Posted by Engineer on September 14, 2012

كتب محمد بيوض : موقع تاريخ بورسعيد يستمر في النشر من الأطلس التاريخي لبطولات شعب بورسعيد عام 1956 الذي أعده لجنة التاريخ والتراث بمحافظة بورسعيد إيمانا منها بالدور الوطني الذي قام به أبناء مصر عامة وأبناء بورسعيد على وجه الخصوص وإنه من الأشياء التي تعتز بها مدينة بورسعيد وبالأخص المثقفين فيها ما أعده الأستاذ "ضياء الدين حسن القاضي"

مقرر لجنة التاريخ والتراث بالمجلس الأعلى للثقافة بمحافظة بورسعيد في ذلك الوقت ( وهو حاليا الرئيس التنفيذي للجنة ) من أطلس تاريخي لبطولات شعب بورسعيد بالمعلومة والصورة والوثيقة عن نضال شعب بورسعيد خلال معركة بورسعيد سنة 56 صدر منه حتى الآن ثلاث طبعات – حبا منه لبورسعيد وحبا منه للجنة التي ينتمي لها قام بإهداء هذا العمل ليصدر بإسمها ، حيث أن المجلس الأعلى للثقافة يتكون من عدة لجان منذ إنشاؤه في الثمانينات وأنشطها لجنة التاريخ والتراث بفضل مقررها الذي يتولى أعمال اللجنة ومن ضمنها تسميات الشوارع غير المسماة في المناطق المستحدثة في مدينة بورسعيد إلى أن إنتهى الأمر بتشكيل لجنة منبثقة عن لجنة التاريخ والتراث تحت إسم لجنة تسميات شوارع بورسعيد غير المسماة في المناطق المستحدثة .

والأستاذ " ضياء الدين حسن القاضي" دائم ودئوب في العطاء الفكري والثقافي التاريخي من محاضرات لبرامج تلفزيونية وفي القنوات الفضائية والأبحاث التاريخية المختلفة مما جعل الراحل الأستاذ الدكتور يونان لبيب رزق يزكيه في إنضمامه لعضوية إتحاد المؤرخين العرب بالقاهرة والجمعية المصرية للدراسات التاريخية بالقاهرة يضاف أنه عضو فخري مدى الحياة بمكتبة الإسكندرية مع حيثيات أخرى لما له من عطاء مستمر وندعوا له بالتوفيق الدائم ، فبالرغم من مقاربة سنه إلى السبعين عاما فهو الآن يعكف على إصدار الجزء الرابع من موسوعة تاريخ بورسعيد الذي أعد مادتها والتي تشمل على الحضارات التي كانت موجودة قبل نشأة بورسعيد ومشروعات الوصل بين البحرين إنتهاء بإختيار دليسبس مشروع اللجنة الدولية التي نفذ من خلال هذا المشروع شق قناة تربط بين البحرين الأبيض والأحمر خلال برزغ السويس بالإضافة إلى كتاباته عن نضال شعب بورسعيد عبر التاريخ بداية من 1882 مرورا بالحرب العالمية الأولى وثورة 1919 والحرب العالمية الثانية ومعارك القناة سنة 1951 التي أستشهد فيها الشهيد نبيل منصورثم درة العقد الثمين للمعارك التي خاضها شعب بورسعيد وهي معركة 1956 ومعركة رأس العش وإغراق إيلات من عند بورسعيد في أعقاب النكسة مباشرة إنتهاء بحرب أكتوبر 1973 وإستيلاء قواتنا المصرية على الثلاث حصون الرئيسية جنوب بورفؤاد "لاهتزنيت"و"بودابست"و"أورتال" بفضل كلمة الله أكبر، وكان الإستيلاء عليها باكورة إستيلاء قواتنا المسلحة على باقي النقاط الحصينة على جبهة قناة السويس ، وموقع تاريخ بورسعيد إذ حصل على نسخة من هذا الأطلس كهدية من المهندس عبده السعيد أحد شباب مهندسين بورسعيد مساهمة منه لدعم موقعنا بالمعلومات الموثقة من جهة موثوق بها بغية إعادة نشر محتوياته لكي تعم الفائدة على الجميع ويعرف الشباب تاريخة ويفتخر به ، ونحن في موقع تاريخ بورسعيد نشكر أولا الأستاذ "ضياء الدين حسن القاضي" على إعداد هذا الأطلس الهام لتوثيق التاريخ بعيدا عن الأهواء الخاصة وبكل حيادية ، ونشكر ثانيا المهندس عبده السعيد على إهداءه الرائع لهذا الكنز من المعلومات المهمة  .

