Posted by رومانسية on December 19, 2009

كتب عبده مباشر :من رحم هزيمة يونيو‏1967,‏ ولد قرار معركة أكتوبر‏1973,‏ ومن ثنايا النكبة انفجرت ارادة التحدي‏,‏ لاستخلاص الكرامة المهدرة واستعادة الكبرياء الذي بعثرته علي رمال سيناء طوابير جنرالات إسرائيل الثلاثة يوفيه وشارون وتال‏,‏ المدرعة وهي تتقدم بسرعة باتجاه شاطيء القناة‏,‏ هذه الطوابير الثلاثة لم تجد في سيناء قيادة أو قوة عسكرية توقفها أو تحد من اندفاعها‏.‏ عندما انهارت قيادات مصر السياسية والعسكرية علي وقع نتائج صدام يونيو الحزين‏,‏ لم تنهر مصر ونهض من بين النيران التي أحرقت القلوب أبناء لمصر راعهم ماحدث‏.‏ وكانت الخطوة الأولي التماسك والتغلب علي الآلام والعمل للخروج من هذا النفق المظلم‏.‏

والخطوة الأولي دائما‏,‏ هي معرفة ماحدث ومحاولة فهم الأسباب التي قادت إلي هذه النتيجة ودراسة الموقف بعمق يسمح ببدايات جادة تقود إلي أهداف ممكنة التحقيق‏.‏

كانت الأسباب كثيرة ولاينقصها الوضوح‏,‏ أما النتائج فلم تكن بوضوح الأسباب‏.

وامتلأ المسرح بالحركة في كل اتجاه وتعددت الاتجاهات بتعدد محاولات الحركة‏,‏ واختار السادات أن يبحث بنفسه ولنفسه عن حقيقة الاسباب‏,‏ وحقيقة النتائج‏.‏ ومن موقعه خلف عبد الناصر بدأ يتصل بالقيادات العسكرية ويزور الجرحي مستهدفا معرفة الحقيقة منهم‏..‏ وقد استمع الرجل إلي الكثير‏,‏ وكان أفضل من احاطه علما بحقائق الموقف اللواء كمال حسن علي قائد لواء مدرع بالفرقة الرابعة المدرعة‏.‏

كان السادات يبحث عن حقيقة القائد والضابط والجندي المصري‏,‏ وعن حقيقة الانتصار الإسرائيلي وأكد له كمال حسن علي وغيره من القادة أن المعارك التي دارت وبالرغم من كل الظروف المعاكسة‏,‏ أثبتت كفاءة وجدارة المقاتل المصري وقدرته علي تحقيق الانتصار اذا ماتوافرت له ظروف قتال متكافئة‏,‏ وكانت هذه الحقيقة نقطة الارتكاز الاولي في قرار السادات عندما وضعته الأقدار علي قمة السلطة في مصر‏.‏

ومن متابعته للمعارك والعمليات التي تمت بعد وقف اطلاق النار في يونيو‏1967‏ بداية بتفجير مخازن الذخيرة وقطار الاجازات في سيناء‏,‏ ومعركة رأس العش في الاول من يوليو‏1967,‏ واغارات القوات الجوية المصرية علي مواقع العدو بالضفة الشرقية للقناة يوم‏14‏ يوليو‏1967,‏ واغراق المدمرة الاسرائيلية ايلات يوم‏21‏ أكتوبر‏1967‏ ـ تأكد من صدق استنتاجات القادة العسكريين فها هو ذا الجندي المصري وقبل أن تمضي علي الهزيمة أيام يوقع في سجل الانتصارات ويكتب سطرا في صفحات الثأر من الهزيمة‏.‏

