Posted by Engineer on April 04, 2015

كتب محمد بيوض : أثناء إستعراض أرشيف مكتبتي وجدت أوراقا من جريدة الأخبار تحمل تاريخ 23/12/1957 وهو عيد النصر الأول والذي حضر فيه الرئيس جمال عبد الناصر إلى بورسعيد للإحتفال به وسط أهلها البواسل ..

عام إنقضى بعد خروج آخر جندي محتل في مثل هذا اليوم عام 1956 ، وبطبيعة الحال كانت وسائل الإعلام تحتفل بهذا اليوم وتحتفل ببورسعيد إحتفالا غير عادي ، وقد لفت نظري هذا المقال الذي كتبه الصحفي البورسعيدي/ مصطفى شردي يروي فيه ذكرياته أثناء تواجده في بورسعيد أثناء المعركة ، ولما كنا في موقع تاريخ بورسعيد نسجل تاريخ مدينتنا الباسلة بكل حب وحيادية فقد رأينا أن نعيد نقل المقال كما كتبه صاحبه بدون إضافة أو تغيير وذلك ليعرف القاريء جزء من تاريخ الباسلة من أناس عاشوه وعاصروه .. مقال بنكهة مصطفى شردي رحمه الله ..

 

48 يوماً في بورسعيد ثم جاء النصر

 

 

48 يوما قضتها بورسعيد والإنجليز يملؤن شوارعها .. دوريات بالليل ودوريات بالنهار . جنود يسيرون في الشوارع وآخرون يركبون السيارات .. أجهزة اللاسلكي موجودة في كل مكان . في السيارات الجيب وعلى صدور الجنود . كل جندي إنجليزي كانت لدية خريطة للمدينة . كل دورية كان لها خريطة للحي الذي تسير فيه . كل دورية لديها كشف بالأسر التي تقيم في الشارع الذي تعسكر فيه . البنادق مربوطة بالسلاسل في أيديهم .

إن الناس هناك كانوا يسرقون البنادق من الجنود . ليس السبب قلة السلاح .. أبناء بورسعيد كانوا يهوون خطف البنادق من الجنود . في بعض الأحيان كانوا يخطفون رؤسهم ..! كانت الدورية المكونة من عشرة جنود تسير في الشارع على الجانبين . وعندما تعود يكتشف الضابط إختقاء جنديين أو ثلاثة ..! إن خطف الجنود كان هواية أبناء بورسعيد خلال فترة الإحتلال . تطورت الهواية بسرعة . بدأوا يخطفون الضباط ! خطفوا مورهاوس الضابط الإنجليزي الشرس ..! ضربوا وليمز ضابط المخابرات برغيف عيش فيه قنبلة .. حرقوا سيارة بها ضابطين فرنسيين في شارع محمد علي . جن الإنجليز . راحوا يبحثون عن الفدائيين في كل بيت . كانوا يحاصرون الأحياء واحدا بعد الآخر . كانوا يقبضون على رجال ونساء الحي ويتركونهم واقفين في الشمس وأيديهم فوق رؤوسهم بالساعات .. كانوا يستجوبون كل مخلوق حتى الأطفال سألوهم .

وإسمعوا هذا السر الذي أكتبه لأول مرة . الحملة على بورسعيد كان بها جنود يتحدثون العربية .. كان بها جنود لبنانيون ..! الضابط الذي كان يحرس بوابة القطاع الإنجليزي كان من لبنان . درس في جامعة القاهرة وحصل على البكالوريوس من كلية الهندسة .. كان يتحدث العربية مثلنا تماما . لقد عاش في مصر 11 عاماً . إنه يعرف كل شبر في القاهرة . قال لي أنه كان يتمنى أن يزور القاهرة . وقلت له : أنني كنت أتمنى أن تحاول . وإبتسمت . وفهم سبب الإبتسامة . أنه لو حاول ذلك فلن يصل .. ولن يعود ..!

وكان الضباط الذين يستجوبون الناس كلهم يتحدثون اللغة العربية . كان بعضهم من جنود الفرقة الأجنبية الفرنسية ومن أصل مراكشي . وكان معظمهم من الجنود الذين عاشوا في مصر أثناء الإحتلال البريطاني . المهم أنهم كانوا يتحدثون العربية . حتى الألفاظ الشعبية العامية كانوا يعرفونها ..!

