Posted by Engineer on December 14, 2009

شهد الحكم "الناصري" في مصر، طيلة الستينات، استقطاباً بين "كتل سياسية" مختلفة، خاضت فيما بينها صراعاً خفياً تارة وعلنياً تارة أخرى. وهو صراع يؤكد حقيقة أساسية في علم السياسة، وهي أن أي مؤسسة سياسية ـ والدولة أقوى هذه المؤسسات ـ تعيش صراعاً مزدوجاً، صراعاً خارجياً مع خصوم تحددهم، وصراعاً داخلياً فيما بينها، وشهد التاريخ تجارب عديدة تؤكد هذا الرأي، مثل صراع ستالين ـ تروتسكي، صراع ماوتسي تونغ ـ دنغ كسياو بنغ... إن السلطة، في جميع الجماعات الإنسانية وحتى في المجتمعات الحيوانية، تهيئ للذين يملكونها منافع وامتيازات، أمجاداً وسمعة وفوائد ومتعا، لذلك تدور حولها معارك حامية.

 

mhaikal.jpg

Read More

وهذه المعارك تدور أولاً بين أفراد يصارعون من أجل مقعد...".
كذلك "كثير من الناس يرون أن الصراع والتكامل ليسا وجهتين متعارضتين، بل هما عملية كلية واحدة، فالصراع يؤدي بطبيعته إلى التكامل، والتعارضات تتجه بتطورها نفسه إلى زوالها وإلى قيام "المدينة" التي يتحقق فيها الانسجام".

إن مصر ـ عبد الناصر، طيلة الستينات، شهدت مثل هذا الصراع بين "الكتل"، وكان محمد حسنين هيكل، يتمركز في إحدى هذه الكتل، رغم محاولاته الدائمة ليكون خارج دوائر الصراع. ولتحديد موقعه، توجد مجموعة من الرؤى المختلفة ـ المتباينة.

فالدكتور فؤاد زكريا، أحد منتقدي هيكل بشدة، يقول: "هناك شواهد كثيرة وقوية على أن حكم عبد الناصر كان يضم، في سنواته الأخيرة على الأقل، "أجنحة" متنافسة ومتعارضة.

كان هناك الجناح العسكري الممسك بقوة الجيش، والملتصق بالمشير عامر (شمس بدران وقادة الأسلحة المختلفة قبل 1967).
وكان هناك الجناح التنفيذي الملتصق بعبد الناصر في عملية الحكم (سامي شرف، شعراوي جمعة، محمد فايق..). وكان يقود هذا الجناح علي صبري.

وكان هناك الجناح الهادئ، المتربص، الذي يحتفظ بعلاقاته بعبد الناصر بحذر شديد، دون التورط في ممارسات تثير المتاعب، أنور السادات، محمود فوزي، سيد مرعي، حافظ بدوي.

وأكاد أجزم بأن هيكل كان ينتمي إلى الجناح الأخير، فالشواهد قوية على أن هيكل كان من مجموعة أنور السادات قبل أن يتولى هذا الأخير الحكم بوقت غير قصير".

ثم يضيف الدكتور فؤاد زكريا: "ويكفي، كمثال واحد للتدليل على ذلك، أن استشهد بما قاله هيكل نفسه في مقاله "ما أكثر الشجاعة هذه الأيام على الغائبين" فهو في هذا المقال يروي قصة اعتقال عبد الناصر لأحد المثقفين المرتبطين بهيكل في جريدة "الأهرام" وكيف غضب هيكل ولازم بيته أياماً دون أن يفاتح عبد الناصر في الموضوع، والذي يهمنا في هذا أن أنور السادات كان هو الذي اتصل به قائلاً "ما هذا الذي تفعله؟ أنك تترك الجو هنا لكل من يريد أن يستثير ويحرض" ثم قال: "اتصل به (عبد الناصر) فوراً وتحدث معه بنفسك ولا تترك المجال مكشوفا لآخرين ". وبعد يومين عاود الاتصال به قائلاً: "يبدو أنك جننت، لماذا تترك الأمر بينك وبينه لكل من يريد أن يتبرع بكلمة؟".
وهنا يظهر بوضوح أنه كانت هناك مجموعتان، واحدة يمكن أن تحرض عبد الناصر ضد هيكل، وأخرى حريصة على سلامة هيكل ضد المجموعة الأخرى وفيها أنور السادات. ولا شك أن تطوع السادات بكل هذه النصائح إلى هيكل يدل على أنهما كانا ينتميان إلى معسكر أو جناح واحد".

وتختلف رؤية الأستاذ لطفي الخولي ـ أحد تلامذة هيكل ـ لخريطة التكتلات والتحالفات، ويقدم في كتابه "مدرسة السادات السياسية... واليسار المصري"، تحليلاً آخر يقول فيه " في مقدمة هذه المحاور المتصارعة في الأعماق، كان هناك ما سمي بـ"اللجنة الاستشارية الرئاسية"، وهي اللجنة التي كان الرئيس قد شكلها بعد هزيمة 1967 وبعد إحباط المحاولة الانقلابية التي تزعمها المشير عبد الحكيم عامر، واعتمد عبد الناصر على هذه اللجنة في إدارة شؤون البلاد الداخلية، والإشراف على أعمال مجلس الوزراء الذي كان يتولى رئاسته...