وبالحسابات والمنطق ودراسة الموقف بعمق يدرك السادات أن الانتصار علي اسرائيل عسكريا أمر ممكن‏,‏ أما الحاق هزيمة كاملة بها فأمر يخرج عن دائرة الممكن‏.‏ وكانت أمامه شواهد تؤكد أن إسرائيل ولدت في المنطقة لتبقي‏,‏ وأن الولايات المتحدة لن تقبل بهزيمة السلاح الأمريكي في مواجهة السلاح السوفيتي‏.‏ ويوما بعد يوم تتفتح أمام السادات الحقائق وترتسم معالم صورة المعركة المقبلة‏,‏ وكان الرجل علي يقين من الغد وكان يتحرك استعدادا لهذا الغد‏.‏

وسجل الرجل ملاحظاته‏,‏ وسجل الاسماء التي اقتنع بكفاءتها‏,‏ وسجل نتائج حساباته ودراساته عن الموقف في مفكرته‏.‏
وتدور الأيام دورتها ويرحل الرئيس عبد الناصر عن عالمنا إلي العالم الآخر‏,‏ ويتولي أنور السادات قيادة مصر في ظل هذه الظروف الصعبة‏.

وبعد أن انتهت اجراءات الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية والاستفتاء علي المرشح للمنصب‏,‏ دعا الرئيس أنور السادات القادة العسكريين أعضاء المجلس الاعلي للقوات المسلحة لاجتماع يوم‏19‏ أكتوبر‏1970‏ أي بعد توليه مسئوليته الجديدة بأيام‏,‏ واستمع الرجل إلي تقارير كاملة من القادة عن الموقف والامكانيات سواء علي الجانب المصري أو علي الجانب الآخر‏,‏ وناقش وسأل واستفسر‏,‏ واستمع إلي آراء الجميع وبصفته رئيس الجمهورية القائد الأعلي‏,‏ وضع أمام الجميع الاطار الاستراتيجي لعمل القوات المسلحة وفي هذا الاطار طالب القادة ببدء الاعداد لتحرير ولو لمساحة‏10‏ سنتيمترات شرق القناة‏,‏ وأكد لهم أنه يطلب منهم انجاز هذا الهدف بالامكانيات المتوافرة لديهم‏,‏ وأوضح أنه بالرغم من كل العقبات التي يضعها السوفيت فإن مصر ستبذل كل مايمكن من محاولات لزيادة امكانيات القوات المسلحة بتوفير المزيد من الاسلحة والمعدات والذخائر‏.‏وكانت القوات المسلحة بعد يونيو‏1967‏ تعمل من أجل اقامة أول خط دفاعي غرب القناة‏.‏

خلال هذه المرحلة كان من الضروري وضع خطة دفاعية تتناسب والموقف والظروف والامكانيات‏,‏ وأتت الخطة‏200‏ أو الضربة‏200‏ كثمرة لهذه الجهود وهذه الخطة الدفاعية كانت كل ماتملكه مصر يوم وفاة عبد الناصر ولم تكن هناك خطة هجومية‏,‏ فالرجل الذي واجه الهزيمة مرتين خلال أقل من‏11‏ عاما لم يكن مؤهلا للتفكير في خطة هجومية جديدة قد تعود عليه بما هو أنكي مما واجهته مصر علي يديه في يونية‏1967.‏

وفي هذه المرحلة لم يطلب السادات من القيادة العسكرية أكثر من وضع خطة هجومية‏,‏ ولكنه لم يحدد لهم موعدا للحرب ولم تكن الظروف تسمح له بأن يحدد مثل هذا الموعد كانت هناك خطوات ضرورية قبل الوصول إلي مثل هذا القرار وكانت الخطوة الاولي حسم صراع القوة بينه وبين بعض رموز المرحلة السابقة في مايو‏1971.‏

وكانت الخطوة الثانية هي قرار اخراج الخبراء والمستشارين العسكريين السوفيت من مصر في يوليو‏1972,‏ وقد شجعه علي ذلك مماطلة الروس في تنفيذ صفقات السلاح التي وقعوا عليها واتفاق بريجنيف ونيكسون خلال لقائهما بموسكو في مايو‏1972‏ علي فرض الاسترخاء العسكري علي منطقة الشرق الأوسط‏,‏ والرأي العام الغاضب من الوجود السوفيتي داخل صفوف القوات المسلحة‏.‏

