Posted by رومانسية on December 19, 2009

نحن قوم لنا مع الشهادة والشهداء تاريخ طويل‏,‏ هذا قدرنا ونحن به راضون‏,‏ لا نكتفي بذرف الدموع فحسب علي كل شهيد منا‏,‏ استشهد بطلا كأعظم ماتكون الشهادة‏,‏ واعطي وطنه انبل وأشرف مايكون العطاء‏,‏ وإنما نحرص ايضا علي الكثير من الوان التكريم والتقدير لتخليد شهدائنا في مناسبات عديدة حتي تقرر بعد حرب اكتوبر المجيدة تخصيص يوم محدد في العام ليكون يوما سنويا للشهيد‏,‏ حيث تقرر منذ عام‏1973‏ اختيار يوم‏9‏ مارس ذكري استشهاد الفريق أول عبدالمنعم رياض في مثل هذا اليوم من عام‏1969.‏



وتم اختيار هذا اليوم لا لأنه ـ كما قيل اكثر ايام صمودنا اثناء حرب الاستنزاف ـ حشدا بالشهداء‏,‏ ولكن لأنه اليوم الذي شهد بعثا وتجسيدا لمعني القدوة في القيادة وإنكار الذات في ميدان القتال حين استشهد الفريق عبدالمنعم رياض في المواقع الأمامية بين جنوده وفتح باستشهاده صفحة جديدة في سبيل امجاد العسكرية المصرية‏.‏

ويوم استشهاده صدر بيان من رئاسة الجمهورية جاء فيه أن الرئيس جمال عبدالناصر ينعي للأمة العربية رجلا كانت له همة الابطال تمثلت فيه كل خصال شعبه وقدراته وأصالته وأن مصر تقدم عبدالمنعم رياض إلي رحاب الشهادة من أجل الوطن راضيا مؤمنة واثقة أن طريق النصر هو طريق التضحيات‏.‏
وتقرر في مثل هذا اليوم من كل عام ان يقف جميع رجال القوات المسلحة بمختلف المناطق والمواقع دقيقتين حدادا علي أرواح الشهداء صباحا‏,‏ وتقام في اليوم نفسه عقب صلاة العصر صلاة الغائب علي أرواح الشهداء في جميع مساجد القوات المسلحة‏.‏
ولا عجب ان يتقرر ايضا بعد انتصار اكتوبر‏1973,‏ اقامة اكبر واحدث نصب تذكاري للجندي المجهول في عالمنا المعاصر‏,‏ والجندي المجهول هنا هو رمز لكل شهيد معروف أو غير معروف ضابطا أو جنديا‏,‏ عسكريا أو مدنيا‏.‏

والنصب التذكاري المقام بمدينة نصر هو تتويج للنصب التذكارية التي حرصنا علي إقامتها تخليدا لشهدائنا ونذكر علي سبيل المثال نصب شهداء طلاب الجامعة المقام امام جامعة القاهرة وهم الأبطال الذين تطوعوا في صفوف المقاومة الشعبية ضد الاستعمار البريطاني في قاعدة السويس في أوائل الخمسينات‏.‏
ونذكر ايضا نصب الجندي المجهول لشهداء البحرية المقام بالاسكندرية عام‏1966‏ تكريما لابطال البحرية المصرية الذين سقطوا في معركة البرلس عام‏1956‏ ضد العدوان الثلاثي الانجليزي الفرنسي الاسرائيلي علي مصر آنذاك‏,‏ وهناك أيضا نصب تذكاري للجندي المجهول في مقابر شهداء القوات المسلحة بالعباسية تخليدا لشهداء حرب‏1956,1948,‏ وهناك كذلك نصب تذكاري لشهداء بورسعيد المدينة التي تصدت مرارا للغزو الأجنبي‏.‏

