Posted by رومانسية on December 20, 2009

طبقا لآراء خبراء الاستراتيجية العسكرية‏,‏ فإن في كل حرب تكون هناك معركة أو أكثر ذات تأثير كبير علي مجريات الحرب ككل‏,‏ بحيث تعتبر هذه المعركة علامة تحول كبري في تاريخ الحرب‏,‏ ومن خلالها يظهر فكر جديد ومفاهيم جديدة لم تكن معروفة من قبل‏..‏ وفي حرب أكتوبر‏1973‏ كانت معركة المزرعة الصينية احدي أهم المعارك التي كان لها تأثير كبير سواء من الناحية التكتيكية علي أرض المعركة أو من الناحية النفسية‏..‏ فلقد أوجدت هذه المعركة فكرا عسكريا جديدا يجري تدريسه الآن في جميع الكليات والمعاهد العسكرية العليا‏,‏ وكتب عنها أعظم المحللين العسكريين ومن بينهم محللون إسرائيليون‏.

Read More

أسفرت هذه المعركة ـ من ضمن ما أسفرت عن بزوغ فكر جديد لقائد الكتيبة ‏16‏ من الفرقة‏16‏ مشاة‏,‏ وهو المقدم أركان حرب محمد حسين طنطاوى المشير طنطاوي وزير الدفاع الحالي كما أبرزت معركة المزرعة الصينية مواقف بطولية عديدة لأفراد الكتيبة ‏18‏ مشاة بقيادة المقدم أحمد إسماعيل عطية‏,‏ وهي الكتيبة التي أذهلت العدو وكان لها دور كبير في تحقيق النصر بهذه المعركة‏.

ويسترجع اللواء أركان حرب أحمد إسماعيل عطية الذي كان وقت الحرب قائدا للكتيبة ‏18‏ مشاة ـ برتبة مقدم ـ ذكريات‏35‏ عاما مضت‏,‏ والتي يصفها بأنها أجمل وأحلي الذكريات‏,‏ حيث قاد النجاحات المتتالية التي حققتها الكتيبة والتي تمكن خلالها من تنفيذ جميع المهام المكلفة بها‏.

يقول ان الكتيبة بدأت مهامها في يوم ‏6‏ أكتوبر بعبور المانع المائي لقناة السويس في نصف ساعة فقط‏,‏ وكان المفترض أن تعبرها في ساعة‏,‏ ثم بدأت الكتيبة في التقدم باتجاه الشرق وحققت مهامها الأولية باستيلائها علي رءوس الكباري الأولي وصد وتدمير الهجمات المضادة التي وجهت إليها وكانت حصيلة ذلك تدمير ‏5‏ دبابات من قوات العدو‏,‏ وعزل النقطة القوية بالدفرسوار وحصارها‏,‏ ثم قامت الكتيبة بتطوير الهجوم في اتجاه الشرق وتحقيق المهمة التالية وهي احتلال رأس الكوبري النهائي‏,‏ مع الاستمرار في صد وتدمير الهجمات المضادة للعدو‏.

وعن قصة أهم معركة خاضتها الكتيبة خلال الحرب يقول اللواء عطية ان منطقة المزرعة الصينية يرجع تاريخها إلي عام‏67,‏ حيث تم استصلاح هذه الأرض لزراعتها وتم إنشاء بعض المنازل بها وشقت الترع وقسمت الأحواض لزراعتها‏,‏حيث أن هذه المنطقة صالحة للزراعة بدرجة كبيرة وكان يطلق عليها أيضا قرية الجلاء‏.

وقد بدأت المعركة في هذه المنطقة عندما استنفد العدو الإسرائيلي جميع محاولاته للقيام بالهجمات والضربات المضادة ضد رءوس الكباري فبدأ تفكيره يتجه إلي ضرورة تكثيف جميع الجهود النيرانية والقتالية ضد قطاع محدد حتي تنجح القوات الإسرائيلية في تحقيق اختراق تنفذ منه إلي غرب القناة‏,‏ وكان اختيار القيادة الإسرائيلية ليكون اتجاه الهجوم الرئيسي لها في اتجاه الجانب الأيمن للجيش الثاني الميداني في قطاع الفرقة ‏16‏ مشاة وبالتحديد في اتجاه محور الطاسة والدفرسوار‏,‏ وبذلك أصبحت المزرعة الصينية هي هدف القوات الإسرائيلية المهاجمة في اتجاه قناة السويس علي هذا المحور‏.

وخلال هذه الفترة ركزت القوات الإسرائيلية كل وسائل النيران من قوات جوية وصاروخية ومدفعية باتجاه تلك المنطقة‏,‏ وكان الهدف من الضرب وخاصة في مقر تمركز الكتيبة ‏18‏ هو تدمير الكتيبة أو زحزحتها عن هذا المكان باتجاه الشمال‏.