وبعد خروج السوفيت من مصر انفتح الطريق أمام الارادة المصرية لاتخاذ قرار الحرب‏.‏ ولكن كانت هناك عقبات لابد من مواجهتها والتغلب عليها وفي مقدمتها اختلاف الاجتهادات ووجهات النظر حول الهدف من خطة الهجوم‏.‏

كان السادات مصرا علي تحرير مساحة شرق القناة تتراوح بين‏10‏ و‏12‏ كيلو مترا والتوقف لافساح المجال أمام العمل السياسي وانتصر رئيس الاركان لهذا الرأي هذا اذا لم نقل إنه صاحب المذكرة التي أكدت للسادات أن القوات المسلحة قادرة بامكانياتها الحالية علي شن هجوم ناجح ضد العدو واقامة رءوس كباري شرق القناة بعمق يتراوح بين‏10‏ و‏12‏ كيلو مترا‏.‏

واستجابة لطلب وزير الحربية وافق السادات علي اعادة عدد من القادة الاكفاء خاصة من دفعتي‏1948‏ و‏1949‏ الي الخدمة‏,‏ وكان الرئيس عبد الناصر قد أمر باحالتهم إلي التقاعد‏.

ومن بين هؤلاء القادة الذين عادوا عدد من أبرز قادة الفرق المشاة التي اقتحمت القناة ظهر السادس من أكتوبر‏1973.‏

وكان قرار السادات يتفق وضرورة الاعتماد علي أهل الخبرة خاصة في القوات المسلحة‏,‏ بعد أن تبين أن أهل الثقة من القادة كانوا من بين أسباب نكبة يونيو‏1967‏ ولأن مصر لم تخض معركة هجومية طوال سنوات الصراع مع اسرائيل بل لم تخص حربا هجومية من عصر الخديوي اسماعيل لذا كان من الضروري الأخذ بكل قواعد العلوم العسكرية ووضعها موضع التنفيذ‏,‏ لذا كانت خطط التدريب مماثلة لخطط العمليات وفي ظروف مشابهة لها وكانت ميادين التدريب تحاكي مواقع العدو شرق القناة بالاضافة إلي القناة والساتر الترابي وخط بارليف الحصين‏.‏ وكانت معدلات استهلاك الذخيرة والوقود والمعدات عالية وكانت هناك خسائر في الافراد‏,‏ ولكن كل ذلك كان مقبولا من أجل الاستعداد للمعركة‏.‏

وخلال فترة الاستعداد تمكنت العبقرية المصرية من التوصل لحلول لكل العقبات التي تواجه خطة الهجوم‏,‏ فالساتر الترابي يمكن فتح ثغرات به بواسطة طلمبات مياه توربينية وخزانات النابالم سيتم إغلاق فتحاتها قبل بدء المعركة والتفوق الجوي الاسرائيلي يمكن الحد من فعاليته بشبكة الدفاع الجوي غرب القناة ويمكن تحقيق التوازن بين فرد المشاة شرق القناة والطائرة بتزويده بصاروخ صغير مضاد للطائرات من طراز سام ــ‏7‏ ستريللا أما التوازن بين فرد المشاه والدبابة فيتحقق بتزويده بصاروخ مضاد للدبابات‏.‏
ولم تتوقف الابتكارات والحلول عند حد‏,‏ كان لكل عقبة حل وكل حل يجري تنفيذه وتدريب الرجال عليه‏.‏

ولم يكن السادات يغافل عن حقيقة التفوق الاسرائيلي كما وكيفا‏,‏ ولم يكن بغافل عن حقيقة العقبات التي تواجه خطة هجومية ولكنه كان مؤمنا بصواب الهدف ومقتنعا بقدرة القوات المسلحة علي تحقيق الانتصار ومدركا أن الانتصار ضرورة للخروج من مسلسل الهزائم الذي بدأ عام‏1948‏ واستمر حتي عام‏1967‏ مرورا بهزيمة عام‏1956.‏

