Posted by Engineer on January 20, 2011

كتب:"قاسم مسعد عليوة" ...أثار الفنان التشكيلى الكبير "عاطف زرمبة"  شجونى ورقرق دموع الامتنان فى عينى بنشره لعدد من الصور الفريدة لرسوم الفنان التلقائى عظيم الموهبة ابن بورسعيد "طه شحاتة" على شبكة المعلومات الدولية؛ واكتشفت كم قصَّرت بورسعيد وقصَّر مثقفوها وإداريوها فى حق هذا الفنان ذى القامة العالية والقيمة الرفيعة؛ وهل بعد تبديد المآثر الفنية التى خلَّفها لنا هذا الفنان الشعبى الأصيل من تقصير؟..

 

     لقد كان "طه شحاته" جم الحركة كثير النشاط. أثرى بريشته وألوانه، هو الإنسان البسيط، وعى سكان المدينة، فظل اسمه يتردد فى أجواء المدينة لأكثر من عقد، لاسيما عقدى الخمسينيات والستينيات من القرن الفائت، ولم يرحل عن دنيانا إلا وقد ترك لنا تراثاً هو البرهان الأكيد على إمكان تغلغل الجمال البصرى فى حيواتنا اليومية، وممارساتنا العملية، ومسالكنا المعيشية. ترك هذا الفنان الجميل تراثاً ذاخراً فى كل ركن من أركان المدينة. حتى حى الإفرنج وحى بورفؤاد، المتعاليين على الحيين الشعبيين: العرب والمناخ، وجدت ريشة وألوان "طه شحاته" طريقها إليهما.

 

     مَن فى تلك الأزمان لم يسمع باسم "طه شحاتة"؟.. من لم يقف ليتأمل رسوماته وخطوطه البديعة.. فى الشوارع، على سواحل البحر ومراسى البحيرة، على سطح قناة السويس وداخل الميناء، على الأرصفة، فى أسواق السمك والخضر والفاكهة، وفى قلب حارة العيد؟.. من؟.. لا أظن أن واحداً وقتها لم يسمع به أو يشاهد مآثره، ففى أى مكان تحركنا فيه، كان ثمة شىء جميل خطه أو رسمه "طه شحاتة".

 

     لقد ترك هذا الفنان الشعبى القدير كنزاً ثميناً، تركه للمدينة كلها، وللأسف نبحث عن هذا الكنز الآن فلا نجده، لأننا بددناه بإهمالنا وعدم تقديرنا، والتفاتنا عنه إلى الغث المشوة عديم القيمة.

 

 

     كان ـ رحمه الله ـ فناناً ذا أسلوب ورسالة، وكان مشبعاً بالروح المحلية ومعبراً عن هوية البيئة الساحلية التى يعيش فيها والتقاليد المصرية الأصيلة والثقافة الإسلامية الرشيدة. رسومه كانت حرة، تكويناتها معبرة، وتوزيع العناصر والموضوعات عنده متلائم والمسطحات التى يرسم عليها أياً كان شكل ودرجة استواء هذه المسطحات. لم يول اهتماماً كبيراً للمقاييس والأحجام التى تفرضها قواعد المنظور، لكنه ماز بتركيزه الشديد على حركة الحياة وظواهر الطبيعة وتفاصيل العمل اليومى. لم يؤرق نفسه بإعادة اكتشاف الهوية محلية أو قومية، لأنها كانت مغموسة فى ألوانه محمولة على ريشته.

 

     كان فناناً فطريا يرسم لوحات تنطق بلغة يفهمها الجميع، لغة لا تتعالى ولا تبالغ، وخطوطه كانت خطوطاً خالية من الحذلقة ومن التفاصيل غير الضرورية، أتذكرها الآن فأراها قد جمعت بين القوة والنعومة، الصراحة والبساطة، وخبرة الحياة وطزاجة الرؤية؛ ومع كل هذا كانت مفعمة  بقدر غير قليل  من البراءة الطفولية.

 

     عاصرتُ الفنان الشعبى هائل الطاقات صبياً فشاباً، وكنتُ كغيرى أقف مشدوهاً تحت السلم الذى يعتليه وهو ينقش رسومه البديعة على جدران منازل الحجيج قبيل أوبتهم، وكان الطلب عليه شديداً.. وكنا نقلد رسومه على حوائط بيوتنا أو فى كراريسنا.. نرسم مثله ولا يمكن أن تكون رسومنا مثل رسومه، لكنه تقليد الأطفال. كنا نرسم  الكعبة والنخلة والقطار والباخرة والطائرة والجمل وعروسة البحر والكبش المضحى به والكف المانعة للحسد والعين التى اخترقها العود والكفين الضارعين لله بالدعاء، وما أكثر ما كتبنا العبارة الشهيرة التى لا يخلو منها رسم  من رسومه للحجيج "حج مبرور وذنب مغفور"، أو العبارة الأخرى التى يقولها الصبى الواقف أسفل النخلة مخاطباً بها الفلاح المتشعلق بالنخلة، القريب من سباطة بلحها: "هات بلحة والنبى ياعم".