وقد بدأت معركة المزرعة الصينية يوم ‏15‏ أكتوبر حيث قام العدو بهجوم مركز بالطيران طوال اليوم علي جميع الخنادق وقيادة الكتيبة وكان الضرب دقيقا ومركزا‏,‏ كما سلطت المدفعية عيار ‏175‏ مم بعيدة المدي نيرانها بشراسة طوال النهار‏,‏ واستمر هذا الهجوم حتي غروب الشمس‏,‏ لم يصب خلال هذا الضرب سوي‏3‏ جنود فقط‏,‏ وكان ذلك بسبب خطة التمويه والخداع التي اتبعتها الكتيبة‏,‏ فقبل أي ضربة جوية كانت تحلق طائرات لتصوير الكتيبة‏,‏ وبعد التصوير مباشرة كانت تنقل الكتيبة بالكامل لمكان آخر فيتم ضرب مواقع غير دقيقة‏.

وفي الساعة الثامنة إلاالربع مساء نفس اليوم ترامت إلي أسماع الكتيبة أصوات جنازير الدبابات باعداد كبيرة قادمة من اتجاه الطاسة وفي الساعة الثامنة والنصف قام العدو بهجوم شامل علي الجانب الأيمن للكتيبة من اتجاه تل سلام مستخدما ‏3‏ لواءات مدرعة بقوة ‏280‏ دبابة ولواء من المظليين ميكانيكي عن طريق ‏3‏ محاور الأول علي طريق الشط واتجاه الشمال‏,‏ والثاني علي طريق الأسفلت المتجه إلي النقاط القوية بالدفرسوار‏,‏ والأخير علي المدق الموازي للبحيرات المرة‏..‏ وكانت فرقة أدان القائد الإسرائيلي من ‏300‏ دبابة وفرقة مانجن القائد الإسرائيلي ‏200‏ دبابة ولواء مشاة ميكانيكي وتم دعمهم حتي يتم السيطرة‏,‏ وعزز لواء ريشيف القائد الثالث بكتيبة مدرعة وكتيبة مشاة ميكانيكي وكتيبة مشاة ميكانيكي مستقلة‏,‏ وأصبحت بذلك قيادة ريشيف ‏4‏ كتائب مدرعة وكتيبة استطلاع مدرعة و ‏3‏ كتائب مشاه ميكانيكي وأصبحت تشكل نصف قوة شارون‏.

ويقول اللواء أحمد إسماعيل عطية انه مع كل هذا الحشد من القوات قام العدو بالهجوم من اتجاه النقطة القوية بالدفرسوار‏,‏ ومن اتجاه طريق الشط علي الجانب الأيمن للكتيبة‏,‏ وتم الاشتباك معه بواسطة الدبابات المخندقة والأسلحة المضادة للدبابات وتم تحريك باقي سرية الدبابات في هذا الاتجاه‏,‏ وقد أدت هذه السرية مهمتها بنجاح باهر‏,‏ حيث دمرت‏12‏ دبابة ولم تصب أي من دباباتنا بسوء‏,‏ وتم اختيار مجموعة قنص من السرايا وبلغت‏15‏ دبابة وتم دفع أول مجموعة وضابط استطلاع وضباط السرايا‏,‏ ثم دفعت الفصيلة الخاصة ومعها الأفراد حاملي ال ـ آر‏.‏بي‏.‏جي إلي الجانب الأيمن وقامت بالاشتباك مع العدو حتي احتدمت المعركة وقلبت إلي قتال متلاحم في صورة حرب عصابات طوال الليل حتي الساعة السادسة صباح اليوم التالي‏,‏ وقد تم تدمير‏60‏ دبابة في هذا الاتجاه‏.

وفي الساعة الواحدة من صباح يوم ‏16‏ أكتوبر قام العدو بالهجوم في مواجهة الكتيبة ‏18‏ مشاة وأمكن صد هذا الهجوم بعد تدمير ‏10‏ دبابات و ‏4‏ عربات نصف مجنزرة‏,‏ ثم امتد الهجوم علي الكتيبة ‏16‏ الجار اليسار للكتيبة ‏16‏ مشاه وكانت بقيادة المقدم محمد حسين طنطاوي‏,‏ وكانت قوة الهجوم عليه من لواء مظلي ومعه لواء مدرع عدا كتيبة‏,‏ ونتيجة لقرار قائد الكتيبة تم حبس النيران لأطول فترة ممكنة وباشارة ضوئية منه تم فتح نيران جميع أسلحة الكتيبة ‏16‏ مشاة ضد هذه القوات المتقدمة واستمرت المعركة لمدة ساعتين ونصف الساعة حتي أول ضوء‏,‏ وجاءت الساعات الأولي من الصباح مكسوة بالضباب مما ساعد القوات الإسرائيلية علي سحب خسائرها من القتلي والجرحي‏,‏ ولكنها لم تستطع سحب دباباتها وعرباتها المدرعة المدمرة والتي ظلت أعمدة الدخان تنبعث منها طوال اليومين التاليين‏.

ونستطيع أن نقول بأن الكتيبة ‏16‏ مشاة والكتيبة ‏18‏ مشاة تحملت عبء أكبر معركة في حرب أكتوبر‏,‏ ان لم تكن أكبر معركة في التاريخ الحديث من حيث حجم المدرعات المشتركة بها‏,‏ كما كان لهذه المعركة أكبر الأثر في نصر أكتوبر المجيد وإعطاء العدو الإسرائيلي درسا لن ينساه‏..