الطعام في بورسعيد كان مشكلة . مشكلة ضخمة بالنسبة إلى كل أب في بورسعيد . في الأيام الأولى من الإحتلال أغلق الفرنسيون مفاتيح المياه . كان لهم هدفان : الأول أن تظل النيران مشتعلة , تلتهم المنازل وتلعق وجوه الناس , حتى تضعف مقاومتهم . وينشغلوا بمقاومة النار .. الهدف الثاني أن تعلن المدينة التسليم رسميا حتى يقولوا للعالم أنهم إحتلوها دون إراقة نقطة واحدة من الدماء . ومن أجل الهدف الثاني إتصلوا بمحمد رياض محافظ القنال مرات . قالوا سنمنع عنكم المياه حتى تموتوا من العطش . وأغلق محمد رياض السماعة في وجوههم . وعادوا يتصلون به .. وفي كل مرة كان لا يرد عليهم . وظلت المياه محبوسة . والعطش يمزق حلوق الناس .. والأطفال يبكون ويطلبون قطرة ماء . في هذه اللحظة لم يفكر أحد في الطعام .. فكروا في المياه .. ثم أمطرت السماء , وروى الناس عطشهم وأخمدت النيران . وإضطر الفرنسيون أن يفتحوا المياه . كان هذا بناء على أوامر القائد العام الإنجليزي للحملة . وكانت هذه الأوامر وراءها هدف آخر .. أن تحاول الحملة التودد إلى الناس تمهيدا لبناء قاعدة في بورسعيد . كان المفروض أنهم سيظلون فيها إلى أجل غير مسمى . وهذا يستدعي – طبقا لقواعد وأصول السياسة البريطانية – تخفيف الشعور بالعداء ضد الحملة . الخطوة التالية كانت النقود . سارت الميكروفونات تعلن أن القوات الإنجليزية ستدفع جنيها للعامل أجرا عن اليوم الواحد . ثم قفز الأجر إلى ثلاثة جنيهات في اليوم ..

وكان إلاق المتاجر سبب عذاب وقلق للآباء . الأب كان يترك أولاده في الصباح ليعود إليهم آخر النهار ومعه نصف أقة من البطاطس ..! وكان هذا يعد إنتصارا عظيما ومقياسا لمدى نفوذ الأب عند التجار ! كان القتال على عربات الخضار رهيبا . لقد رأيت موظفين كبارا وأصحاب أعمال يتزاحمون ويتقاتلون من أجل نصف أقة طمام ! لم يكن هناك لحم فلقد نفقت الماشية أثناء الإعتداء . لم يكن هناك سمك , فلقد حطم الإنجليز مراكب الصيد وأغرقوها . كميات ضئيلة كانت تصل إلى المدينة بواسطة المراكب الشراعية عبر بحيرة المنزلة .. كميات لا تذكر كانت توزع على 200 ألف مواطن بالمدينة . كان متوسط الذي يصل يوميا أقل من 3 أطنان من الخضار . وكان كل واحد يريد أن يحصل على طعام لنفسه ولأولاده ..

 

حبس الأزواج في البيوت

حظر التجول كان يبدأ في الخامسة تماما . ميكروفون يسير في المدينة يقول أن من سيشاهد في الشوارع ستطلق عليه النيران .. وكان منظر الناس في شوارع بورسعيد عند إقتراب الموعد لطيفا . كانوا كلهم يجرون مسرعين إلى منازلهم . وكانت الزوجات سعيدات بهذا الأمر ..! إن من عادة الأزواج في بورسعيد أن يسهروا خارج منازلهم في المقاهي إلى ما بعد منتصف الليل . وهذا الأمر جعلهم يعودون منذ الخامسة إلى منازلهم . وظلوا على هذا الوضع أكثر من شهر .. النتيجة أن معظمهم تعود على العودة مبكرا .. أن نصف الأزواج يعودون الآن إلى منازلهم قبل الساعة الثامنة ..! ويبدوا أن الزوجات إنتهزن الفرصة خلال فترة الإحتلال , ورحن يظهرن جمال سهرات المنزل .. حتى عندما تنبعث أصوات طلقات الرصاص كانت الضحكات تنبعث من المنازل . أطباق البطاطس كانت تقدم بشكل جديد كل ليلة .ووجد الأزواج السعادة في منازلهم لأول مرة ..!