 

 

     كنا أحياناً نطلب منه أن يرسم عروسة البحر لأن نصفها العلوى عار ويعجبنا، أو يكثر من عدد عربات القطار حتى تصل إلى نهاية الحائط، أو يرسم سمكاً كثيراً تحت الباخرة التى تمخر عباب بحر مَوَّج ماءه فوق الحائط؛ وكان رجلاً طيباً يتحمل زحامنا وسماجاتنا، لم يحدث أن شخط فينا أو هشنا بعيداً عنه. أهل الحجيج هم الذين كانو يفعلون هذا، أما هو فأحيانا ما كان يطلب منا مناولته "كوز بوية" أو "قزازة نفط" أو "حتة خرقة" من أشيائه القليلة التى يترك بعضها أسفل السلم ويأخذ بعضها معه. لحظتها كنتُ وأنا بعد صبى أسارع  إلى ما يطلب مسابقاً الوقوف، لا لشىء إلا لأصعد ثلاث درجات أو أكثر من درجات السلم  وأكون أكثر قرباً من الرسوم طرية الألوان.

 

 

    كانت رسومه تزين أكشاك الحلويات والسجائر وعربات الجيلاتى والزبادى وعربات اليد، والثلاجات الخشبية ومحلات تكسير الثلج، وواجهات محلات العصير والمطاعم، ومحلات بيع الأسماك والبطارخ وغيرها. كان أصحابها يطلبونه لما تتميز به رسومه من حيوية وقدرة عى إدخال البهجة على من يراها؛ فإذا ما رأيتَ الآن عربة جيلاتى مرسوماً عليها طفلة تلعق بسكوتة جيلاتى فاعلم أن لمن رسم هذه الطفلة أستاذاً اسمه "طه شحاتة"، وإذا رأيتَ حوتاً  مرسوماً على واجهة محل يبيع الأسماك فهو إنما خرج من بحر "طه شحاتة"، وإذا رأيتَ عيناً خزها عود ملتصقة بمقدمة مركب مركونة على الساحل فراسمها القديم هو "طه شحاتة"، وإذا رأيتَ ثمار بطيخ أو تفاح أو عنب أو كمثرى مرسومة على أخشاب عربة اليد فتأكد أن ما تراه إنما جُمع من بساتين "طه شحاتة"؛ وإذا بدت لك البنت المرتديه المايوه منسدلة الشعر التى تنظر إليك من جدار ثلاجة فوق الرصيف فاتنة، فثق أن فتنتها  هذه مستقاة من روتوش فرشاة "طه شحاتة"؛ أما "الست اللى بتطير فى الهوا"، و"اللى بتحط اللمبة على بطنها تنور.. على صدرها تنور"، و"رسوم شيكو بيكو العجيب"، والراقصة التى تتحداك على تابلوه عربة النشان، والزهور الريانة على الأراجيح والسواقى القلاَّبة بحارة العيد، فجميعها بالحتم من نتاج تلويحات ريشة الساحر "طه شحاتة".

 

 

     كان هناك رسام آخر اسمه على ما أذكر "مهنى"، وكان يفعل ما يفعله "طه شحاتة"،أو بالأصح يحاول أن يفعل ما يفعله "طه شحاتة"، لكن هيهات بين المهارتين. هو نفسه كان يعترف بأن رسومه أقل فنية من رسوم "طه شحاتة"، ولكى يتقى معاكساتنا كان يقول "طه شحاتة ده أستاذى، والعين عمرها ما تعلا ع الحاجب"، ومع هذا كنا نسعى إلى إغاظته "كبشك داهن روج، وعروسة البحر بتاعتك لها قرون"، وكان منا  من ينتهز سهوة منه ليدس الرمل فى كيزان البوية، ومنا من كان يخربش الحوائط أو أسطح العربات أثناء قيامه بالرسم عليها، وكان من يفعل هذا يجرى ونحن نجرى معه، إلى أن اشتكانا "مهنى" لـ"طه شحاتة" فوبخنا وقال "خللوا الكل يسترزق".

 

     سرور كهذا السرور الذى باغتنى به الفنان "عاطف زرمبة" انتابنى لما حدثنى ذات مرة عالم الفولكلور د. "عبد الحميد حواس" عن رسومات "طه شحاتة" وفنيتها، وبدا لى من حديثه مدى التتيم والإكبار الذى يكنه لهذا الفنان الشعبى الأصيل، قلت له إن معرضاً كان قد نُظم فى بورسعيد فوق رصيف مدرسة الواصفية منذ سنوات طوال ضم عدداً من لوحاته، وأن الجهة المنظمة له كانت مديرية الثقافة، كما كانت تعرف وقتها، والآن هى فرع محافظة بورسعيد الثقافى التابع للهيئة العامة لقصور الثقافة، وإننى حينما حادثت الصديق محمد خضير، مدير الفرع الثقافى الآن، أبدى تحسره لأنه لا يعرف كيف يستعيد هذه اللوحات بعد رحيل مبدعها، ولا يعرف أين ذهبت؛ ولم يتركنى د. "حواس" إلا بعدما أسمعنى كلاماً كثيراً عن الإهمال الذى ضرب أطنابه فى كل شىء بمصرنا، وأكثر من الكلام عما يمثله هذا الإهمال من أذى للذاكرة الشعبية.

 

     ولعلها تكون فرصة سانحة الآن  لندعو كل من يعرف شيئاً عن هذه اللوحات أن يمد بها كلاً من: الفنان عاطف زرمبة، الآستاذ محمد خضير، وكاتب هذه السطور، فلعلنا نستطيع أن نفعل شيئاً مفيداً لتراث المدينة الشعبى ولفنانها القدير "طه شحاتة".


                                                    قاسم مسعد عليوة

kassemelewa@yahoo.com

 

الصور من مجموعة الفنان التشكيلى الكبير عاطف زرمبة.

Comments

الله عليك وعلى جمالك يا استاذنا الكبير .. فكرتنا بالغايب الحاضر وربنا ما يحرمنا من كتاباتك