وكما سبقت الاشارة‏,‏ فقد جاء نصب الجندي المجهول بمدينة نصر الذي أقيم عام‏1975‏ رمزا لشهداء حرب‏6‏ اكتوبر‏1973‏ وتتويجا لكل النصب التذكارية‏.‏ وقد أقيم علي شكل هرم خرساني مفرغ علي مساحة‏10‏ آلاف متر مربع بأرتفاع‏32‏ مترا ويتكون من كتلة واحدة تشكل من حائطين متداخلين باربع ارجل لكل منها وجهان بمسطح‏325‏ مترا مربعا ويحتوي كل وجه‏183‏ سطرا من الكتابة البارزة المسجل عليها أسماء رمزية لشهداء وحدات وتشكيلات القوات المسلحة‏,‏ رمزا لاسماء كل الشهداء‏.‏

وأسفل قمة الهرم مكعب من البازلت الأسود‏,‏ تضاء فيه شعلة دائمة كما أضاءت ارواح الشهداء الطريق الي النصر ويحيط بالنصب ارض خضراء كرمز لارض مصر التي لا تكف عن العطاء‏.‏

ولقد استوحي الفنان فكرة النصب الهرمي من فكرة الخلود لدي قدماء المصريين ومن كون الهرم اكبر مقبرة في التاريخ وتم انجاز هذا العمل الكبير خلال ثلاثة اشهر فقط ونقل اليه رفات الجندي المجهول في‏21‏ سبتمبر‏1975‏ رمزا لشهداء مصر‏,‏ ونائبا عن الرئيس حسني مبارك يقوم المشير محمد حسين طنطاوي وزير الدفاع بوضع أكاليل الزهور علي قبر الجندي المجهول‏.‏

واذا كان جيلنا يتذكر جيدا الفريق أول عبدالمنعم رياض و اللواء مهندس احمد حمدي احد عمالقة وحدات الكباري بسلاح المهندسين في حرب اكتوبر‏1973,‏ وقد أطلق اسمه علي النفق الذي اقيم في موقع استشهاده‏.‏

اذا كان جيلنا يتذكر جيدا مثل هؤلاء الشهداء‏,‏ فالخوف كل الخوف ان تتواري ذكري شهداء أجيال سبقتنا علي امتداد تاريخ مصر الحافل بالشهداء‏.‏
كم من سكان وشباب حي عابدين يتذكرون الشهيد احمد عبدالعزيز احد ابطال حرب‏1948‏ الذي أطلق اسمه علي احد شوارع الحي‏.‏

كم من سكان وشباب حي المالية‏(‏ بلاظوغلي‏)‏ يتذكرون علي عبداللطيف المناضل السوداني المصري الذي يحمل احد شوارع الحي اسمه‏.‏ كافح من اجل حرية مصر والسودان في العشرينات‏,‏ وشاءت الأقدار ان يتواري جسده الطاهر في مقبرة الشهداء بالغفير عام‏1952.

كم من سكان وشباب حي بورفؤاد يتذكرون محمد المزاحي الضابط البورسعيدي الذي أستشهد وهو يحمي شوارع بورفؤاد .

ماذا لو اعددنا قاموسا مكتوبا لهؤلاء الشهداء‏..‏ ان اسماء شهدائنا تشكل مفردات قاموس ضخم‏,‏ لو أعددناه لأصبح موسوعة تاريخية لكل جيل‏.‏
ماذا لو أعددنا لوحة شرف بشكل وحجم مناسب تثبت في بداية ونهاية كل شارع يحمل اسم شهيد من شهدائنا‏,‏ ويسجل عليها في نقاط محددة ومركزة سيرة هذا الشهيد‏.‏

إن سيرة هؤلاء الشهداء في قاموس مكتوب‏..‏ أو علي جدران شوارعنا‏,‏ صفحات مفتوحة من تاريخنا القومي‏,‏ تنبض بالحياة وإن فارق اصحابها الحياة‏..‏ ولعل هذا سر ديمومة هذا الشعب المصري العريق‏.‏