 

قصة الصفافير

الصفافير كان لها قصة في معركة بورسعيد ..! وزع الإنجليز صفارة على كل منزل . إذا كانت هناك حالة ولادة أو مرض مفاجيء في أي منزل ينفخ أحد أفراده في الصفارة وتأتي دورية إنجليزية لتعرف سبب الصفير . ولم يستعمل الناس الصفافير لهذا الغرض ..! إستعملوها لغرض آخر . كانت الصفارة تنطلق ، وتسرع الدوريات إلى مكانها . ويكون في إستقبالها عدد من الفدائيين يجهزون على معظم الجنود ثم يختفون في الظلام ..! وقرر الإنجليز إبطال العمل بهذه الصفافير .. ولم تنقطع مهاجمة الدوريات ليلة واحدة ..!

وكانت الأسلحة والذخائر توزع بالنهار في الأحياء التي يتقرر مهاجمة الإنجليز فيها . كانت عملية التوزيع تتم أمام الإنجليز ! الزوجات كن يقمن بها ! كانت كل زوجة تضع بعض القنابل في العربة التي تحمل طفلها . وتغطيها بالمرتبة ثم تضع طفلها فوقها وتمشي في الشوارع توزع القنابل . وتمر أثناء ذلك على مئات الدوريات التي تبحث عن الأسلحة ! وحدث مرة أن أسقط طفل لعبة كان يلعب بها . وكانت أمه قد وضعت تحته في العربة أكثر من خمسين قنبلة يدوية !

وتصادف مرور دورية بريطانية . شاهد قائدها اللعبة وهي تسقط وتقدم من السيدة . وتسمر الناس الذين في الشارع في أماكنهم . كانوا يعرفون مهمة السيدة .. إن عثور الضابط الإنجليزي على القنابل سوف يؤدي إلى قتلها هي وطفلها .. في لحظات تحطمت أعصاب الناس . شخص واحد لم يهتم بالأمر . هذا الشخص هو السيدة نفسها ! ظلت الإبتسامة تتألق على شفتيها ! وشكرت الضابط برقة عندما إنحنى وتناول اللعبة وأعطاها للطفل ! وإنصرف الضابط مع دوريته . وتنفس الناس الصعداء . وتابعت السيدة سيرها .. وقال الناس أن أعصابها من الفولاذ !

وخدعة أخرى كانت تتم أمام الإنجليز ولا يحسون بها . كان يقوم بها سبعة من المرشدين الأمريكيين . كانوا في المدينة أثناء الإعتداء . ولجأوا إلى دار القنصلية الأمريكية ليحتمون من الرصاص والقنابل .. وبعد المعركة سار كل منهم يصور عشرات الصور التي تمثل وحشية المعتدين .. كانوا ناقمين على الحملة وجنودها . وحاولوا أن يساعدوا مصر بأية طريقة . وإهتدوا إلى الوسيلة . إنهم يستطيعون إثارة الرأي العام الأميركي . وطلبوا مقابلة القائد العام للحملة .وقالوا له أنهم يريدون تبادل الرسائل مع زويهم يطمئنونهم على أنفسهم . ووافق الرجل وبدأت الرسائل تطير في الطائرات من مصر إلى قبرص . ثم إلى أمريكا . هذه الرسائل كانت تحمل أبشع صورة تصور همجية المعتدين . وكانت سطورها من نار تحرق البقية الباقية من العلاقات التي تربط بين الشعب الأمريكي والحكومتين الإنجليزية والفرنسية .

ولم يكتشف الإنجليز أن الرسائل التي يحملونها في طائراتهم هي في الحقيقة أحد أسباب ثورة الشعب الأمريكي عليهم !

 

وقصص أخرى كان يشترك في إعدادها وتمثيلها الأهالي !