 

وهذا هو الجزء الرابع ونرجو أن تتابعونا ..

لازلنا نقص العدوان في يوم الإثنين 5 نوفمبر عام 1956  وهو من أصعب الأيام التي مرت على بورسعيد ..

يحكي محمد رياض محافظ بورسعيد في ذلك الوقت في مذكراته ما يلي : " قبل ظهر 5 نوفمبر عام 1956 وفي غرفة عمليات الدفاع المدني إتصل بي القائمقام حسن رشدي – مفتش المباحث العامة – ليبلغني أن موظفا مصريا بهيئة إدارة القناة قد إتصل به تليفونيا من وابور المياه الكائن بجهة الرسوة التي تقع في الجهة القبلية من المدينة وأبلغه أن قائد قوات البراشوت التي إحتلت هذا الموقع يرغب في الإجتماع بلجنة لبحث مسائل تستهدف إلى تخفيف حدة الغارات الجوية وتفادي إصابة المدنيين .. وقد أجبته أن هذا الطلب مرفوض من جانبنا .. وكان رد القوات المعتدية على هذا الرفض مهاجمة مبنى المحافظة بقنابل الطائرات وألقت إثنتي عشرة قنبلة .

ثم تحولت الطائرات بعد ذلك إلى التحليق فوق غرفة عمليات الدفاع المدني .. فإضطررت إلى مغادرتها وإنتقلت مع السيد مدير عام البلدية والسيد الحكمدار وبعض كبار الضباط إلى إدارة البريد وقضينا ليلة هناك "

 

عند مطلع الفجر بدأ السلاح الجوي البريطاني والفرنسي في قصف المدينة بطريقة مركزة وبعدها قام الأسطول بقصف المدينة . فتم تدمير حي المناخ بالكامل وأحرقت ودمرت منازل حي العرب على إمتداد شوارع توفيق وعبادي وعباس فشبت الحرائق وإنهارت المباني على سكانها وإختلطت جثث الشهداء بأنقاض المباني – وكان أكبر الشهداء سنا الحاج / حسن مصطفى القاضي الذي أستشهد في ذلك اليوم بشارع توفيق على أثر تهدم أنقاض منزله عليه – وفي تمام الحادية عشر صباحا بدأ إنزال القطع البرمائية لإحتلال الشاطيء حاملة رجال الكوماندوز البحريين وقد ظهر على معدات تلك الحملة الحرف اللاتيني H    نسبة إلى كلمة HUSSARS   أي الفرسان (**) .. وبعد ذلك تبعتها البعابع المحملة بالدبابات وذلك تحت ستار سحب الدخان السوداء الكثيفة المتراكمة على الشاطيء حيث إستغل العدو ذلك الدخان في إنزال كتيبة من القوات البحرية الإنجليزية وأورطة دبابات ..

 

ولم يمكن صد هذا الهجوم الهائل بسبب تدمير بطاريات المدفعية الساحلية كما إقترب الأسطولان البريطاني والفرنسي من رصيف دي ليسبس وأنزلت البعابع الدبابات السنتريون الضخمة والمصفحات إلى المدينة من جهة حي الإفرنج عند رصيف الميناء من نقطتين الأولى عند كازينو بالاس والثانية عند تقاطع شارع السلطان حسين ومحمد محمود وعند النقطة الثانية تخفي رجال المقاومة في زي رجال الإسعاف وأمطروهم بوابل من الرصاص وقام الإنجليز بإحتلال جميع عمارات طرح البحر بعد طرد سكانها كما إستولوا على المدارس والفنادق داخل المدينة وقد شوهد إشتراك قطع حلف الأطلنطي في ذلك الهجوم البحري .