وكانت هذه اللجنة، التي أحيط أمرها بالكتمان، تتكون من شعراوي جمعة وزير الداخلية، وأمين هويدي الذي تولى وزارة الحربية ورئاسة المخابرات العامة ووزارة الدولة، ومحمد فائق وزير الدولة للشؤون الخارجية وسامي شرف سكرتير الرئيس للمعلومات ووزير الدولة، وكان عبد الناصر يفاجئ اللجنة، بين آن وآخر، بطلب اشتراك محمد حسنين هيكل وزير الإعلام ورئيس تحرير "الأهرام" في أعمالها".

ويضيف لطفي الخولي، أن "ثمة محوراً آخر كان يتبلور في قيادة الاتحاد الاشتراكي (6 ملايين عضو مسجل) وتنظيماته الرئيسية والمساعدة ... بزعامة علي صبري، واستمد هذا المحور أهميته من قوته الحاكمة فعليا في كل من اللجنة العليا واللجنة المركزية. وكان من بين الأعضاء البارزين فيه : شعراوي جمعه (الذي كان يشارك في اللجنة التنفيذية العليا بصفة استثنائية على الرغم من عدم تمتعه بعضويتها)، عبد المحسن أبو النور، ود. لبيب شقير، وضياء الدين داوود، عبد المجيد فريد، وحافظ بدوي. وكان هذا المحور يكرس قدراته من خلال تسييره "التظاهرات الجماهيرية تحت الشعارات التي يحددها واستصداره "القرارات المطلوبة" من دون عناء كبير، من الهيئات القيادية للتنظيم السياسي على مختلف المستويات.

وبالتوازي مع محور قيادة الاتحاد الاشتراكي، تكون محور آخر، ضم قيادة ما سمي بـ"التنظيم الطليعي" وكان أقرب ما يكون إلى صيغة الحزب الاشتراكي ذي الخلايا السرية عهد إليه بالعمل على توجيه قيادة الاتحاد الاشتراكي من داخله بواسطة "كادر اشتراكي مدرب "...

وظل عبد الناصر يشرف بنفسه على تكوين وإدارة التنظيم الطليعي بحماسته، يعاونه في ذلك كل من علي صبري واحمد فؤاد ومحمد حسنين هيكل...

وعند وفاة عبد الناصر، كان كل من علي صبري واحمد فؤاد ومحمد حسنين هيكل قد أقصوا أو تباعدوا عن قيادة التنظيم الطليعي، التي ركزت في أمانة مركزية أمسك بزمامها، أساسا، شعراوي جمعه، وسامي شرف ومحمد فائق وحلمي السعيد المستشار الاقتصادي لرئاسة الجمهورية، يعاونهم عنصران أو ثلاثة من الماركسيين مثل احمد حمروش ومحمود أمين العالم ".

أما أخطر المحاور ـ لصبغته العسكرية ـ فكان "يتجسد في "اللجنة العسكرية الخاصة بإعادة بناء القوات المسلحة وإعدادها على المدى القصير الذي لا يتجاوز العام 1972... وكان عبد الناصر يركز طاقاته في هذه اللجنة، يعاونه الفريق محمد فوزي وزير الحربية، واللواء محمد صادق، بالإضافة إلى عدد محدود من قيادات القوات المسلحة.

وإلى جانب هذا المحور، قام محور "الحرس الجمهوري " الذي تدعمت قواته إلى حد القدرة على الهجوم القتالي متجاوزا خط الدفاع للحراسة التقليدية، وتولى عبد الناصر الإشراف على هذا المحور من خلال سامي شرف سكرتير الرئيس للمعلومات ووزير الدولة، واللواء الليثي ناصف قائد الحرس ".

"ويمكن القول أن ثمة محورين آخرين، دار كل منهما، في الأساس، حول شخصية متميزة اكتسبت وزناً خاصاً نتيجة ما اتسمت به من ملكات خاصة وظفتها بذكاء، أو احتلالها لمواقع هامة داخل دائرة الثقة الضيقة لجمال عبد الناصر، وبالتالي أمكنها التعرف إلى أسرار النظام ومشاركتها الجزئية أو الكلية في صنع القرارات السياسية. الشخصية الأولى تمثلت في "أنور السادات" الذي اصطفاه عبد الناصر من دون أعضاء مجلس قيادة الثورة نائباً وحيداً له في 20 ديسمبر 1969 وذلك بقرار غير متوقع كان له وقع الصاعقة على الجميع...