وأشهر هذه القصص قصة تمثال إيدن .. كان الأهالي يتفننون في إعداد تمثال لإيدن يحشونه بالقش ثم يضعون فوق رأسه خوذة أحد الجنود الإنجليز القتلى ويكتبون عليها " إيدن " وكانوا يعلقون هذه التماثيل في الشوارع بعيدا عن أيدي الإنجليز . وتمر دورية . وتشاهد المنظر ويحاول الجنود إنزال التمثال ويفشلون ويعرفون ويحضرون عربات المطافيء لإنزاله ثم يحملونه معهم في إحدى السيارات إلى القيادة العامة . وآلاف الناس حولهم يضحكون ساخرين ..

رواية تمثيلية كانت تقدم كل يوم في أحد الشوارع . وأشهر هذه الروايات كانت يوم كتبوا على أحد التماثيل " خطر .. إحترس .. قد ينفجر "!

وقرأ الإنجليز هذه العبارة ، وإستدعوا خبراء المفرقعات . وحاصروا التمثال ساعات . وبدأ الخبراء يفحصونه بالمجسات ثم إكتشفوا أنه ليس فيه شيء سوى القش .وعادوا وضحكات السخرية تلاحقهم في كل مكان . وكانت هذه السخرية تثير الإنجليز في بعض الأحيان .

كانوا يطلقون الرصاص على الناس . ويتلقون الرد فورا .. عشرات من القنابل اليدوية تلقى فوقهم من كل مكان . وكان شعورهم بأن المدينة فيها اسلحة وذخائر يقلقهم ويجعلهم لاينامون الليل كانوا طول النهار يبحثون عن الأسلحة ولا يجدونها ! وعندما تظلم السماء تبدأ أصوات الطلقات النارية تنبعث من كل مكان في المدينة . بعضها كان موجها إلى الجنود والبعض الآخر بقصد تحطيم أعصابهم . إن حرب الأعصاب التي شنها الناس على الإنجليز هناك كانت سببا من أسباب خروجهم بسرعة . وأشد مراحل هذه الحرب كانت إطلاق الرصاص طول الليل حتى الفجر !

 

صديقة .. معبودة الصحافة

وبالقرب من شواطيء بحيرة المنزلة قهوة صغيرة إسمها قهوة صديقة . وصديقة هي صاحبة المقهى . إنها سيدة في الأربعين من عمرها . وتدير هذا المقهى منذ وفاة زوجها . تجلس طوال النهار تشد أنفاس الشيشة ..

في هذا المقهى كان يجتمع كل الصحفيين الذين دخلوا بورسعيد . كانوا يرتدون الملابس البلدية ويجلسون داخل المقهى في إنتظار رسول يرحل إلى القاهرة حاملا رسائلهم . وكثيرا ما فتش الإنجليز المقهى .. وفي كل مرة كانوا يفشلون . كانت صديقة بارعة في إخفاء الصور والموضوعات بسرعة . وكانت تقدم الشاي والقهوة للصحفيين وترفض في معظم الأحيان أن تتقاضى الثمن . وأصبحت " صديقة " معبودة الصحفيين في بورسعيد . ومعظمهم لازال يراسلها حتى الآن . وأنا أزورها في المقهى بين الحين والحين . وأجلس معها أستمع إلى ذكريات وحكايات روتها لي آلاف المرات . الغريب أنني لم أمل من سماعها . وأنا أنصحك . إذا سافرت إلى بورسعيد هذه الأيام لتشاهد الإحتفالات .. إختلس من وقتك دقائق . وإذهب إلى قهوة صديقة . سيدلك عليها الكثيرون . وهناك ستقضي دقائق في حصة تاريخ .. وستسمع قصة صفحة من صفحات كفاحنا .. وستقص القصة على أحفادك وتقول لهم .. لقد سمعتها من إحدى بطلات بورسعيد .. من " صديقة "

مصطفى شردي

***

وهكذا إستخلص لنا مصطفى شردي رحمه الله العديد من القصص الطريفة من وسط أجواء المعركة والتي جمعها بعين الصحفي التي تستطيع أن تقتنص ما تشاء وتختزل

 

 

 

 

 

 

محمد بيوض

يناير 2015م.

أخترنا لك: 

أضف الموضوع إلى صندوق أخترنا لك