 

وقد تقدمت قوات المظلات التي هبطت في مطار الجميل على الساحل وإلتقت القوتان تتقدمهما الدبابات ورفعت على أبراجها العلمين المصري والروسي لخديعة الشعب البورسعيدي فإلتف حولها المواطنون مهللين وفجأة أطلقت مدافع هذه الدبابات النار عليهم ثم إحتلت بعضها الشوارع والميادين بينما إتجه البعض الآخر إلى كوبري الرسوة وتبع ذلك قوات العدو من المشاة التي أخذت تتقدم نحو شارع محمد علي وكانت تنتظرها فوق أشجار جديقة الباشا أفراد المجموعة الثانية للفدائيين فقامت بفتح نيرانها فقضت تماما على تلك القوات المتقدمة .. ثم إنتقل أفراد تلك المجموعة إلى شارع عبادي ، فجاءت قوات مشاة بريطانية أخرى وقامت بإطلاق نيرانها على أشجار حديقة الباشا ظنا منها بوجود أفراد المقاومة الشعبية أو جنود مصريين أعلى تلك الأشجار ، وتحول القتال إلى شارع عبادي حيث دارت معارك بين الفدائيين والقوات المعتدية ظهرت فيها البطولات النادرة لأبناء هذا الشارع حيث أستشهد الشقيقان يسري ووجدي بخيت أسفل بواكي هذا الشارع .

وإمتد عدوان تلك القوات الغازية إلى الشيوخ والأطفال والنساء الذين تهدمت منازلهم ولجأوا للجامع العباسي فإقتحموا الجامع وقتلوا الكثير بحثا عن الفدائيين .

 

وقد ترتب على القصف الجوي ولتدمير المنازل تشريد ما يزيد عن خمسة آلاف أسرة بلا مأوى .

ومن بطولات هذا اليوم أيضا التي تدل على تضافر قوات الشعب والجيش والبوليس هو إستشهاد جندي البوليس السعيد محمد حمادة أمام القنصلية الإيطالية بشارعي 23 يوليو وصلاح سالم والمكلف بحراستها ورفض طلب القنصل بالإحتماء بها .

هذا وقد قامت السلطات المصرية بتوزيع كميات أخرى هائلة من الأسلحة ووزعتها على الأهالي لمساندة قوات الجيش وقوات الحرس الوطني وكانت جثث الشهداء تملأ الشوارع مهددة المدينة بوباء رهيب .

ومن مذكرات المحافظ محمد رياض عن هذا اليوم ذكر ما يلي :

" في صباح يوم 6 نوفمبر حاول الجنرال إستكويل الإتصال عن طريق بعض القنصليات الأجنبية ولكني رفضت هذا الإتصال وإمتنعت عن الرد على الوسكاء .. وخاطبت السيد وزير الداخلية تليفونيا ووضعت الموقف بين يديه .. وتلا ذلك إتصال تليفوني بين السيد كمال الدين حسين القائد العام للمقاومة الشعبية وبيني .. وقد تحدثت إلى سيادته والأعداء ينزلون مدرعاتهم ودباباتهم إلى الشوارع ولم يلبثوا أن حاصروا مكتب البريد وقبل أن أنتهي من حديثي مع السيد الوزير كنت قد أصبحت محاصرا وقضيت ليلة أخرى في مكتب البريد "

 

(**) المعلومة التي لدينا عن إستخدام حرف H   شعار العملية الحربية على المعدات والمركبات المعتدية هي نسبة إلى إسم الخطة هاميلكار التي كانت مرشحة للإستخدام قبل تغييرها لتصبح تلسكوب ولم يكن هناك وقت لتغيير الشعار إلى شعار جديد .. 

المصدر : الأطلس التاريخي لبطولات شعب بورسعيد عام 1956

إعداد : ضياء الدين حسن القاضي

مراجعة : سامي هويدي

(أهداه مشكورا لموقع تاريخ بورسعيد المهندس / عبده السعيد) 

 

 

محمد بيوض

سبتمبر 2012