وكان الموقف بالغ الصعوبة والتعقيد فاسرائيل حققت وجودها بانتصار عام‏1948,‏ وحمت هذا الوجود بانتصار عام‏1956‏ وتحولت إلي امبراطورية بانتصار عام‏1967‏ وطوال هذه السنوات واسرائيل تنتقل من نصر إلي نصر كانت الروح المعنوية للاسرائيليين وللقادة العسكريين ترتفع باستمرار حتي وصلت إلي الذروة عام‏1967‏ أما هنا في مصر وفي العالم العربي فقد أصيبت الاوطان والمواطنين بشروخ عميقة وتصدعت الروح المعنوية‏,‏ وشهدت دول العالم العربي كثيرا من المتغيرات الحادة وفي مصر انطوت صفحة النظام الملكي بعد هزيمة‏1948‏ بأربع سنوات وبدأت صفحة جديدة تحت قيادة مجموعة يوليو وفي الأردن سقط الملك عبد الله صريعا ليتولي ابنه طلال من بعده وسرعان ماتم عزل طلال ليحل محله ابنه الملك حسين وهكذا في بلدان عديدة‏.‏ كانت الاوضاع في اسرائيل تزداد استقرارا في حين تهتز الاوضاع بشدة في دول العالم العربي وفي أعقاب نكبة‏1967‏ كانت اسرائيل تحتل قمة الانتصار والغرور‏,‏ في حين كانت مصر وباقي دول العالم العربي المعنية تقف في قاع الفشل مصابة بشروخ عميقة وتعيش حالة من عدم الاستقرار والاضطراب‏,‏ في ظل هذا الموقف البالغ الصعوبة كان علي السادات أن يقبل التحدي مستلهما ارادة الله والثقة في الشعب المصري ورجال القوات المسلحة لتغيير هذا الامر الواقع وكان عليه ان يتحدي المنطق الذي يقول بأن الانتصار والنجاح يؤدي إلي مزيد من الانتصار والنجاح في حين يؤدي الفشل الي مزيد من الفشل ومن قلب عملية البحث عن الذات‏,‏ ومن بين ادراك صعوبة خوض عملية هجومية بعد أكثر من‏130‏ عاما من اللجوء الي الدفاع ومن بين المخاوف من فشل جديد في ميدان الصراع العسكري مع العدو صاحب انتصار يونيه‏1967‏ ومن بين ثنايا الادراك بصعوبة تحقيق الانتصار في مثل هذه المعركة قرر السادات خوض تجربة معركة هجومية‏.‏وكان القادة العسكريون يتطلعون الي مشاركة سوريا في أية معركة هجومية مقبلة‏,‏ وفعلا وافقت القيادة السياسية السورية علي الاشتراك في المعركة

وبعد أن اتخذ السادات قراره واستقر رأيه علي الحرب بدأت العجلة تدور في هذا الاتجاه ومن أجل المتابعة الدقيقة اجتمع المجلس الاعلي للقوات المسلحة سبع مرات خلال الفترة من‏28‏ أكتوبر‏1972‏ وحتي أول أكتوبر‏1973.‏

الاجتماع الاول يوم‏28‏ أكتوبر‏1972‏ الاجتماع الثاني يوم‏14‏ نوفمبر‏1972,‏ والاجتماع الثالث يوم‏9‏ يناير‏1973,‏ والاجتماع الرابع يوم‏6‏ مارس‏1973,‏ والاجتماع الخامس يوم‏19‏ يوليو‏1973,‏ والاجتماع السادس يوم‏21‏ أغسطس‏1973‏ وكان اجتماعا مشتركا مصريا سوريا‏,‏ والاجتماع السابع يوم أول أكتوبر‏1973‏ وبعد خمسة أيام من هذا الاجتماع انطلقت الحرب من عقالها‏..‏
وكــــــان الانتصـــــار‏.‏