وهكذا انتقل السادات فجأة قبل أقل من عام من وفاة عبد الناصر من المواقع الخلفية المظلمة في النظام إلى مواقع الصدارة".
"أما الشخصية الثانية فهي محمد حسنين هيكل الصحفي أو "الجرنالجي" كما يحب أن يصف نفسه دائماً، لكن جميع الذين اتصلوا اتصالاً وثيقاً بنظام عبد الناصر من المراقبين والسياسيين المصريين والعرب والأجانب، كانوا يجمعون على وصفه بأنه "الرجل الثاني في النظام" الذي لا يتولى مسؤوليات رسمية ولا يسعى إليها حتى لا يدخل طرفاً في دائرة الصراع، ويقلص حجمه على مقاس المنصب الرسمي الذي تولاه، وتتضارب الآراء والمواقف بنشأة محمد حسنين هيكل، بيد أن خصومه يتفقون مع أصدقائه على أنه " الأقدر والألمع" في حقل الصحافة المصرية والعربية وإذا كان استفاد من قربه لعبد الناصر، فإن عبد الناصر قد استفاد في المقابل من حرفية وذكاء هيكل الصحفي... ولم يعد هيكل أقرب المستشارين لجمال عبد الناصر وموضع سره وحسب، وإنما "المحاور اليومي" المقبول منه دون أي كلفة أو حساسية.
والمعادلة التي حكمت حركة هيكل وقبلها عبد الناصر، هي الالتزام بمساندة جمال عبد الناصر على نحو مطلق مع ممارسة الحرية النسبية في نقد النظام ومؤسساته وقياداته.

ولقد رسبت ممارسة هذه المعادلة انطباعاً لدى كل القوى السياسية المحلية والعربية والدولية، أن محمد حسنين هيكل يمثل فعلاً مركز "الرجل الثاني" في النظام، من دون أن يتورط في تولي مسؤولية رسمية مكشوفة، ولعل هذا ما دفع عبد الناصر في بداية العام 1970 ـ وفقاً لكثير مما يروجه المراقبون ـ إلى تعيينه وزيراً مسئولاً عن الإعلام ـ على الرغم من اعتراضه ـ مع احتفاظه برئاسة تحرير "الأهرام".

أما سامي شرف، فيعتقد "أن الصورة السياسية في الستينيات كانت تتميز بوجود جمال عبد الناصر بطلاً كاريزمياً، من جهة وعبد الحكيم عامر وصلاح نصر كتلة تعمل في الجيش والمخابرات من جهة ثانية، ومجموعة الاشتراكيين المتشددين متكونة من الراحل علي صبري والراحل شعراوي جمعه، وسامي شرف، وضياء الدين داوود... من جهة ثالثة، ومحمد حسنين هيكل الذي يعتبر على علاقة شخصية مع عبد الناصر أكثر منها علاقة عامة من جهة رابعة... فهيكل يبدو غريباً في هذه الصورة بدون علاقته مع الرئيس الراحل".

إننا نستنتج من هذه الرؤى المختلفة أن هيكل كان يحافظ على خصوصية تميزه، حيث كان يشكل ما يمكن تسميته بـ"كتلة ـ فرد" فهو بمفرده يمثل جناحاً بأكمله. اعتمد على صداقة عبد الناصر الشخصية ليستطيع أن يعمل داخل النظام بدون أن يضرب من قبل الآخرين. وإذا استبعدنا موقف الدكتور فؤاد زكريا ـ الناقد بشدة ـ لهيكل وقلصنا من رؤية لطفي الخولي، وهو أحد تلاميذ هيكل، في محاولة الإيحاء بأن هيكل هو الرجل الثاني، فإن رؤية سامي شرف ـ رغم خلافه الكبير مع هيكل الذي أنحاز إلى السادات في مايو 1971 ـ تصبح الأقرب إلى رسم صورة حقيقية لموقع الصحفي داخل منظومة الدولة.

لقد كان هيكل، يمثل قطباً بمفرده، أو ربما بمؤسسة الإعلام الضخمة التي قادها، وكانت علاقته رأسا بعبد الناصر هي مصدر قوته.

بقي أن نلاحظ مع محمد فائق الذي قال: "إن الجميع كانوا وطنيين مخلصين لبلدهم، فلا مجال للقول أن زكريا محي الدين مثلا هو رجل أمريكا، أو كذلك هيكل، أو أن علي صبري هو رجل السوفيات... جميعهم كانوا وطنيين. فقط أن عبد الناصر كان يعطي بعض الأدوار لبعض الأفراد...".

وأخيراً، يلخص أحمد حمروش الصورة قائلا: "ومهما بلغ الضيق والتوتر والخلاف بين هؤلاء الأعوان، فإن وجود عبد الناصر كان كفيلاً بتهدئة الأمور ولجوء الجميع إليه... وهو زعيم يجيد لعبة التوازن...".
كان عبد الناصر يمثل صمام الأمان وبرحيله عن الدنيا، يكون صمام الأمان قد رحل معه. ويصبح انفجار الصراع وشيكاً.