Posted by رومانسية on December 19, 2009

ومازال العرب يدفعون فواتيرها ارتداداً حثيثاً الى الوراء حضارياً على مختلف الاصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية والاجتماعية ناهيك عن العسكرية.
واغرب ما في هذه الهزيمة حينما يعيد المرء استذكار وقائعها كما جرت وصورها الاعلام العربي والمصري بخاصة .. وكما رواها ايضاً شهودها من القادة العسكريين والسياسيين انها كانت أشبه بالكابوس السريع الذي لا يصدق والذي جثم على صدر امة برمتها في خلسة من الزمن. 

 

الأزمة السياسية التي افضت الى العدوان الاسرائيلي الذي انتهى بهزيمة ثلاث دول عربية هي مصر وسوريا والاردن لم تستغرق سوى أقل من ثلاثة اسابيع .. بدءاً من 15 مايو .. والعدوان الاسرائيلي الذي بدأ في 5 يونيو على هذه الدول الثلاث وانتهى بهزيمتها لم يستمر سوى ستة أيام فقط.

بدأت الأزمة كما هو معروف في منتصف مايو على اثر ورود معلومات للقيادة السياسية المصرية بوجود حشودات عسكرية اسرائيلية غير عادية على الحدود السورية .. وكان المصدر الأول لهذه المعلومات هو الاستخبارات السوفيتية وهي المعلومات التي ثبت بعدئذ من مصادر وثيقة سورية وسوفيتية ومصرية قيادية زيفها أو عدم دقتها على الأقل ..حيث أجمعت هذه المصادر على ان الحشود كانت روتينية اعتيادية.


 

ولما كانت القاهرة الناصرية ترتبط مع دمشق التي كان يحكمها حينئذ جناح يساري متطرف في حزب البعث السوري بقيادة مجموعة صلاح جديد ونور الدين الاتاسي بمعاهدة دفاع مشترك .. فقد اعلنت الاولى - القاهرة - حالة الاستنفار والاستعدادات القصوى في 15 مايو بما في ذلك التحشيدات على الحدود في شبه جزيرة سيناء وعلى ضفتي مدن القناة.

وجرى استنفار الاعلام المصري المقروء والمسموع والمرئي بأقصى طاقته الحماسية من تعليقات كلامية ومقالات صحفية ملتهبة وأغان وطنية تبشر كل منها بالنصر المبين القريب ضد الصهيونية ليس لرد واحباط العدوان الاسرائيلي المنتظر على سوريا بل ولتحرير فلسطين كاملة.

وكلف معلق صوت العرب الشهير احمد سعيد بالعمل بأقصى طاقته ومواهبه وقدراته التعليقية من بلاغة سياسية لإلهاب حماس الجماهير المصرية والعربية.

 


 

على اية حال سرعان ما تطورت الاحداث على نحو دراماتيكي اشبه بمسرح الخيال الكوميدي الاسود .. فبعد اعلان حالة الاستنفار بأيام قليلة طلب الرئيس جمال عبدالناصر من الامم المتحدة سحب قوات الطوارئ الدولية من سيناء التي سحبتها بالفعل في 21 مايو.

وفي 22 مايو اعلنت القاهرة اغلاق خليج العقبة امام الملاحة الاسرائيلية .. وهو القرار الذي اعتبرته اسرائيل بمثابة اعلان غير مكتوب للحرب عليها.. وجرت تخطئته من قبل كل القادة العسكريين بعدئذ.

وما هي الا ايام قليلة اخرى حتى ابلغ عبدالناصر في مطلع يونيو جميع رفاقه الكبار في القيادتين السياسية والعسكرية بأن معلوماته المؤكدة ان اسرائيل ستشن الحرب وتوجه ضرباتها الاولى في فجر الخامس من يونيو، وهو ما جرى بالفعل وعلى وجه الدقة.

 


 

بمعنى ان الضربة الأولى يفترض بأنها غير مباغتة.. فهل كانت استعدادات القيادة العسكرية والجيش المصري بمختلف ألويته وفرقه البرية والجوية والبحرية كافية وفي حالة جاهزية قتالية كاملة وهو يملك هذه المعلومة الهامة عن مواعيد الضربات الأولى؟! لعلنا نجد في مذكرات احد قادة هذه الحرب الا وهو الفريق انور القاضي رئيس هيئة العمليات ما يلخص المأساة - الملهاة التي كان عليها الجيش المصري عشية خوضه الحرب وسوء تقديرات القيادة السياسية في تصعيدها للأزمة التي استدرجت إليها لخوض الحرب وجيشها بذلك الحال:

1- لم تكن هناك قوات ضاربة كافية للمواجهة العسكرية مع اسرائيل فقد كانت قواتنا الرئيسية في اليمن على بعد ألفي كيلومتر.

2- لم تكن هناك ميزانية حرب مخصصة للمواجهة مع العدو، بل جرى تخفيضها قبل شهر من الازمة.

3- لم تكن هناك خطة استراتيجية موضوعة للعمليات الهجومية. لهذا لا غرابة ان يكون الهجوم الذي خاضه الجيش الاسرائيلي كان أشبه بالنزهة السريعة وبخاصة في ظل ما تلقاه من دعم عسكري متطور ومالي وسياسي غير محدود من قبل المعسكر الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة والذي لم يكن يضاهيه حينذاك الدعم السوفيتي لمصر وسوريا في تلك المجالات، رغم ما يربطهما من تحالف وطيد مع الاتحاد السوفيتي.