Posted by Engineer on July 11, 2012

 

كتب محمد بيوض : عندما بدأت أعمال حفر قناة السويس في بورسعيد عام 1859 كانت مشكلة الإمداد بالمياه العذبة إحدى المشكلات التي واجهت القائمين على المشروع وقد إتجهت الشركة إلى جلب الماء لشرب العمال من دمياط في مراكب عبر بحيرة المنزلة وعلى ظهور الجمال والحمير ،

كما كان يتم إحضار الماء أيضا من الإسكندرية عن طريق مركب مجهز لهذا الغرض ،  وكانت تحصل على نحو ثمانية آلاف لتر من الماء ولم تكتف الشركة بذلك بل قامت بإستخدام أجهزة تقطير الماء فأقامت مكثفين في العام الأول 1859 سعة كل منهما خمسة آلاف لتر من الماء يوميا بدأ أولهما في العمل في شهر يونية والثاني في شهر يوليو ، وكان كل لتر ماء يحتاج في تقطيره إلى كيلو جرام من الفحم .

وبديء في إنشاء مكثف ثالث في عام 1860 أي في العام الثاني لنشأة بورسعيد وتم تشغيله في مطلع عام 1861 ، وكان إحتياطي لايستخدم إلا عند تعطل أحد المكثفين الآخرين .

 

ومع ذلك فإن هذه المكثفات لم تزود بورسعيد بحاجتها المطلوبة من الماء إذ كانت تعطي تسعمائة لتر يوميا فقط كان يخص كل شخص ثمانية لترات يوميا . وخوفا من حدوث أعطال لهذه المكثفات أو إنقطاع ورود الماء لبورسعيد ونظرا أيضا للزيادة المطردة في عدد سكان بورسعيد فقد لجأت شركة القناة إلى عقد إتفاق مع مصطفى عناني بك أحد كبار المصريين المشتغلين بتجارة صيد الأسماك في بحيرة المنزلة لإرسال كميات من الماء العذب لاتقل عن ستة أمتار مكعبة يوميا في براميل ’ قدمتها له الشركة مقابل ستة فرنكات للمتر المكعب ، في حين أن تقطير المتر المكعب كان يكلفها عشرين فرنكا ، وأدى تنفيذ هذا الإتفاق إلى تقليل الإعتماد على المكثفات في عام 1861 ولم تستخدم فيما بعد إلا في فترات قليلة ، وكان يتم توزيع الماء على المنازل بواسطة السقائين حيث قام بعض الفلاحين الذين أتوا إلى بورسعيد بالعمل في هذه الحرفة .

 

ولكن هذا الإتفاق لم يستمر طويلا ، كما فشلت الشركة في الإعتماد على وسائلها الخاصة في جلب الماء عبر بحيرة المنزلة ، ومن ثم فقد عقدت إتفاقا آخر في يونيه عام 1861 مع محمد الجيار أحد كبار ملاك السفن في بحيرة المنزلة ومن ذوي الموارد الضخمة لنقل ماء الشرب في البراميل سعة كل برميل متر مكعب ، وكان يتم تفريغ الماء بواسطة مضخات ضاغطة في خزان شيدته الشركة من الصاج يسع إثنين وثلاثين مترا مكعبا . ولما كان تنفيذ هذا الإتفاق وحده لايفي بحاجة السكان من الماء ، فقد تم إستخدام المكثفات أيضا وقد تسببت إحدى العواصف في سبتمبر عام 1861 في منع وصول قوارب المياه إلى بورسعيد وإستمر ذلك طيلة يومين ، وقد تجمهر العمال في اليوم الثالث عند موقع وصول القوارب وقاموا بإغتصاب المياه من البراميل عنوة وعندما تكرر الحادث في العام التالي 1862 فقد جلبت الشركة الماء من بئر يقع عند فم الطينة ، ولكن طعم الماء لم يكن مستساغا .

 

 

وقد اقامت الشركة ببورسعيد خزانا كبيرا يقع نحو الشرق من قرية العرب والمقابر ويسع أكثر من سبعمائة متر مكعب من الماء لإمداد المدينة بالماء وبه صمام لإمكان التحكم فيه لمنع حدوث إهدار للماء ، كما أقيم خزانان آخران ، وكان أحدهما في أقصى الشرق والثاني في اقصى الغرب ويسع كل منهما مائة وسبعة وثمانون مترا مكعبا ويأتي الماء إليهما من المجاري الرئيسية وقد إستخدمت مواسير من الحديد الزهر وكان الضغط يتم بواسطة طلمبات بخارية بالإسماعيلية كي يرتفع ماء الترعة الحلوة لكي تصبها في مجرى المياه حتى تسير إلى الطرف الآخر التي وصلت إلى بورسعيد في عام 1864 وكان فرح السكان بها لايعادله أي فرح آخر ، وقد إستخدم الخزانان الآخران أيضا كإحتياطي في حالة عدم وصول المياه إلى بورسعيد أو في حالة زيادة الإستهلاك عن طاقة الخزان الكبير .

وكان يوجد ماسورة في كل شارع ببورسعيد يختلف قطرها حسب أهمية الشارع وللأغراض المخصصة لها أما مرفق المياه فيقع في قرية العرب وبر الإنجليز ، وتوجد حنفيات عامة موزعة في مختلف الميادين وهي مفتوحة ليلا ونهارا ودائما محاطة بمجموعات مختلفة من الرجال والنساء والأطفال . وفي عام 1875 كان يوجد ببورسعيد ست حنفيات نصفها بمدينة بورسعيد وإثنتان منها بقرية العرب والسادسة ببر الإنجليز بالإضافة إلى سبع حنفيات أخرى خاصة ، منها أربعة بالمدينة وإثنين بقرية العرب والسابعة ببر الإنجليز ، وهي ممنوعة على الجمهور ومخصصة فقط للسقائين لقاء مبلغ سنوي حيث يقوم السقاءون ببيع الماء وكانت بورسعيد تستهلك حوالي ثمنمائة متر مكعب يوميا من الماء العذب .

وقد تحسنت حالة المياة في بورسعيد غلى حد ما في يوليو عام 1866 حينما مد خط آخر من المواسير من الإسماعيلية إلى بورسعيد .

وعندما أنشأت شركة القناة شركة لتقسيم المياة ببورسعيد في عام 1869 فقد كان على الشركة توفير المياه اللازمة إلى المحافظة وفروعها .

تلك كان بإيجاز قصة المياه في بورسعيد في بدايات نشأة بورسعيد ..

 

 

 

المصدر: كتاب بورسعيد تاريخها وتطورها للدكتور زين العابدين شمس الدين نجم 

 

                                                                                 محمد بيوض 

                                                                                    يوليو 2012م.