحكومية شكلاً و مضموناً .

 

 

تعليم بنات 1920

 

توسعت "مدارس العصفوري الإسلامية الكبرى" حتى صارت 13 مدرسة قبل تهجير مدينة بورسعيد في إبريل 1969 ..كانت هناك مدرستين للثانوية في شارع الثلاثيني و أخرى بشارع أحمد عرابي و مدرستين في ميدان المسلة و مدرسة في شارع ممفيس بالقرب من فنار بورسعيد و مدرسة في طرح البحر و مدرسة ببورفؤاد .

 

و أثناء التهجير كانت هناك ثلاثة مدارس إبتدائية و منها داخلية في القاهرة في المهندسين بشارع عبد المنعم رياض و في شارع الهرم بالجيزة و في سانت فاتيما بمصر الجديدة .

 

روضة العلوم دمياط جدي الأكبر أحمد بالقفطان و في المنتصف جالسا جدي محمد

 

المنطقة الحرة رفعت أسعار الأراضي بعد العودة من التهجير ، و تحول هاجس المواطنين و الدولة من التعليم إلى الدولار !!  فأغلقت العديد من المدارس بوتيرة سريعة خاصة بعد وفاة عمي أمين في سنة 1990 .

 

توالي على إدارة المدارس عمي أحمد و عمتي حميدة و أخيرا إبنة عمي ماجدة مع إبنتها الأستاذة مروة ، و قد أعجبني سعيهم للتحديث و الترقية للمدارس كمدرسة خاصة مع إهتمام  باللمسة الشخصية بين المعلم و تلاميذه .

 

 

جدي محمد بالطربوش و جدي الأكبر أحمد بالجلابية و عمي أحمد في المنتصف 1923

 

تعلم أعمامي و عماتي في مدرسة العصفوري و كانت إبنتي هانا أيضاً ممن إلتحقوا بالحضانة الناجحة و أكملت جزء من تعليمها الإبتدائي بها قبل أن ننتقل إلى القاهرة .

تلك هي روايتي عن أسرة مصرية في رحلتها من النيل حول بحيرة المنزلة إلى تلك الزاوية من البحر و الأرض و النهر و الغيطان.. مشروع إستقلالي  خاص لخدمة رسالة العلم و الحفاظ على الثقافة الوطنية  بالتوازي مع رحلة يبحث عن إستقلاله و بعث ثقافته الوطنية و سط أهوال صراع ضد الهيمنة و السيطرة و تباين مشارب أهل الوطن و حلفائهم و أعدائهم .   

 

شريف الدين محـمد محمـد أحمد عبد الفتاح .

 

 

يوليو2015

أخترنا لك: 

أضف الموضوع إلى صندوق أخترنا لك